‏إظهار الرسائل ذات التسميات نصوص ب. بورديو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نصوص ب. بورديو. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 16 نونبر 2011

يد الدولة اليمنى ويدها اليسرى


يد الدولة اليمنى ويدها اليسرى*


حوار مع بيير بورديو

عن : نقيض نار [مطفأة الحريق]{ نصوص للمساهمة في مناهضة المد النيوليبرالي }

أبريل 98

سؤال : لقد تناول العدد الجديد من المجلة التي تديرونها موضوع المعاناة (1). ونحن نجد في هذا العدد عدة حوارات مع أشخاص لا تعطيهم وسائل الإعلام الكلمة عادة : شباب الضواحي المحرومون ، صغار الفلاحين ، العمال الاجتماعيون. لقد عبر الأستاذ الرئيس في إعدادية على سبيل المثال ، والذي يعاني من صعوبات جمة ، عن مرارته الشخصية ؛ فبدل أن يحرص على نقل المعارف لتلامذته ، تحول على الرغم منه إلى شرطي في ما يشبه كوميسارية، فهل تعتقدون أن شهادات شيقة وطريفة كهاته يمكن أن تساعد على تفهم تململ اجتماعي؟ …

بيير بورديو : إننا نلتقي في إطار البحث الذي نجريه حول المعاناة الاجتماعية عديدا من الأشخاص كهذا الأستاذ الرئيس في الإعدادية الذين داستهم واخترقتهم تناقضات العالم الاجتماعي المعيشة على شكل محن شخصية، وأستطيع أن أذكر أيضا رئيس المشروع هذا المكلف بتنسيق جميع النشاطات في إحدى ” الضواحي الصعبة ” بمدينة صغيرة شمال فرنسا، لقد وجد نفسه في مواجهة تناقضات هي الحد الأقصى للتناقضات التي يشعر بها حاليا كل أولئك الذين نسميهم ” عمالا اجتماعيين ” : المساعدين الاجتماعيين ؛ المربين ؛ هيئة القضاء ؛ وأيضا أكثر فأكثر الأساتذة والمعلمون. إنهم يشكلون ما أسميه اليد اليسرى للدولة ؛ مجموع أعوان الوزارات المستهلِكة كما يقال عنها ، والتي هي في كنف الدولة بصمة وعلامة على صراعات الماضي الاجتماعية ، إنهم يتقابلون مع اليد اليمنى المتمثلة في كبار موظفي وزارة المالية والأبناك العمومية أو الخاصة والمكاتب الوزارية. إن عددا من الحركات الاجتماعية التي نشهدها ( وسنشهدها ) هي تعبير عن ثورة النبالة الصغرى للدولة ضد نبالتها الكبرى.

سؤال : كيف تفسرون هذا السخط ، هذه الصورة من فقدان الأمل وهذه الثورات؟ ..

ب.ب: أعتقد أن لدى اليد اليسرى إحساسا بأن اليد اليمنى لم تعد تعرف أبدا ، أو أدهى من ذلك ، لم تعد تريد أبدا حقا معرفة ما تفعله اليد اليسرى، وفي كل الأحوال فهي لا تريد أن تؤدي ثمن ذلك. وأحد الأسباب الكبرى لفقدان الأمل لدى كل هؤلاء الأفراد يكمن في أن الدولة انسحبت ، أو هي في طريقها للانسحاب ، من عدد من قطاعات الحياة الاجتماعية الملقاة على عاتقها والتي هي مكلفة بها: السكن العمومي ، المستشفيات العمومية . . . الخ ، وهو سلوك مدهش ومشين كثيرا على الأقل بالنسبة لبعضها عندما يتعلق الأمر بدولة اشتراكية يمكننا أن نتوقع منها على الأقل أن تشكل ضامنا للمصلحة العمومية كمصلحة مفتوحة وتخدم الجميع بدون تمييز . . . إن ما يوصف بكونه أزمة في السياسة ونقيضا للنزعة البرلمانية هو في الواقع فقدان الأمل اتجاه الدولة كمسؤولة عن المرفق العمومي.

كون الاشتراكيين لم يكونوا اشتراكيين كما يزعمون ، فهذا لن يغيظ أحدا : فهذه الأوقات عسيرة ، وهامش المناورة والفعل ليس واسعا، لكن ما يمكن أن يفاجئنا هو أنهم استطاعوا أن يساهموا إلى هذا الحد في إضعاف الشأن العمومي : أولا في الأفعال عبر جميع أنواع التدابير أو السياسات ( ولن أشير هنا إلا إلى وسائل الإعلام ) المستهدفة لتصفية مكتسبات الدولة الحامية Welfare State ، وبخاصة ربما في الخطاب العمومي من خلال امتداح المقاولة الخاصة( كما لو أنه لم يكن لدى روح المقاولة أي ميدان آخر غير ميدان المقاولة ) وتشجيع المصلحة الخاصة.في كل هذا شيء مما يفاجئ ، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين يتم إرسالهم إلى الخطوط الأمامية للقيام بالمهام المسماة ” اجتماعية ” وسد أشكال نقص منطق السوق الأكثر عدم قابلية للتحمل ، بدون تزويدهم بالوسائل التي تمكنهم حقا من إنجاز مهامهم. فكيف لا يمكن امتلاك الإحساس بأنك تعرضت للنصب أو يتم التنكر لك بشكل دائم ؟ ..

كان علينا أن نفهم منذ مدة طويلة أن ثورتهم تمتد إلى ما وراء مسائل الأجر ، حتى ولو أن الأجر المحصل عليه هو مؤشر لا اشتباه فيه للقيمة الممنوحة للعمل وللقائمين به ؛ فالازدراء لوظيفة ما يلاحظ أو من خلال المقابل المادي ( الأجر ) المخصص لها ، الأقل أو الأكثر تفاهة.

سؤال : هل تعتقدون أن هامش الفعل لدى الحكام السياسيين هو بهذا الحد من الضيق؟ ..

ب.ب: إنه دون شك أكثر تقلصا مما يراد لنا أن نعتقد ، ويظل هناك على كل حال مجال تمتلك فيه الحكومات كامل حرية التصرف : إنه مجال الرمزي.يتوجب أن تفرض نموذجية السلوك على جميع موظفي الدولة ، وخاصة عندما تحتمي هذه النموذجية بتقليد الإخلاص لمصالح الناس الأكثر خصاصة وفقرا. بيد أنه كيف لا يمكن التشكك عندما نرى فقط لا أمثلة الفساد ( التي هي أحيانا رسمية تماما من خلال مكافئات بعض كبار الموظفين ) أو خيانة المصلحة العامة ( والكلمة بدون شك جد قوية : وأنا أعني السلوك الأعوج ) وكل أشكال الاختلاس لممتلكات وأرباح وخدمات عمومية لغايات خاصة : المحسوبية ، المحاباة ( فلدى حكامنا كثير من ” الأصدقاء الشخصيين ” ) ، الزبونية ؟ ..

وأنا لا أتحدث عن الأرباح الرمزية ! فالتلفزة ساهمت بدون شك بنفس قدر مساهمة الرشاوى في انحطاط الفضيلة العمومية؛ لقد نادت ودفعت إلى واجهة المسرح السياسي والثقافي الأمامية مسألة : ” هل رأيتني ؟ .. ” مهمومة قبل كل شيء بضمان الظهور على الشاشة والتباهي بالذات في تناقض كلي مع قيم التضحية والتفاني المعتمة للمصلحة الجماعية التي تصنع الموظف أو المناضل. إن نفس الهم الأناني المتمثل في التباهي وإضفاء القيمة على الذات ( في الغالب على حساب المنافسين ) هو الذي يوضح كيف أن ” تأثيرات الإعلان الإشهاري ” تحولت إلى ممارسة جد شائعة ؛ فإجراء ما بالنسبة للعديد من الوزراء يكون لا قيمة له فيما يبدو إلا إذا كان يقبل أن يعلن عنه إشهاريا واعتباره منجزا منذ اللحظة التي يضحي فيها عموميا. وباختصار ، فإن الفساد الأكبر الذي يؤدي إلى إماطة النقاب عن الفضيحة لأنه يكشف عن التفاوت بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية ، ليس إلا تعريفا لكل ضروب ” العنف ” الصغيرة والعادية وعرضا للفخفخة وقبولا محموما للامتيازات المادية والرمزية.

سؤال : ما هو من وجهة نظرك رد فعل المواطنين إزاء الوضعية التي اكتشفتها؟..

ب.ب:لقد قرأت مؤخرا مقالة لكاتب ألماني حول مصر القديمة ، وهو يبين كيف أننا نرى شيئين يزهران في عصر أزمة الثقة في الدولة وفي المرفق العمومي : فلدى الحكام نرى الفساد المرتبط بانحطاط احترام الشأن العمومي ، ولدى المهيمن عليهم نرى التدين الشخصي مرفقا بفقدان الأمل المتعلق بالملاذات الدنيوية. ولدينا اليوم أيضا شعور بأن المواطن الشاعر بكونه ملفوظا خارج الدولة ( التي لا تطلب منه في العمق أي شيء آخر خارج المساهمات المادية الإجبارية وخاصة التضحية بالذات والتحمس ) يرفض الدولة وعاملا إياها كقوة خارجية وغريبة عنه يستخدمها لتحقيق أهم مصالحه.

سؤال : لقد تحدثت عن الحرية الكبرى لدى الحاكمين في المجال الرمزي ، و لا يتعلق الأمر بالسلوكيات المقدمة كأمثلة ؛ إذ يتعلق الأمر أيضا بالأقوال وبالمثل المعبئة ، فمن أين يأتي النقص والقصور الحاليان بخصوص هذه النقطة؟ ..

ب.ب: لقد تحدثنا كثيرا عن صمت المثقفين ، وما يصدمني هو صمت السياسيين ؛ إنهم مفتقرون بشكل كبير للمثل المعبئة ، وذلك بدون شك لأن تحويل السياسة إلى حرفة والشروط المطلوبة من أولئك الذين يرومون تحقيق وضعية بداخل الأحزاب يقصيان أكثر فأكثر الأفراد الملهمين ، وبدون شك أيضا لأن تعريف النشاط السياسي تغير مع مجيء الموظفين الذين تعلموا في المدارس ( مدارس العلوم السياسية ) أنه من أجل أن تعمل بجد أو بكل بساطة حتى تتجنب الظهور بمظهر أداة التهييج أو كتحفة قديمة يستحسن التحدث عن التدبير بدل التدبير الذاتي ، وأنه يتوجب في كل الأحوال أن تضفي على ذاتك مظاهر ( أي لغة ) العقلانية الاقتصادية.

إن كل أنصاف الحذاق هؤلاء في مجال الاقتصاد المنغلقين بداخل النزعة الاقتصادية الضيقة والقصيرة النظر لدى نظرة صندوق النقد الدولي FMI للعالم التي أحدثت ( وستحدث ) أضرارا فادحة في علاقات الشمال / جنوب تغفل بطبيعة الحال الأخذ بعين الاعتبار للتكاليف الحقيقية على المدى القصير ، وبخاصة على المدى البعيد للفقر المادي والمعنوي الذي هو العاقبة الوحيدة والمؤكدة للسياسة الواقعية Realpolitik المشرعنة اقتصاديا : انحراف ، جريمة ، إغراق في الكحول ، حوادث الطرق . . . الخ . إن اليد اليمنى هنا أيضا المشغولة بمسألة التوازنات المالية تجهل ما تفعله اليد اليسرى المحتكة والمجابهة بالعواقب الاجتماعية لــ ” اقتصاديات الموازنات والميزانيات ” المكلفة غاليا في الغالب.

سؤال : هل فقدت القيم التي أسست عليها أفعال ومساهمات الدولة كل مصداقية ؟ ..

ب.ب: إن أول من يستخف بهذه القيم هم حراسها ، ولقد فعل مؤتمر رينس Rennes وقانون العفو من أجل إسقاط المصداقية عن الاشتراكيين أكثر مما فعلته عشر سنوات من الحملة ضد الاشتراكيين، ومناضل ” مرتد ” ( بكل معاني الكلمة ) يحدث من الخسائر أكثر مما يحدثه عشر خصوم. إلا أن عشر سنوات من السلطة الاشتراكية أنجزت بالكامل هدما للإيمان بالدولة وتدميرا للدولة الحامية وقع في السبعينيات باسم الليبرالية ؛ وأشير بذلك على الخصوص لسياسة الإسكان ، فقد كان لهذه السياسة كهدف معلن انتشال البورجوازية الصغيرة من السكنى الجماعية ( وبذلك من ” النزعة الجماعية ” ) وربطها بالملكية الخاصة لجناحها الفردي أو لشقتها في إطار الملكية المشتركة ، ولم تفعل هذه السياسة بمعنى ما سوى أنها نجحت نجاحا باهرا ، ونتيجتها توضح ما قلته منذ لحظة بخصوص التكاليف الاجتماعية لبعض الاقتصادات ؛ وذلك لأنها بدون شك العلة الكبرى وراء العزل الفضائي ، ومن ثمة وراء ما يسمى مشاكل ” الضواحي ” .

سؤال : إذا ما أردنا تحديد نموذج مثالي فسيكون إذن متمثلا في العودة باتجاه الدولة والشأن العمومي ، إنكم لا تشاطرون جميع الناس آراءهم .

ب.ب:رأي من رأي جميع الناس ؟ .. أهو رأي الأشخاص الذين يكتبون في الصحف والمثقفين الذين يوصون بــ ” أقل ما يمكن من الدولة ” والذين يدفنون بسرعة ما الشأن العمومي والمصلحة العمومية من أجل العموم . . إن لدينا هاهنا نموذجيا نمطيا لتأثير هذا المعتقد المشترك الذي يضع أطروحات قابلة تماما للمناقشة على الفور خارج إطار النقاش. يتوجب تحليل العمل الجماعي لــ” المثقفين الجدد ” الذي خلق مناخا إيجابيا لانسحاب الدولة ، وبشكل واسع ، لإخضاع كل شيء للقيم الاقتصادية ؛ إنني أشير إلى ما سمي ” عودة النزعة الفردية ” ، وهي ضرب من النبوءة المنجزة ذاتيا تنحو نحو تدمير الأسس الفلسفية للدولة الحامية Welfare State ، وبخاصة مفهوم المسؤولية الجماعية ( في حوادث الشغل والمرض والبؤس ) ، وهي الفتح الأساسي للفكر الاجتماعي ( والسوسيولوجي ) . إن عودة الفرد هي أيضا ما يسمح بـ ” توبيخ الضحية ” المسؤولة وحدها عن تعاستها ونصحها بالبحث عن سبل الإغاثة الذاتية ، كل ذلك تحت غطاء ضرورة إنقاص تكاليف المقاولة التي يتم تردادها بشكل لا يعرف التوقف.

لقد خلقت ردة فعل الذعر المستعيد للماضي ، والتي حتمت أزمة 68 ، وهي الثورة الرمزية التي خضت كل الحاملين الصغار لرأسمال ثقافي ( إلى جانب الدعامة المتمثلة في الانهيار ـ غير المأمول للأنظمة من النمط السوفياتي ) خلقت الشروط الإيجابية للتشييد الفكري الذي عوض في نهايته ” فكر العلوم السياسية ” ” فكر ماو ” .

إن العالم الثقافي اليوم هو مجال صراع يستهدف إنتاج وفرض ” مثقفين جدد ” ، وإذن تعريفا جديدا للمثقف ودوره السياسي ، تعريفا جديدا للفلسفة والفيلسوف المنخرطين منذ الآن فصاعدا في النقاشات الفضفاضة لفلسفة سياسية بدون فنية {تقنية} ، لعلم اجتماعي مختزل إلى علم سياسة الأمسيات الانتخابية ، ولتعليق غير حذر على استطلاعات الرأي التجارية بدون منهج. لقد كانت لدى أفلاطون كلمة رائعة تنسحب على كل هؤلاء الناس ، وهي فيلسوف الدوكسا Doxosophe : فــ ” تقني الرأي هذا الذي يعتقد أنه عارف ” ( وأنا هنا أترجم المعنى الثلاثي للكلمة ) يطرح مشاكل السياسة بنفس الألفاظ التي يطرحها بها رجال الأعمال ورجال السياسة والصحافيون السياسيون ( أي بالضبط أولئك الذين يستطيعون أداء ثمن استطلاعات الرأي لصالحهم . . ).

سؤال: لقد أتيت على ذكر أفلاطون ، فهل يقترب سلوك السوسيولوجي من سلوك الفيلسوف؟ ..

ب.ب: إن السوسيولوجي يتعارض مع فيلسوف الرأي Doxosophe {الدوكسوسوفي} في أنه يضع البداهات موضع تساؤل مثلما هو شأن الفيلسوف ، وبخاصة تلك التي تطرح على شكل أسئلة ، أسئلته هو وكذا أسئلة الآخرين ، وذلك ما يصدم بعمق الدوكسوسوفي الذي يرى حكما سياسيا مسبقا في رفض الخضوع السياسي في العمق ، والذي يستلزم القبول اللاشعوري بقواسم مشتركة بالمعنى الأرسطي : أي الموضوعات أو الأطروحات التي تتم بواسطتها عملية الحجاج والبرهنة ولكننا لا نبرهن عليها هي ذاتها.

سؤال : ألا تنحو بمعنى ما نحو إحلال السوسيولوجي محل الفيلسوف ـ الملك الذي يعرف وحده أين تكمن المشاكل الحقيقية؟ ..

ب.ب: إن ما أدافع عنه قبل كل شيء هو إمكانية وضرورة المثقف النقدي والناقد أولا للدوكسا الفكرية التي يفرزها الدوكسوسوفيون ؛ فليست هناك ديمقراطية حقيقية بدون سلطة مضادة نقدية حقيقية ، والمثقف أحد مكونات هذه السلطة المضادة في المقام الأول ، وهذا هو السبب في أنني أعتبر أن فعل تدمير المثقف النقدي ، حيا أو ميتا ، ماركس ، نيتشه ، سارتر ، فوكو ، وبعض الفلاسفة الآخرين الذين نصنفهم تحت يافطة ” فكر 68 ” ـ هو فعل خطير وبمثل خطورة تدمير الشأن السياسي ويندرج في نفس المسعى الشمولي الرامي لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

إنني أود طامعا بطبيعة الحال أن يكون لدى المثقفين كلهم ، وأن يكونوا دائما في مستوى المسؤولية التاريخية الكبرى الملقاة على عاتقهم وأن يجندوا في إطار أفعالهم ونشاطاتهم لا سلطتهم المعنوية وحدها ، وإنما أيضا قدرتهم وكفايتهم الفكرية على طريقة بيير فيدال ناكي ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الذي وظف كامل اقتداره وتحكمه في المنهج التاريخي في نقد الاستخدامات المتعسفة للتاريخ (2). وهذا يعني كمناسبة لذكر كارل كراوس أن ” ما بين وجعين ، أرفض أن أختار أخفهما ” ، وإذا لم أكن قط متساهلا مع المثقفين ” غير المسؤولين ” ، فغنني لا أحب أيضا هؤلاء المسؤولين ” المثقفين ” المتعددي الأشكال والتآليف في ميادين مختلفة الذين يبيضون بضاعتهم السنوية في ما بين مجلسين للإدارة وثلاثة كوكتيلات صحافية وبعض مناسبات الظهور على شاشة التلفزيون .

سؤال: إذن ما هو الدور الذي تتمنى أن يلعبه المثقفون وخاصة في بناء أوربا ؟ ..

ب.ب: إنني أتمنى أن يستطيع الكتاب والفنانون والفلاسفة والعلماء إسماع أصواتهم مباشرة في مجالات الحياة العامة التي يتميزون بخصوصها بالأهلية. وأعتقد أن الجميع سيربح الكثير من تمدد منطق الحياة الثقافية والفكرية ، أي منطق المحاجة والتفنيد ، وتوسعه ليطال الحياة العامة. إن ما يمتد اليوم في الغالب ليطال الحياة الفكرية هو منطق السياسة ، أي منطق الوشاية والقدح وتحريف أفكار الخصم واعتبارها مجرد شعارات.

الانتقال إلى المستوى الأوربي هو فقط ارتفاع إلى الكونية بدرجة أعلى ؛ تسجيل لمرحلة من مراحل مسيرة الدولة الكونية التي هي أبعد ما تكون عن الإنجاز حتى في مجال الشؤون الفكرية. ونحن لن نربح شيئا ذا بال بالفعل إذا ما جاءت نزعة تمركز أوربية لتحل محل النزعات الوطنية المكلومة للأمم الإمبريالية القديمة. وفي الوقت الذي أفضت فيه كل يوتوبيات القرن 19 بكل أشكال فسادها ، فمن المستعجل خلق ظروف عمل جماعي لإعادة بناء عالم من المثل الواقعية هي كفيلة بتعبئة الإرادات دون مخادعة العقول.

باريس ، ديسمبر 1991 .

———————————

(1) ” المعاناة ” خطوات البحث في العلوم الاجتماعية ، 90 ديسمبر 1991 ، عدد الصفحات 104 و ب. بورديو وآل ” بؤس العالم ” باريس ، منشورات سوي 1993 .

(2) ب. فيدال ـ ناكي : ” اليهود ـ الذاكرة والحاضر ” ، باريس ، لاديكوفيرت ، المجلد 1 ، 1981 ، المجلد 2 ، 1991

الاثنين، 22 مارس 2010

الهشاشة اليوم في كل مكان


بقلم : بيير بورديو
عن : نقيض نار(نصوص من أجل خدمة حركة مناهضة المد النيوليبرالي)أبريل 98.
إن مجهود التفكير الجماعي الذي مورس هنا خلال يومين متتاليين هو مجهود جد أصيل ؛ وذلك لأنه جمع أناسا لم تتوفر لهم أبدا فرصة الاجتماع والاحتكاك ببعضهم البعض : مسؤولون إداريون وسياسيون ، نقابيون ، باحثون في الاقتصاد وعلم الاجتماع، عمال هم غالبا مؤقتون وعاطلون . إنني أحب أن أذكر بعض المشاكل التي نوقشت خلال هذين اليومين، وأولاها، والتي هي مقصاة ضمنيا في الاجتماعات العالمة، تتمثل في السؤال التالي: ما الذي سينتج في المحصلة عن كل هذه المناظرات ، أو بعنف أكثر ، ما هي الأغراض التي ستخدمها هذه النقاشات الفكرية؟.. وبشكل مفارق فإن الباحثين هم الذين سيقلقون أكثر من هذا السؤال، أو إن هذا السؤال هو سؤال باعث أكثر على القلق ( وأنا أعني هنا خاصة الاقتصاديين الحاضرين معنا هنا ، وإذن فأولئك الذي يقلقون من حقيقة الواقع الاجتماعي أو حتى من الحقيقة على الإطلاق لا يمثلون إلا قليلا مهنة هم بداخلها جد ناذرين ) بالنسبة لذاك الذي يرى السؤال وهو يطرح بشكل مباشر(وتلك بدون شك أحسن طريقة لطرح السؤال). إن الواقع بوصفه قاسيا وساذجا يذكر الباحثين بمسؤولياتهم التي يمكن أن تكون أكبر وأضخم على الأقل عندما يساهمون بفعل سكوتهم ومشاركتهم الفاعلة في الحفاظ على النظام الرمزي الذي هو شرط اشتغال النظام الاقتصادي.
ويبدو واضحا أن الهشاشة اليوم هي في كل مكان ، في القطاع الخاص كما في القطاع العام أيضا الذي ضاعف المناصب المؤقتة أو النيابية بداخل المقاولات الصناعية وأيضا بمؤسسات الإنتاج والنشر الثقافيين، تعليما وصحافة ووسائل إعلام . . . إلخ، حيث تحدث تأثيرات هي دائما متشابهة تقريبا ، تصبح منظورة بشكل خاص في حالة العاطلين القصوى : تحطيم بنية الوجود المحروم ، إلى جانب أشياء أخرى ، من بنياته الزمنية،وانحطاط مجموع العلاقة بالعالم ، بالزمان والمكان التي تعقب ذلك.إن الهشاشة تفعل فعلها بعمق في ذلك أو تلك التي تصاب بها، بإحالة كل المستقبل مستقبلا غير مأمون، إنها تحظر أي استباق عقلاني وبخاصة هذا الحد الأدنى من الإيمان أو الأمل في المستقبل الذي يجب امتلاكه من أجل امتلاك القدرة على الثورة أو التمرد ، جماعيا خاصة ، على الحاضر حتى أكثره عدم قابلية للتحمل.
وتنضاف لتأثيرات الهشاشة على أولئك الذين تمسهم مباشرة ، التأثيرات الممارسة على مجموع الآخرين الذين يبدو ظاهريا أنها تستثنيهم، إنها لا تمكن أحدا من نسيانها ، إنها حاضرة في أية لحظة ، في جميع الأذهان ( ما عدا بدون شك أذهان الاقتصاديين الليبراليين ، وذلك لأنهم ربما وكما لاحظ أحد خصومهم النظريين ، يستفيدون من هذا الضرب من النزعة الحمائية التي تمثلها الإقطاعة ، أي وضعية الترسيم التي تضمن لهم الأمان . . . ) إنها تخز الضمائر وتلاحق غير الواعين .إن وجود جيش هام من الاحتياطيين لم نعد نجده فحسب بفعل الإنتاج الزائد لحملة الشواهد على المستويات الأدنى من حيث الكفاءة والتأهيل التقني ، يسهم في جعل كل عامل على حدة يحس بفقدانه لما لا يمكن تعويضه ، وبأن عمله أو وظيفته امتياز نوعا ما ؛ امتياز هش ومهدد ( وذلك ما يذكره به إضافة إلى ذلك عند طيشه الأول مشغلوه والصحافيون والمعلقون من كل لون وجنس في إضرابه الأول ) . إن التهديد وانعدام الأمان الموضوعي يؤسس انعداما ذاتيا للأمن معمما يفعل فعله في يومنا هذا بقلب اقتصاد في أعلى درجات تطوره في مجموع العالم ، وحتى في أولئك الذين لم يمسسهم أو لن يمسهم مباشرة انعدام الأمان هذا. إن هذا الضرب من ” العقلية الجماعية ” ( وأنا أستعمل هذا التعبير رغم أنني لا أحبه كثيرا من أجل الإفهام فقط ) الموحدة في العصر بأكمله هي في مبدأ الحط من المعنويات وإخماد التعبئة التي يمكن ملاحظتها ( كما فعلت في الستينيات في الجزائر ) في بلدان متخلفة منكوبة جراء إصابتها بمعدلات انعدام الشغل أو التشغيل الناقص الكثيرة الارتفاع والمسكونة دوما بهاجس البطالة.
إن العاطلين والعمال المؤقتين ، نظرا لأنهم مسوا في قدرتهم على رسم مشاريع للمستقبل ، والتي هي شرط كل السلوكات المعتبرة عقلانية ابتداء بالحساب الاقتصادي ، أو في نظام مغاير تماما ، أي التنظيم السياسي ، فإنهم لم يعودوا قابلين للتعبئة أبدا. وبشكل مفارق ، كما أوضحت ذلك في العمل والعمال بالجزائر (1) ، وهو كتابي الأقدم وربما الأكثر راهنية من أجل تصور مشروع ثوري ؛ أي طموح معقول لتغيير الحاضر من خلال مرجعية مستقبل مرسوم ، فإنه يتوجب امتلاك حد أدنى من التجكم والإمساك بالحاضر. إن البروليتاري هو بخلاف البروليتاري ـ السفلي في هذا الحد من الضمانات الحاضرة والأمان الذي هو ضروري من أجل تصور طموح لتغيير الحاضر بعامل المستقبل المأمول، غير أنه وكما يقال ، هو أيضا شخص لا زال لديه شيء ما يدافع عنه ، شيء ما يفقده ، وهو عمله ولو كان مرهقا وتافه الأجر ، وعدد من سلوكاته الموسومة أحيانا بالحذر البالغ أو بالمحافظة حتى ، يهيمن عليها كمبدأ الخوف من السقوط إلى القاع والهبوط العائد نحو البروليتاريا ـ السفلى.
عندما تبلغ البطالة ، كما هو الحال اليوم في عدد من بلدان أوربا ، معدلات جد مرتفعة ، وتحيق الهشاشة بجزء هام من الساكنة : عمالا ومستخدمين في التجارة والصناعة ، وصحافيين ومدرسين وطلبة أيضا ، فإن العمل يصبح شيئا ناذرا ومرغوبا فيه بأي ثمن ، يضع العمال تحت رحمة مشغليهم ، وهؤلاء كما يمكننا أن نلحظ ذلك كل يوم ، يستخدمون ويفرطون في استخدام السلطة التي تمنح لهم جراء ذلك. إن التنافس من أجل الحصول على عمل يصبح زوجا لتنافس في العمل هو أيضا شكل من أشكال التنافس على العمل الذي يتوجب الحفاظ عليه وحمايته أحيانا بأي ثمن من ابتزاز التسريح. إن هذا التنافس الذي هو أحيانا بنفس وحشية التنافس الذي تمارسه المقاولات فيما بينها ، هو في جذر صراع حقيقي للجميع ضد الجميع مدمر لكل قيم التضامن الإنسانية ، وأحيانا ، في جذر عنف صامت بدون كلمات. إن أولئك الذين يأسفون لنزعة اللامبالاة التي تسم من وجهة نظرهم رجال ونساء عصرنا ، لا ينبغي عليهم إهمال مسألة إرجاعها للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تفرزها أو تشترطها .
وهكذا فإن الهشاشة تفعل فعلها في أولئك الذين تمسهم مباشرة ( وهي تجعلهم في حالة عدم القابلية للتعبئة ) وبشكل غير مباشر في كل الآخرين بفعل الخوف الذي تحدثه وتستثمره منهجيا استراتيجيات التفقير والهشاشة كإقحام ” المرونة ” الذائعة الصيت، والتي نفهم منها أنها مستلهمة من مبررات سياسية أكثر منها اقتصادية .
نشرع بذلك في التشكك في أن الهشاشة ليست نتاج قدرية اقتصادية معروفة ومشبهة ب ” العولمة ” الشهيرة ، وإنما هي نتاج إرادة سياسية . إن المقاولة ” المرنة ” تستغل نوعا ما بشكل واع وعن سبق إصرار وضعية لاأمان تسهم في تقويتها : فهي تروم الإنقاص من تكاليفها وأيضا جعل هذا الإنقاص ممكنا بتعريض العامل لخطر دائم بفقدان عمله. إن كل عالم الإنتاج المادي منه والثقافي ، العمومي والخصوصي ، يجد ذاته مدفوعا هكذا نحو سيرورة واسعة للتفقير والهشاشة مثلا من خلال تهجير المقاولة التي ارتبطت حتى ذلك الحين بدولة / أمة أو بمكان ما ( مضيق توران بالنسبة لصناعة السيارات ) ، وهذه المقاولة تنزع أكثر فأكثر نحو التحلل والتفكك من خلال ما يدعى ” المقاولة الشبكة ” التي تتمفصل على مستوى قارة أو على مستوى البسيطة بأكملها ، بوصل أجزاء الإنتاج والمعارف التكنولوجية وشبكات الاتصال ومدارات التكوين الموزعة على أماكن جد متباعدة.
بتيسر أو تنظيم حركية الرأسمال و ” التهجير ” نحو البلدان ذات الأجور الأكثر انخفاضا ، وحيث كلفة العمل أكثر ضعفا ، تم تسهيل انتشار التنافس فيما بين العمال على مستوى العالم ؛ فالمقاولة الوطنية ( أو التي أحيلت وطنية ) والتي كانت منطقة التنافس لديها مرتبطة بشكل قوي إلى حد ما بالتراب الوطني ، والتي كانت تذهب لغزو أسواق خارجية ، تنازلت عن مكانتها للمقاولة المتعددة الجنسيات التي جعلت العمال في حال تنافس لا مع مواطنيهم وحدهم فقط ، أو حتى كما يريد الديماغوجيون أن يوهمونا بذلك ، مع الغرباء المنزرعين بالتراب الوطني والذين هم بداهة أول ضحايا تفقير الهشاشة ، وإنما مع عمال الطرف الآخر من العالم الذين هم مكرهون على قبول أجور بئيسة.
إن الهشاشة تندرج ضمن نمط هيمنة من نوع جديد مشيد على تأسيس حال معممة ودائمة من اللاأمان تستهدف إكراه العمال على الخضوع للاستغلال وتقبله. ولرسم معالم نمط الهيمنة هذا الذي هو غير مسبوق تماما ولو أنه يشبه إلى حد بعيد في تأثيراته الرأسمالية المتوحشة الأصلية ، فقد اقترح أحدهم بهذا الخصوص مفهوما هو في نفس الآن أكثر تعبيرا وأكثر إيفاء بالغرض ألا وهو مفهوم Flexploitation (= الاستغلال المرن ) . إن هذه الكلمة تعرض تماما هذا التدبير العقلاني لحالة اللاأمان التي بإقامتها عبر الفبركة المقصودة لفضاء الإنتاج خاصة ، للتنافس فيما بين عمال البلدان التي تنعم بمكتسبات اجتماعية جد هامة ومقاومة نقابية أفضل تنظيما ـ وعديد من الملامح المرتبطة بتراب وتاريخ وطنيين ـ وعمال البلدان الأقل تقدما على المستوى الاجتماعي ، فإنها تكسر بذلك أشكال المقاومة وتحقق الطاعة والخضوع وتضمنهما عن طريق ميكانيزمات تبدو طبيعية ظاهريا ، وهي كذلك في أعين مبرراتها الخاصة.إن هذه الإجراءات الطبيعية التي تنتجها الهشاشة هي شرط استغلال ” ناجح ” أكثر فأكثر مؤسس على القسمة بين أولئك الذين ، وهم أكثر عددا ، لا يعملون ، وأولئك الذين ، وهم أقل فأقل عددا ، يعملون ، لكنهم يعملون أكثر فأكثر . يبدو لي إذن أن ما هو معروض باعتباره نظاما اقتصاديا مقادا من قبل قوانين لا تقبل المرونة لنوع ما من الطبيعة الاجتماعية هو في الحقيقة نظام سياسي لا يمكن أن يتشيد إلا عبر التواطؤ الفعال أو المنفعل من قبل السلطات المحض سياسية.
ضد هذا النظام السياسي يعتبر الصراع السياسي المناهض له مسألة ممكنة، ويمكن لهذا الصراع أن يحدد لذاته كهدف أول الحركة الإحسانية ـ المناضلة وتشجيع ضحايا الاستغلال وكل الموسميين الحاليين والمفترضين على العمل معا ضد تأثيرات الهشاشة المدمرة ( بمساعدتهم على العيش وعلى ”الصمود” والتماسك ، على إنقاذ كرامتهم والصمود في وجه التدمير ، في وجه انحطاط صورة الذات وفي وجه الاستلاب ) والتعبؤ خاصة على المستوى العالمي ؛ أي على المستوى ذاته الذي تمارس فيه تأثيرات سياسة الهشاشة ، وذلك من أجل مقاومة هذه السياسة وتحييد التنافس الذي تروم إقامته في ما بين عمال مختلف البلدان. إلا أن هذا الصراع يمكن أيضا أن يحاول انتشال العمال من منطق الصراعات القديمة التي باعتبارها مؤسسة على المطالبة بالعمل أو بأجر أفضل مقابل العمل ، تنغلق بداخل العمل والاستغلال أو بداخل Flexploitation الاستغلال المرن الذي يسمح به هذا المنطق، وذلك بفعل إعادة توزيع العمل ( عبر إنقاص كبير للمدة اليومية للشغل على مستوى أوربا ) ، إعادة توزيع لا تقبل الانفصال عن إعادة تعريف وتحديد للتوزع بين الوقت المخصص للإنتاج والوقت المخصص لإعادة الإنتاج ، أي وقت الراحة وأوقات الفراغ.
ثورة يتوجب أن تبدأ من خلال التخلي عن النظرة الحسابية الضيقة والفردانية التي تحول الناس إلى حاسبات مشغولة بحل مشاكل معينة ، وهي مشاكل محض اقتصادية بالمعنى الأكثر ضيقا للفظ. وحتى يشتغل النظام الاقتصادي ، يتوجب أن يحمل له العمال شروطهم الخاصة للإنتاج وإعادة الإنتاج ، وأيضا شروط اشتغال النظام الاقتصادي ذاته ، بدءا بإيمانهم بالمقاولة وبالعمل وبضرورة العمل . . .إلخ ، وهي أشياء كثيرة أقصاها الاقتصاديون الأورثودوكس قبليا من محاسبتهم المجردة والمشوهة ، ملقين ضمنيا مسؤولية إنتاج وإعادة إنتاج كل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الخفية لاشتغال الاقتصاد كما يفهمونه هم على الأفراد أو ، وتلك مفارقة أخرى ، على الدولة التي ينشدون فضلا عن ذلك دمارها.
غرونوبل ، ديسمبر 1997
****************************
مداخلة بمناسبة لقاءات أوربية ضد الهشاشة ، غرونوبل 12 ـ 13 ديسمبر 1997.
1) بورديو : العمل والعمال في الجزائر ، باريس ـ لاهاي ـ موتون ، 1963 ( بمعية أ. داريل ، ج.ب. ريفر ، س. سيبل ) ؛ الجزائر 60 . البنيات الاقتصادية والبنيات الزمنية ، باريس ، منشورات مينوي ، 1977.

الثلاثاء، 22 يناير 2008

الباحثون ، علم الاقتصاد والحركة الاجتماعية




الباحثون ، علم الاقتصاد والحركة الاجتماعية

لقد كانت حركة ديسمبر 1995 الاجتماعية حركة غير مسبوقة بفعل مداها وأهدافها الخاصة . وإذا كانت قد اعتبرت جد هامة من قبل جزء كبير من الساكنة الفرنسية والساكنة العالمية أيضا فلأنها على الخصوص اعتمدت أهدافا جديدة كليا في مجال الصراعات الاجتماعية . بارتباك وغموض ، وبخصوص نمط المخطط الإجمالي فقد جاءت بمشروع مجتمعي حقيقي مصادق عليه جماعيا وقادر على مجابهة المشروع المجتمعي المفروض من طرف السياسة المهيمنة ومن طرف الثوريين المحافظين الذين هم حاليا في السلطة وبداخل المؤسسات السياسية ومؤسسات إنتاج الخطاب .وبتساؤلي عن ما يمكن للباحثين أن يضيفوه لمقاولة شبيهة بالحالات العامة اقتنعت بضرورة حضورهم المكتشف للبعد الثقافي والإيديولوجي الخالص لهذه الثورة المحافظة . وإذا كانت حركة ديسمبر حركة موافقا عليها بالأغلبية الساحقة بشكل جد واسع فذلك لأنها بدت كدفاع عن المكتسبات الاجتماعية لا لفئة اجتماعية خاصة ـ حتى ولو كانت فئة اجتماعية خاصة هي عود ثقاب هذه الحركة لأنها مست بشكل خاص أكثر من غيرها ـ وإنما لمجتمع بأكمله ، بل حتى لعدد من المجتمعات : وتتعلق هذه المكتسبات بالشغل ، بالتعليم والنقل العموميين ، وبكل ما هو عمومي ، ومن ثمة فهي تتعلق بالدولة ؛ هذه المؤسسة التي ليست بالضرورة ـ بعكس ما يراد لنا أن نعتقد ـ بدائية ورجعية . وإذا كانت هذه الحركة قد ظهرت بفرنسا ، فإن ذلك ليس وليد الصدفة ؛ فهناك أسباب تاريخية ، لكن ما يمكن أن يثير الملاحظين هو أنها تتواصل بصيغة تناوبية ؛ بفرنسا بصيغ مختلفة وغير متوقعة ـ حركة السائقين ، فمن كان ينتظر وقوعها بهذا الشكل ؟ .. ـ وأيضا بأوربا ؛ بإسبانيا حاليا ؛ باليونان منذ بضعة سنوات ؛ بألمانيا حيث استلهمت الحركة من الحركة الفرنسية وأعلنت بشكل صريح عن صلتها بها ؛ بكوريا ـ وهو ما يعتبر أيضا جد هام لأسباب رمزية وعملية . إن هذا الضرب من الصراع التناوبي هو في ما يبدو لي في بحث عن وحدته النظرية والعملية خاصة . ويمكن أن تعتبر الحركة الفرنسية طليعة صراع عالمي ضد الليبرالية الجديدة وضد الثورة المحافظة الجديدة التي يتخذ البعد الرمزي ضمنها أهمية كبيرة جدا . إلا أنني أعتقد أن إحدى نقط ضعف الحركات التقدمية يتمثل في كونها قللت من شأن هذا البعد ، ولم تنحث دائما أسلحة ملائمة لمقاومته ومصارعته . إن الحركات الاجتماعية متخلفة عن عديد من الثورات الرمزية بالمقارنة مع خصومها الذين يعتمدون مستشارين في الاتصال ومستشارين في التلفزة .. الخ . تعلن الثورة المحافظة أنها ليبرالية جديدة مضفية على ذاتها الهالة العلمية والقدرة على العمل بوصفها نظرية ، وإحدى الأخطاء النظرية والعملية لكثير من النظريات ـ ابتداء بالنظرية الماركسية ـ تمثلت في نسيان الأخذ بعين الاعتبار لفعالية النظرية ، وليس من حقنا أن نرتكب هذا الخطأ . إننا في مواجهة خصوم مسلحين بنظريات ؛ ويتعلق الأمر في ما يبدو لي بمقارعتهم بأسلحة فكرية وثقافية ، ولممارسة هذا الصراع ، وبفعل تقسيم الشغل ، فإن البعض من الناس مسلح بشكل أفضل من الآخرين ؛ وذلك لأن تلك مهنتهم ، وعدد معين من بينهم مستعد للانهماك في العمل ، فبماذا يمكنهم أن يساهموا ؟ .. أولا بسلطة معينة . فماذا سمي الأشخاص الذين ساندوا حكومة ديسمبر ؟ .. لقد سموا خبراء ، في حين لم تكن تلك بالنسبة لهم كلهم ربع بداية البداية لاقتصادي ما . يجب أن يواجه تأثير السلطة هذا بتأثير سلطة أخرى للسلطة . لكن هذا ليس كل شيء ؛ فقوة السلطة العلمية الممارسة على الحركة الاجتماعية ، وحتى أعماق ضمائر العمال قوة كبيرة جدا ؛ إنها تحدث شكلا من أشكال تثبيط العزائم ، وأحد أسباب قوتها يتمثل في أنها تمارس من طرف أناس يبدو عليهم أنهم على وفاق في ما بينهم ـ فالتوافق هو بشكل عام علامة على الحقيقة ، ولأنها أيضا تستند وتتكئ على الأدوات التي يمتلكها اليوم هذا الفكر ، والتي يبدو ظاهريا أنها الأعتى قوة ، أي على الرياضيات بشكل خاص . إن دور ما نسميه الإيديولوجيا المهيمنة هو دور قائم اليوم عن طريق استخدام معين للرياضيات ( وتلك مبالغة فيها إفراط ، ولكنها طريقة لإثارة الانتباه لمسألة أن فعل العقلنة ـ أي مسألة تقديم أسباب لتبرير أشياء لا تقبل التبرير غالبا ـ وجد اليوم في علم الاقتصاد الرياضي أداة جد قوية ) . ومن الأهمية بمكان معارضة هذه الإيديولوجيا التي تلبس فكرا محافظا خالصا رداء العقل الخالص بأسباب وحجج وتفنيذات وبراهين ؛ أي بممارسة العمل العلمي . إحدى نقاط قوة الفكر الليبرالي الجديد تتمثل في كونه يفرض ذاته باعتباره ضربا من " سلسلة الوجود الكبيرة " كما كان الحال في الاستعارات الثيولوجية القديمة التي نجد الله في أحد طرفيها ، ثم نمضي بعد ذلك حتى نبلغ الحقائق الأكثر تواضعا عبر سلسلة من الحلقات . وفي سديم الليبرالية الجديدة ومكان الله في أعلى عليين هناك رياضي ، وفي الأسفل هناك إيديولوجي للفكر لا يعرف الشيء الكثير عن الاقتصاد ، ولكنه يستطيع أن يوهم الناس بأنه يعرف منه القليل بفضل بعض التلميع القاموسي التقني . ولهذه السلسلة القوية جدا تأثير سلطوي . هناك شكوك حتى في أوساط المناضلين الذين ينتجون من جانب عن القوة ، القوة الاجتماعية أساسا ، وعن النظرية التي تضفي السلطة على كلام السيد تريشي أو السيد تيتماير رئيس البونديسبانك أو لهذا أو ذاك من كتاب المقالات . إن هذه ليست سلسلة من البراهين ، وإنما هي سلسلة من السلطات ذاهبة من الرياضي إلى البنكي ، ومن البنكي إلى الفيلسوف ـ الصحافي ، ومن كاتب المقالات إلى الصحافي . إنها أيضا قناة يتحرك فيها المال وكل أنواع الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية ، الدعوات العالمية والاعتبار والتبجيل . نستطيع نحن السوسيولوجيين ، وبدون أن نمارس التشهير ، أن نقوم بتفكيك هذه الشبكات وبيان كيف أن دوران الأفكار هو مسنود بدوران السلطة ؛ فهناك الأشخاص الذين يبادلون خدمات إيديولوجية مقابل مواقع بالسلطة . يتوجب أن نقدم الأمثلة ، ولكن يكفينا أن نقرأ باهتمام لائحة الموقعين على " عريضة الخبراء " الذائعة الصيت . وما هو مهم بالفعل هو أن روابط مستترة في ما بين الأشخاص الذين يعملون عادة بشكل مستقل ـ حتى ولو كنا نراهم في الغالب يظهرون مثنى مثنى في مناظرات مغلوطة بالتلفزة ـ وفي ما بين معاهد وجمعيات ومجلات ..الخ يماط عنها اللثام من خلالها في واضحة النهار .هؤلاء الناس يستعملون جماعيا ، وعلى قاعدة موضة التوافق ، خطابا قدريا يتمثل في تحويل النزوعات الاقتصادية إلى قدر . بيد أن القوانين الاجتماعية والقوانين الاقتصادية ..الخ ، لا تشتغل إلا على المستوى الذي ندعها تؤثر فيه . وإذا كان المحافظون من جانب دعه يعمل ، فذلك لأن هذه القوانين النزاعة تحافظ ، وهي في حاجة لدعه يعمل من أجل أن تحافظ . إن قوانين الأسواق المالية خاصة ، تلك التي يحدثوننا عنها باستمرار ، هي قوانين للمحافظة في حاجة لدعه يعمل من أجل أن تنجز . يتوجب أن نبلور ونحاج ونعبر عن دقائق أفكارنا ، وألتمس العذر للجانب التبسيطيي لما أتيت على قوله . وأما ما يتعلق بالحركة الاجتماعية ، فبإمكانها أن تكتفي بالوجود ؛ فهي بذلك تخلق ما يكفي من المتاعب ، ولن نطالبها زيادة على ذلك بتقديم المبررات . أما بخصوص المثقفين الذين ينضمون للحركة الاجتماعية ، فإننا نسألهم على الفور : " لكن ما ذا تقترحون ؟ .. " ونحن لسنا في حاجة للسقوط في فخ البرنامج ، فهناك ما يكفي من الأحزاب والأجهزة من أجل ذلك ، وما نستطيع عمله هو أن نخلق لا برنامجا مضادا ، وإنما هيئة وترتيبا للبحث الجماعي في ما بين الأنظمة وعالمي يضم باحثين ومناضلين وممثلين للمناضلين .. الخ ، وكذا الباحثين بالنظر لدورهم المحدد : فهم يستطيعون المشاركة بصورة فعالة بشكل خاص في فرق عمل وتفكير ، وذلك لأن تلك مهنتهم ، بشراكة مع أفراد هم داخل الحركة . وذاك ما يستثني في الحال عددا معينا من الأدوار : فالباحثون ليسوا رفاق الطريق ؛ أي الأسرى والضامنين ، الآنية الخزفية الصينية والأعذار الذين يوقعون العرائض والذين نتخلص منهم حالما ننتهي من استخدامهم ؛ إنهم ليسوا أيضا جدانوفيون يأتون لكي يمارسوا بداخل الحركات الاجتماعية للسلطات ذات المظهر الفكري التي لا يستطيعون ممارستها بداخل الحياة الفكرية ؛ وهم ليسوا حتى خبراء مضادين للخبراء ، وليسوا أيضا أنبياء سيجيبون على كل الأسئلة بخصوص الحركة الاجتماعية وبخصوص مستقبلها . إنهم الأشخاص الذين يستطيعون المساعدة على تحديد وظيفة هيئات مثل هذه ، أو التذكير بأن الأشخاص الذين هم هنا ليسوا حاضرين هنا بوصفهم ناطقين باسم جهات يمثلونها ، وإنما بوصفهم مواطنين جاءوا إلى فضاء للمناقشة والبحث وهم يحملون أفكارا وحججا ، تاركين بمستودع الملابس لغات الخشب والسقوف المسطحة وعادات الجهاز ، وذلك ليس بالهين ولا باليسير دائما . ومن بين عادات الجهاز التي يتهددنا خطر عودتها من جديد هناك تكوين اللجان واقتراحات التركيبات المعدة سلفا في الغالب ..الخ . إن السوسيولوجيا تعلمنا كيف تشتغل الفرق وكيف نستفيد من القوانين التي تشتغل وفقها الفرق من أجل محاولة إبطال هذه القوانين . يجب أن نبتكر صيغا جديدة للتواصل في ما بين الباحثين والمناضلين ، أي تقسيما جديدا للعمل في ما بينهم . وإحدى المهام التي يستطيع الباحثون إنجازها أفضل من أي شخص آخر ربما تتمثل في مقاومة المَطرقة الإعلامية . إننا نسمع طيلة النهار جملا معدة بعناية وإتقان ، ولم نعد نستطيع فتح المذياع دون أن نسمع من يتحدث عن " القرية الكونية " وعن " العولمة " ..الخ ، إنها كلمات لا شكل لها ، ولكنها كلمات تمر عبرها فلسفة ونظرة للعالم بأكملها تفرز النزعة القدرية والتركيع . إننا يمكننا أن نناهض هذه المطرقة الإعلامية من خلال انتقاد الكلمات ومن خلال مساعدة غير المختصين على التزود بأسلحة خاصة للمقاومة ، وذلك من أجل مقاومة التأثير السلطوي لسلطان التلفزيون الذي يلعب بشكل مطلق دورا مركزيا ؛ فلا يمكننا أن نخوض اليوم صراعات اجتماعية دون التوفر على برامج صراع نوعية مع وضد التلفزيون ، وأحيل على كتاب باتريك شامباني " صنع الرأي " الذي يجب أن يكون نوعا من كتاب المصارع السياسي المختصر (1) . إن المعركة في هذا الصراع ضد المثقفين الإعلاميين معركة هامة . ومن جهتي ، فإن هؤلاء الأشخاص لا يذهبون النوم عن عيني و لا أفكر فيهم مطلقا عندما أكتب ، لكن لهم من زاوية النظر السياسية دورا في غاية الأهمية ، والمأمول أن تقبل شريحة من الباحثين اقتطاع جزء من وقتها ومن طاقتها وتخصيصه للبحث في الطريقة النضالية الكفيلة بمناهضة تأثيرهم .هدف آخر ؛ ويتمثل في ابتكار صيغ جديدة للفعل الرمزي . وأعتقد بخصوص هذه النقطة أن الحركات الاجتماعية ، مع بعض الاستثناءات التاريخية ، هي حركات متأخرة . إن باتريك شامباني يعرض في كتابه كيف يمكن لبعض أشكال التعبئة الكبرى أن لا تظفر على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة إلا بأماكن أقل من أماكن مظاهرات ضئيلة الحجم ولكنها منظمة بشكل يجعلها تثير اهتمام الصحافيين . و لا يتعلق الأمر بطبيعة الحال بمصارعة الصحافيين الرازحين بدورهم تحت ضغط إكراهات الهشاشة ، مع كل تأثيرات الرقابة التي تفرزها هذه الهشاشة على مستوى كل مهن الإنتاج الثقافي . لكن من الأساسي أن نعرف أن جزءا كبيرا مما يمكننا قوله أو عمله ستتم غربلته ، أي في الغالب إبطاله من خلال ما سيقوله عنه الصحافيون ، بما فيه ما سنفعله هنا ، وهذه ملاحظة لن يعيدوا إنتاجها في تقاريرهم … ولكي أنهي كلامي أقول بأن إحدى المشاكل تتمثل في أن تكون تأمليا ـ وهذه كلمة ثقيلة ولكنها لم تستعمل مجانيا ؛ فأمامنا كهدف لا فقط ابتكار صيغة جديدة لتنظيم فعل الاحتجاج والمنازعة وتنظيمهما ، وصيغ جديدة للفعل النضالي . وما يمكننا أن نحلم به نحن الباحثين هو إمكان أن يكون جزء من أبحاثنا نافعا للحركة الاجتماعية بدل أن يضيع كما هو الحال اليوم في الغالب ، وذلك لأنه ملتقط ومشوه من طرف صحافيين أو مؤولين معادين ..الخ . إننا نتمنى في إطار فرق مثل فرقة " بواعث التحرك Raisons d'agir " ابتكار صيغ تعبير جديدة تمكن من إيصال مكتسبات البحث الأكثر تقدما للمناضلين ، لكن هذا يفترض من جانب الباحثين تغييرا للغة ولحال الفكر . وحتى نعود للحركة الاجتماعية أعتقد كما قلت ذلك منذ قليل أننا بصدد حركات دوارة للصراع ـ كان بإمكاني أيضا ذكر إضرابات الطلبة والأساتذة ببلجيكا ، والإضرابات بإيطاليا ..الخ ـ ضد إمبريالية الليبرالية الجديدة ؛ صراعات لا يعرف بعضها البعض الآخر في الغالب الأعم ( والتي يمكن أن تتخذ صيغا ليست مسالمة دائما كبعض صيغ الأصولية ) . يجب إذن على الأقل توحيد الإعلام العالمي والعمل على نشره وإيصاله . يجب إعادة ابتكار النزعة الأممية التي تم التقاطها وتحويل مسارها من طرف الإمبريالية السوفياتية ؛ أي ابتكار صيغ التفكير النظري وصيغ الفعل العملي القادرة على التموقع في المستوى الذي يمكن أن تحدث فيه المعركة . وإذا كان صحيحا أن أغلب القوى الاقتصادية المهيمنة تتحرك على المستوى العالمي وعبر الأوطان ، فصحيح أيضا أن هناك مكانا فارغا وهو مكان الصراعات العابرة للأوطان ، مكان فارغ نظريا وذلك لأنه غير مفكر فيه ، وهو غير مشغول عمليا لغياب تنظيم عالمي حقيقي للقوى القادرة على مناهضة الثورة المحافظة الجديدة ، على المستوى الأوربي على الأقل .
باريس ، نونبر 1996
****************

(1 ب. شامباني ، " صنع الرأي " ، باريس ، منشورات مينوي ، 1993 .

أسطورة العولمة


أسطورة " العولمة " والدولة الاجتماعية الأوربية *

بقلم : بيير بورديو
عن كتاب : نقيض ـ نار

نسمع اليوم كلاما يقال في كل مكان ، ــ وذاك هو ما يشكل قوة هذا الخطاب المهيمن ــ ، مفاده أن لا شيء يمكن أن يقف موقف المعارض للمنظور النيوليبرالي الذي نجح في أن يقدم نفسه كمنظور بديهي لا بديل له أو عنه . وإذا كان لهذا المنظور كل هذا الانتشار ، فلأن هنالك مجهودا بكامله للغرس والترسيخ الرمزي ساهم فيه بفعالية كل من الصحافيين أو المواطنين العاديين ، وخاصة وبنشاط ، عدد معين من المثقفين . ضد هذه السيطرة المفروضة دوما ، المخاتلة والمخادعة ، والتي تنتج عن طريق التشرب والاختراق اعتقادا حقيقيا ، يبدو لي أن للباحثين دورا يلعبونه في هذا الإطار ؛ فهم يستطيعون أولا تحليل كيفية إنتاج وتغلغل هذا الخطاب : وهنالك انشغال متزايد أكثر فأكثر بإنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا بالوصف الدقيق للإجراءات التي يتم وفقها إنتاج وترويج هذه النظرة للعالم ، وعن طريق سلسلة من التحاليل التي تنسحب في نفس الآن على النصوص والمجلات التي تم نشر هذا الخطاب وفرضه بها رويدا رويدا باعتباره مشروعا ، وكذا عبر الخصائص المميزة لكتابها واللقاءات التي يجتمع من خلالها هؤلاء الأخيرون من أجل إنتاجه . . الخ ، فإن هذه الأشغال أوضحت ، بإنجلترا وفرنسا ، كيف تم إنجاز عمل دائم أشرك لهذا الغرض مثقفين ، صحافيين ورجال أعمال ، من أجل فرض منظور نيو ليبرالي يبدو كما لو أنه ينطلق من ذاته ، منظور يُلبِس من حيث الجوهر العقلنات الاقتصادية الافتراضات الأكثر كلاسيكية للفكر المحافظ لكل الأزمنة ولكل البلدان . إنني أعني بهذا دراسة حول دور مجلة Preuves تم ترويجها ، وهي الممولة من طرف الـ CIA ، من طرف كبار المثقفين الفرنسيين ، والتي خلال ما بين 20 إلى 25 سنة ــ إذ يحتاج الأمر إلى وقت حتى تتحول بعض الأشياء الخاطئة إلى أشياء سليمة ــ أنتجت بدون هوادة ، وضد التيار في البداية ، أفكارا تحولت رويدا رويدا إلى أفكار واضحة (1) . ونفس الشيء حدث بإنجلترا ؛ فالنزعة التاتشرية لم تعرف ميلادها مع السيدة تاتشر ، بل تم إعدادها منذ مدة طويلة من طرف جماعات من المثقفين الذين كانت لديهم ، في غالبيتهم ، منابر بكبريات الجرائد (2) . وأول مساهمة كانت ممكنة للباحثين تمثلت في العمل على نشر هذه التحليلات بصيغ يمكن للجميع الوصول إليها والاطلاع عليهــا .
إن عملية فرض هذه الأفكار التي ابتدأت منذ مدة طويلة لا زالت مستمرة إلى اليوم ؛ فيمكننا أن نلاحظ بانتظام في كل الجرائد الفرنسية ، بشكل متعاقب كل بضعة أيام ، مع بعض التنويعات المرتبطة بموقف كل جريدة على حدة في عالم الجرائــد ، وكما ولو أن الأمر يتعلق بمعجزة ، معاينات وإفادات حول الوضعية الاقتصادية المبهرة للولايات المتحدة وإنجلتـــرا . هذا الضرب من القطرة ـ قطرة الرمزي الذي تساهم فيه النشرات المكتوبة والمتلفزة بصورة كثيفة ــ بشكل لاشعوري في الجزء الأعظم منه لأن غالبية الناس الذين يكررون معطياته يقومون بذلك بشكل برئ ــ يُحدث تأثيرات عميقة الغور ، وهكذا ، وفي نهاية المطاف تقدم الليبرالية الجديدة ذاتها تحت يافطة ما لا يمكن تحاشيه وما ليس منه بد .
ما يتعلق الأمر به هنا هو مجموع من الافتراضات يتم فرضها باعتبارها تنطلق من ذاتها : حيث يتم الاعتراف بأن النمو الأقصى ، وإذن الإنتاجية والمنافسة ، هما الحد النهائي والأوحد للنشاطات البشرية ؛ الحد الذي لا يمكن عنده مقاومة القوى الاقتصادية ، أو أيضا ، وهو افتراض يؤسس كل افتراضات الاقتصاد ، عنده يتم إحداث قطيعة راديكالية في ما بين ما هو اقتصادي وما هو اجتماعي ، هذا المتروك على الهامش والمتخلى عنه للسوسيولوجيين كشكل من أشكال البقايا والمهملات . افتراض مهم آخر يتمثل في المعجم اللغوي الذي يجثم علينا ، القاموس الذي نمتصه حالما نفتح جريدة ما ، حالما نستمع لمحطة إذاعية ، والمصنوع في جوهره من نزعة تلطيف الكلام .
إنني للأسف لا أمتلك مثالا يونانيا ، لكنني أعتقد بأنكم لن تجدوا عناء في العثور عليه . على سبيل المثال بفرنسا لم نعد ننطق أبدا كلمة " الباطرونا " ، إذ نقول بدل ذلك " القوى الحية للأمة " ؛ و لا نتحدث عن عمليات طرد من العمل ، وإنما عن " dégraissage " إزالة الشحم والترهل باستخدام مماثلة رياضية ( فجسم قوي صلد لا بد أن يكون نحيفا ) . وللإعلان عن أن مقاولة ستوظف 2000 شخصا فإن الحديث سيدور عن " برنامج اجتماعي جرئ تنجزه شركة ألكاتيل " . هناك أيضا لعبة بكاملها من المعاني الضمنية والترابطات في ما بين كلمات مثل مرونة ، ليونة وطواعية وخروج عن المألوف التي تنحو نحو جعلنا نعتقد أن الرسالة الليبرالية الجديدة رسالة للتحرير كونية النزعة .
يتوجب في ما يبدو لي أن ندافع عن أنفسنا ضد هذه الدوكسا بإخضاعها للتحليل ومحاولة فهم ميكانيزماتها التي أنتجت وفرضت بها . لكن ذلك لا يكفي ولو أنه في غاية الأهمية ، إلا انه يمكننا أن نقابلها بعدد معين من المعاينات الأمبريقية . في حالة فرنسا ، شرعت الدولة في التخلي عن عدد معين من ميادين العمل الاجتماعي . النتيجة هي كم هائل من الآلام من جميع الأصناف والألوان لم يمسس فقط الأشخاص الذين ألم بهم الفقر المدقع وحدهم . ويمكننا أن نبين أن في جذر المشاكل الملاحظة في ضواحي المدن الكبرى سياسة ليبرالية جديدة للسكن أحدثت بتطبيقها في السبعينيات ( المساعدة " للفرد " ) ميزا اجتماعيا ببروليتاريته السفلى من جهة ، المكونة في جانب هام منها من المهاجرين ، والتي ظلت في كبريات المجموعات جماعية ، ومن جهة أخرى بالعمال الدائمين الحائزين لأجر قار والبورجوازية الصغرى اللذين يشكلان مكونا من مكونات هذه الطبقة في منازل فردية صغيرة اشتروها بقروض أحدثت لديهم إكراهات كبرى . إن هذه القطيعة الاجتماعية تم إقرارها بواسطة إجراء سياسي .
بالولايات المتحدة نشهد ازدواجية للدولة ، دولة تؤمن من جهة ضمانات اجتماعية ، لكن بالنسبة للمحظوظين المطمئنين كفاية بتأمينات وضمانات ، ودولة قمعية بوليسية بالنسبة للشعب . إن ولاية كاليفورنيا ، وهي إحدى أغنى ولايات الولايات المتحدة ــ وقد اعتبرت في لحظة معينة من قبل بعض السوسيولوجيين الفرنسيين جنة لكل الحريات ــ وأكثرها محافظة أيضــــا ، ولاية متمتعة بجامعة هي بدون شك من أكبر الجامعات في العالم ، وميزانية السجون بها هي أعلى منذ سنة 1994 من ميزانية كل الجامعات مجتمعة . في هذه الولاية لم يعرف سود غيتو شيكاغو من الدولة إلا رجل الأمن ، القاضي ، حارس السجن و le parol officier الناطق الرسمي ؛ أي ضابط تنفيذ العقوبات الذي يتوجب الحضور أمامه دائما بانتظام تحت طائلة العودة إلى السجن . إننا هنا بحضرة ضرب من ضروب إنجاز حلم المهيمنين ؛ دولة تتقلص كما أوضح ذلك لويك فاكانت أكثر فأكثر ويتم اختزالها إلى حد ممارسة وظيفتها البوليسية وحدها .
إن ما نراه بالولايات المتحدة وما ترتسم خطوطه الكبرى بأوربا هو سيرورة الانحطاط . عندما ندرس ميلاد الدولة في المجتمعات التي تشكلت لديها قبل غيرها كفرنسا وإنجلترا نلاحظ أولا تمركزا للقوة الفيزيائية وتمركزا للقوة الاقتصادية ـ الإثنان ينطلقان كزوج ؛ فلابد من المال للقدرة على خوض الحروب وللقدرة على ممارسة المهمة البوليسية . . الخ ، و لا بد من وجود قوة البوليس للقدرة على استخلاص الأموال . ثم لدينا تمركز للرأسمال الثقافي ، ثم تمركز للسلطة . إن هذه الدولة بالإيقاع الذي تتقدم به تحوز الاستقلال الذاتي وتضحي جزئيا مستقلة عن القوة الاجتماعية والاقتصادية المهيمنة . وتشرع الدولة في التحول نحو أن تصبح قادرة على تشويه إرادات المهيمن عليهم وتأويلها والإيحاء بالسياسات وإملائها أحيانا .
إن سيرورة نكوص الدولة تجعلنا نرى أن مقاومة عقيدة وسياسة الليبراليين الجدد هي أقوى بكثير في البلدان التي كانت فيها التقاليد الدولتية أقوى وأعمق ، وهذا يفسر بكون الدولة وجدت بصيغتين أو شكلين : وجدت في الواقع الموضوعي على صورة مجموع من المؤسسات كمؤسسات التنظيم والتقنين والمكاتب والوزارات . . الخ ، ووجدت في الأذهان أيضا ، فمثلا في حضن البيروقراطية الفرنسية غداة إصلاح تمويل السكن صارعت الوزارات الاجتماعية الوزارات المالية للدفاع عن السياسة الاجتماعية في مجال السكن . لقد كانت لهؤلاء الموظفين مصلحة في الدفاع عن وزاراتهم ومواقعهم ، ولكن أيضا لأنهم كانوا يؤمنون بها ولأنهم كانوا يدافعون عن قناعاتهم . إن الدولة في كل البلدان هي في جانب معين العلامة الواقعية للفتوحات الاجتماعية ، إن وزارة الشغل هي على سبيل المثال فتح اجتماعي تحول إلى واقع ، حتى إذا كان يمكن أن تكون في بعض الظروف والملابسات أيضا أداة قمع . والدولة توجد أيضا في أذهان الشغالين على صورة الحق الذاتي ( " هذا حقي " ، " لا يمكن أن تعاملوني هكذا " ) ، على صورة التشبث ب " المكتسبات الاجتماعية " . . الخ . مثلا ، أحد أكبر الاختلافات في ما بين فرنسا وإنجلترا يتمثل في كون الإنجليز المتتشرين ( نسبة للسيدة تاتشر ) اكتشفوا أنهم لم يقاوموا بالشكل الذي كان بإمكانهم أن يقاوموا في جزئهم الأعظم لأن عقدة الشغل كانت عقدة ودية Common Low وليس كما هو الشأن في فرنسا اتفاقا مضمونا من طرف الدولة . واليوم بشكل مفارق ، وفي اللحظة التي يتم فيها بأوربا القارية مدح النموذج الإنجليزي ، في اللحظة ذاتها ينظر الشغالون الإنجليز إلى القارة فيكتشفون أنها توفر أشياء لا يوفرها لهم تقليدهم العمالي ، أي حق وقانون الشغل .
إن الدولة في الحقيقة واقع ملتبس . ولكن يمكن الاكتفاء بالقول إنها أداة في خدمة المهيمِنين . ليست الدولة بدون شك محايدة كليا ، مستقلة كليا عن المهيمنين ، لكن لها استقلالا ذاتيا هو من الكبر بقدر ما هو عريق ، بقدر ما أنها أقوى وأنها سجلت مدوِّنةً في بنياتها فتوحات اجتماعية أكثر أهمية . . الخ . إنها فضاء الصراعات ( على سبيل المثال في ما بين الوزارات المالية والوزارات المستهلِكة المكلفة بالمشاكل الاجتماعية ) . ولمقاومة انحطاط الدولة ؛ أي مقاومة نكوص الدولة وتراجعها صوب أن تصير دولة عقابية مكلفة بالقمع ومضحية رويدا رويدا بالوظائف الاجتماعية ؛ التعليم ، الصحة ، المساعدة . . الخ ، تستطيع الحركة الاجتماعية أن تجد دعما من لدن المسؤولين عن الملفات الاجتماعية المكلفين بتقديم المساعدة للعاطلين لمدة طويلة ، الذين يقلقون من القطائع التي تلحق التماسك الاجتماعي ومن البطالة . . الخ والذين يعترضون على رجال المال الذين لا يريدون الاعتراف إلا بإكراهات " الشمولية " ومكانة فرنسا في العالم .
لقد تحدثت عن " الشمولية " ، وهي أسطورة بالمعنى التام للكلمة ، خطاب قوي ، " فكرة ـ قوة " ، فكرة لها قوة اجتماعيــة ، فكرة استطاعت جعل الناس يؤمنون بها ؛ إنها السلاح المركزي في الصراع ضد مكتسبات Welfar State : فالشغالون الأوربيون ، كما يقال ، عليهم أن يعادوا الشغالين الأقل حظوة في بقية مجموع العالم ، ويُقدَّمُ للشغالين في هذا الإطار مثال البلدان التي يعتبر الأجر الأدنى بها غير موجود إطلاقا ، وحيث يشتغل العمال 12 ساعة يوميا مقابل أجور تتراوح ما بين ¼ و 1/15 من الأجر الأوربي ، وحيث لا وجود للنقابات ، وحيث يتم تشغيل الأطفال . . الخ . وباسم مثال أو نموذج كهذا يتم فرض المرونة ، وهي كلمة /مفتاح آخر لليبرالية ؛ أي العمل الليلي والعمل في نهاية الأسبوع ( أيام العطل ) وساعات العمل غير المنتظمة ، وكثير من الأشياء المرسومة منذ الأبد في أحلام الباطرونا . وبشكل عام فإن الليبرالية الجديدة تستعيد من خلال المظاهر الخارجية لرسالة أكثر تأنقا وأكثر حداثة أكثر الأفكار قدما لأقدم أصناف الباطرونا ، ( وقد عرضت مجلات بالولايات المتحدة لائحة هؤلاء الباطرونات المثيرين الذين صُنِّفوا ورتبوا ، كما هو شأن أجورهم بالدولار ، تبعا لعدد الأشخاص الذين كانت لديهم شجاعة تسريحهم من أعمالهم ) . تلك سمة خاصة بالثورات المحافظة ، ثورات الثلاثينيات بألمانيا ، وثورات أتباع تاتشر ، ريغان وآخرين ، تتمثل في تقديم الإصلاحات باعتبارها ثورات . وتتخذ الثورة المحافظة اليوم شكلا غير مسبوق : ولا يتعلق الأمر ، كما في أوقات سابقة ، باستدعاء ماض مؤمثل عبر الإشادة بالأرض والدم ، وهي الموضوعات المهجورة للميثولوجيات الأرضية القديمة . إن هذه الثورة المحافظة من النمط الجديد تطالب بالتقدم ، بالعقل وبالعلم ( الاقتصاد بالمناسبة ) لتبرير الإصلاح ، وتحاول أن تحيل على النسيان الفكر والنشاط التقدميان . إنها تؤسسُ على شكل معايير لكل النشاطات العملية ، وإذن على شكل قواعد مثالية الانتظامات الحقيقية للعالم الاقتصادي المتروك لمنطقه ، للقانون المسمى سوقًا‍ ، أي قانون الأقوى . إنها تقر وتنتصر لسيادة ما يسمى الأسواق المالية ؛ أي عودةً لنوع من الرأسمالية الجذرية بدون أي قانون آخر ما عدا قانون الربح الأقصى ، رأسمالية بدون فرامل ولا مساحيق ، وإنما هي معقلنة ومدفوعة إلى حدود فعاليتها الاقتصادية عبر إدماج الصيغ الحديثة للهيمنة كالتسيير الإداري وتقنيات المعالجة كالبحث عن الأسواق ، الماركيتينغ والإشهار التجاري .
وإذا كان من الممكن لهذه الثورة المحافظة أن تخدعنا ، فلأنه لم يعد لها ظاهريا شيء من الغابة ـ السوداء البدوية القديمة للثوريين المحافظين زمن الثلاثينيات ؛ إنها تتزين بكل علامات ومساحيق الحداثة . ألم تأت من شيكاغو ؟ ..منذ قال جاليلي إن عالم الطبيعة مكتوب بلغة رياضية ؟ ... اليوم يراد التمكن من جعلنا نعتقد أن العالم الاقتصادي والاجتماعي هو الذي يصاغ على شكل معادلات ، وأنه بالتسلح بالرياضيات ( والسلطة الإعلامية ) أصبحت النيوليبرالية الشكل الأعلى والأقصى ل sociodicée للتبرير النظري المحافظ التي يعلن عن ذاته منذ ثلاثين سنة تحت عنوان " نهاية الإيديولوجيات " ، أو بشكل أكثر قربا زمنيا تحت عنوان " نهاية التاريخ " .
من أجل مقاومة أسطورة " العولمة " التي تتحدد وظيفتها الأساس في جعلنا نقبل إصلاحا يعيد بعث الروح في ما كان، ينجز عودة لرأسمالية متوحشة ، لكنها معقلنة و لاأخلاقية ؛ تعتبر العودة للوقائع واجبة . وإذا ما ألقينا نظرة على الإحصائيات فإننا سنلاحظ أن المنافسة التي يتحملها الشغالون الأوربيون هي في جوهرها ما بين ـ أوربية . وحسب المصادر التي أستعملها فإن % 70 من المبادلات الاقتصادية للأمم الأوربية تقوم مع بلدان أوربية أخرى . وبإلقاء وتسليط الضوء على التهديد الخارج ـ أوربي تم إخفاء أن الخطر المركزي يتشكل من خلال المنافسة الداخلية للبلدان الأوربية وما يسمى أحيانا الإغراق الاجتماعي le sociale dumping : تستطيع البلدان الأوربية ذات الحماية الاجتماعية الضعيفة والأجور المنخفضة أن تستفيد من مزاياها في إطار المنافسة ، لكن بجر بلدان أخرى نحو القاع ، هذه البلدان المكرهة أيضا ، من أجل ضمان البقاء ، على التخلي عن المكتسبات الاجتماعية ، وهو ما يستلزم أنه للإفلات من هذه الدوامة الحلزونية ، فإن لشغالي البلدان المتقدمة مصلحة في الانضمام لشغالي البلدان الأقل تقدما من أجل الحفاظ على مكتسباتهم ومن اجل إنجاح تعميمها على كل الشغالين الأوربيين ( وهو ما ليس هينا بفعل الاختلافات في مجال التقاليد الوطنية ، وبالخصوص في وزن النقابات بالمقارنة مع الدولة وفي مجال أنماط تمويل الحماية الاجتماعية ) .
لكن هذا ليس كل شيء ؛ هناك أيضا تأثيرات السياسة النيوليبرالية التي يمكن لكل واحد منا أن يعاني منها . وهكذا ، فإن عددا معينا من البحوث الإنجليزية أوضحت أن السياسة التاتشرية تطلبت غيابا كبيرا للإحساس بالأمان وشعورا بخطر محدق وكاسح ، أولا لدى الشغالين اليدويين ، ولكن أيضا في أوساط البورجوازية الصغيرة . ويلاحظ بالضبط نفس الشيء بالولايات المتحدة حيث نجدنا بحضرة تعدد لمناصب الشغل المؤقتة والمتدنية الأجر ( والتي تخفض بشكل مصطنع معدل البطالة ) . إن الطبقات الأمريكية الوسطى التي يجثم عليها التهديد بالتسريح المفاجئ تعرف انعداما رهيبا للأمان ( وتجعلنا بذلك نكتشف أن المهم في منصب شغل ليس هو العمل والأجر فقط اللذين يوفرهما وإنما الأمان والطمأنينة اللذين يضمنهما ) . إن نسبة الشغالين المؤقتين في كل البلدان تتعاظم بالمقارنة مع الساكنة العاملة الرسمية والدائمة . إن الهشاشة ، أي جعل العمل هشا ومرنا تؤدي إلى فقدان المزايا الضعيفة ( الموصوفة غالبا بكونها امتيازات ل " الفقراء " ) التي من شأنها أن تعوض الأجور الضعيفة ؛ كالعمل الدائم وضمانات الصحة والتقاعد . وتقود الخوصصة من جهتها نحو فقدان المكتسبات الاجتماعية ؛ في حالة فرنسا على سبيل المثال ¾ من الشغالين المستخدمين حديثا تم تشغيلهم بصفة مؤقتة ، والربع فقط من الـ ¾ هذه سيتحولون إلى شغالين دائمين . وبديهي أن هؤلاء الشغالين الجدد هم شباب ، وهو ما يجعل أن انعدام الأمان هذا يضرب أول ما يضرب فئة الشباب ، يحدث ذلك بفرنسا ــ ( وقد عاينا ذلك أيضا في كتابنا بؤس العالم ) وبإنجلترا أيضا حيث الرهاب لدى الشباب يصل إلى القمة ، إلى جانب نتائج وتبعات كالانحلال والإجرام وظواهر أخرى جد مكلفة .
لهذا ينضاف اليوم تدمير القواعد الاقتصادية والاجتماعية للمكتسبات الإنسانية الناذرة . إن الاستقلال الذاتي لعوالم الإنتاج الثقافي إزاء السوق الذي لم يتوقف عن التعاظم بفضل صراعات وتضحيات كتاب وفنانين وعلماء هو اليوم مهدد أكثر فاكثر . إن سيادة " التجارة " و " التجاري " تفرض ذاتها كل يوم أكثر على الأدب ، خصوصا عبر تمركز أكبر يتم إخضاعه مباشرة أكثر فاكثر لإكراهات الربح الفوري ، كما تفرض هذه السيادة ذاتها على النقد الأدبي والفني المتروكين لأكبر خدام مجال النشر انتهازية ــ أو للمتواطئين معهم عبر عمليات التسريح بواسطة المصاعد ــ وعلى السينما خاصة ( ويمكننا أن نتساءل عن ما سيتبقى خلال عشر سنوات من سينما للبحث الأوربي إذا لم يتم فعل أي شيء من أجل تمكين المنتجين الطليعيين من وسائل الإنتاج وخصوصا ربما من وسائل التوزيع ) ، بدون أن نتحدث عن العلوم الاجتماعية المحكوم عليها بالخضوع الاستعبادي للتعاليم التي تخدم المصالح المباشرة لبيروقراطيات المقاولات أو الدولة أو تلك الناجمة عن موت مراقبة السلطات التي يحل محلها المال أو ذوي المصالح الانتهازية .
وإذا كانت الشمولية قبل كل شيء أسطورة للتبرير ، فهناك حالة تعتبر فيها واقعية تماما ، وهي حالة الأسواق المالية ؛ فبفضل خفوت عدد معين من أشكال المراقبة القانونية وتحسن وسائل الاتصال الحديثة التي تقود نحو انخفاض كلفة الاتصال ، فإن التوجه الآن هو توجه نحو سوق مالية موحدة ، وهو ما لا يعني أنها منسجمة . وهذه السوق المالية مهيمن عليها من طرف اقتصادات معينة ؛ أي من طرف البلدان الأغنى ، وبخاصة البلدان التي تستعمل عملتها كعملة احتياط عالمية ، تلك التي تستحوذ تبعا لذلك بداخل هذه الأسواق المالية على هامش حرية أرحب . إن السوق المالي حقل يحتل فيه المهيمنون ؛ أي الولايات المتحدة في هذه الحالة الخاصة ، موقعا هو من النفاذ بحيث يتمكن هؤلاء المهيمنون من تحديد قواعد لعب هذه الأسواق في جانبها الأعظم . إن هذا التوحيد للأسواق المالية حول عدد معين من الأمم الحائزة لموقع الهيمنة يحدث إقلالا من الاستقلال الذاتي للأسواق المالية الوطنية . إن رجال المال الفرنسيين ومفتشي المالية الذين يقولون لنا بأنه يتوجب الخنوع والخضوع للضرورة ، ينسون أن يخبرونا بأنهم شركاء هذه الضرورة وبأن الدولة الوطنية الفرنسية هي التي تستقيل من مهامها عبرهم وبواسطتهم .
وباختصار ، فليست الشمولية تحقيقا للتجانس ، وإنما هي على العكس من ذلك امتداد لنفوذ وسلطان عدد صغير من الأمم المهيمنة على مجموع المواقع المالية الوطنية (في الأوطان ) . وينتج عن ذلك إعادة تحديد جزئية لتقسيم العمل الدولي يتحمل الشغالون الأوربيون نتائجها ، إلى جانب تحويل الرساميل والصناعات على سبيل المثال نحو البلدان ذات اليد العاملة الرخيصـة . إن سوق رأس المال العالمي هذه تنحو نحو الإنقاص من الاستقلال الذاتي لأسواق الرأسمال الوطني ، ونحو فرض الحظر بشكل خاص على التحكم من طرف الدول الوطنية في معدلات الصرف ونسب الفائدة التي يتم تحديدها أكثر فأكثر من قبل سلطة ممركزة في أيدي عدد قليل من البلدان . إن السلطات الوطنية معرضة لخطر هجمات المضاربة من قبل وكالات مزودة بأموال طائلة قادرة على إحداث إنقاص في قيمة العملة ، وحكومات اليسار هي بداهة مهددة بشكل خاص ، وذلك لأنها تستثير حذر وريبة الأسواق المالية ( إن حكومة يمين تمارس سياسة متطابقة نسبيا مع مُثل صندوق النقد الدولي FMI معرضة لخطر أقل من حكومة يسارية حتى ولو مارست سياسة متطابقة تماما مع مثل هذا الصندوق ) . إن بنية الحقل العالمي هي التي تمارس إكراها بنيويا ، وهو ما يضفي على الميكانيزمات مظهرا قدريا ، والسياسة الخاصة لدولة ما هي محددة بشكل واسع من قبل وضعيتها بداخل بنية توزيع الرأسمال المالي ( الذي يحدد بنية الحقل الاقتصادي العالمي ) .
فما الذي يمكن فعله في حضرة هذه الميكانيزمات ؟ .. يتوجب التفكير أولا في الحدود الضمنية والمستترة التي تقبلها النظرية الاقتصادية ، والنظرية الاقتصادية لا تأخذ في الحسبان ، في إطار تقدير تكاليف سياسة ما ، ما ندعوه التكاليف الاجتماعية . إن السياسة السكنية التي قررها جيسكار ديستانغ على سبيل المثال سنة 1970 استلزمت تكاليف اجتماعية على المدى الطويل لم تبد مظهريا حتى كذلك ، وذلك لأننا لا نجد ، باستثناء السوسيولوجيين ، من يتذكر ذلك بعد عشرين سنة من هذا الإجراء . فمن يتذكر ذلك ؟ .. ومن أعاد ربط فتنة سنة 1990 بضاحية من ضواحي ليون بقرار سياسي يعود لسنة 1970 ؟ .. إن الجرائم تظل بدون عقاب لأن النسيان يقبرها . يتوجب أن تلح كل القوى الاجتماعية النقدية على عدم الفصل والتهميش في الحسابات الاقتصادية للتكاليف الاجتماعية للقرارات الاقتصادية . كم سيكلف ذلك على المدى الطويل من فساد وآلام وأمراض وحالات انتحار وإغراق في الكحول واستهلاك للمخدرات ، ومن عنف بداخل الأسر . . الخ . وكثير من الأشياء التي تكلف غاليا ماليا ومعاناة وآلاما أيضا ؟ .. اعتقد أنه يجب ، حتى ولو بدا ذلك لاأخلاقيا بالمرة ، أن نقلب ضد الاقتصاد المهيمن أسلحته الخاصة ذاتها ، وأن نتذكر أن السياسة المحض اقتصادية ليست بالضرورة بداخل منطق الربح المتضمن فيها طبعا اقتصادية ــ في مجال أمن الأشخاص والممتلكات ، وإذن في مجال التمدن والتحضر . . الخ . وبدقة أكبر يتوجب أن نضع موضع التساؤل بشكل جذري المنظور الاقتصادي الذي يفردن كل شيء ، الإنتاج كما العدالة أو الصحة ، التكاليف كما الأرباح ، والذي ينسى أن الفعالية التي يمنحها تعريفا ضيقا ومجردا بجعلها تُماهي ضمنيا المردودية المالية ، تتوقف بطبيعة الحال وبداهة على غايات يتم قياسها ، مردودية مالية بالنسبة للمساهمين والمستثمرين كما هو الحال اليوم ، أو إشباعا وإرضاء للزبناء والمستعملين ، أو بشكل واسع إشباعا ومتع حياة للمنتجين والمستهلكين ، وهكذا من جيب إلى جيب آخر لأكبر عدد ممكن . في مواجهة هذا الاقتصاد الضيق والقصير النظر ، يجب أن نقيم " اقتصادا للسعادة " يأخذ علما بجميع الأرباح ، فردية كانت أم جماعية ، مادية أم رمزية مرتبطة بالنشاط (كالأمان مثلا ) ، وأيضا بكل التكاليف المادية والرمزية المرتبطة بالعطالة وانعدام النشاط أو الموسمية ( مثلا، استهلاك الأدوية : حيث تحقق فرنسا رقما قياسيا في استهلاك المهدئات ) . لا يمكننا أن نتحايل على " قانون الحماية من العنف " : فكل عنف يُؤدَّى ثمنه ؛ العنف البنيوي الذي تمارسه الأسواق المالية على سبيل المثال بأشكال من الفساد والخلاعة والموسمية ، نجد مقابله على المدى الطويل نسبيا على صورة انتحارات و انحرافات ، جرائم ومخدرات ، إغراقا في الكحول وأشكال عنف يومية كبيرة كانت أم صغيرة .
يجب على الصراعات النقدية لدى المثقفين والنقابات والجمعيات ، في الحالة الراهنة ، أن تتصدى كأولوية لذبول وتحلل الدولة ؛ فالدول الوطنية ملغومة من الخارج من قبل القوى المالية ، وهي ملغومة من الداخل من قبل أولئك الذين يجعلون من أنفسهم شركاء متواطئين مع هذه القوى المالية ؛ أي رجال المال وكبار موظفي المالية . . الخ . وأعتقد أن للمهيمن عليهم مصلحة في الدفاع عن الدولة ، الدفاع بالخصوص عن بعدها الاجتماعي . و لا يتم استلهام هذا الدفاع عن الدولة من النزعة الوطنية . وإذا كان من الممكن مصارعة الدولة الوطنية ، فإن الدفاع عن الوظائف " الكونية " التي تؤديها ، والتي يمكن أن تتم تأديتها ربما بشكل أفضل من طرف دولة فوق ـ وطنية . وإذا كان لا يراد أن يكون البونديسبانك هو الذي يحكم السياسات المالية لمختلف الدول عبر معدل الفائدة ، فهلا يتوجب الصراع من أجل بناء دولة فوق ـ وطنية مستقلة ذاتيا نسبيا بالمقارنة مع القوى الاقتصادية العالمية والقوى السياسية الوطنية ، وقادرة على تنمية البعد الاجتماعي للمؤسسات الأوربية ؟ .. فلن تأخذ على سبيل المثال الإجراءات المستهدِفة للإنقاص من مدة الشغل كامل معناها إلا إذا تم اتخاذها من طرف مؤسسة أوربية وكانت قابلة للانسحاب على مجموع الأمم الأوربية .
لقد كانت الدولة تاريخيا قوة للعقلنة ، لكنها وضعت في خدمة القوى المهيمنة . ولتحاشي أن تكون كذلك لم يكن كافيا التمرد على تكنوقراطيي بروكسيل . لقد توجب ابتكار أممية جديدة ، على الأقل على المستوى الجهوي لأوربا ، استطاعت أن توفر بديلا للنكوص الوطني الذي هدد بفعل الأزمة ، قليلا أو بما فيه الكفاية ، كل البلدان الأوربية . لقد تعلق الأمر ببناء مؤسسات من شأنها أن تكون قادرة على مراقبة وضبط قوى السوق المالي ذاك ، وإقرار ما يعبر عنه الألمان بلفظة عجيبة هي regrezionsverbot ، أي إقرار تحريم للنكوص والتراجع عن المكتسبات الاجتماعية على المستوى الأوربي . ولهذا الغرض ، فمما لا يمكن التخلي أو التقاعس عنه هو أن تتحرك المنظمات النقابية فاعلة على هذا المستوى الفوق ـ وطني ؛ وذلك لأن القوى التي تحاربها تتحرك في هذا المجال . إذن ، فمحاولة خلق القواعد التنظيمية لأممية نقدية حقيقية قادرة على الاعتراض الحقيقي على النيوليبيرالية هي محاولة واجبة ولا مناص منها .
نقطة أخيرة وهي : لماذا نجد المثقفين غامضين بخصوص كل هذا ؟ .. إنني لا أنوي إعادة تناول المسألة لأن ذلك سيحتاج لوقت طويل وسيكون عملا وحشيا تعداد جميع صور الاستقالة ، أو ما هو أفظع من ذلك ، جميع صور التواطؤ . سأستدعي فقط مناظرات الفلاسفة الذين نعتوا أنفسهم بالحداثيين أو ما بعد الحداثيين ؛ أولئك الذين عندما لا يكتفون بترك الحبل على الغارب للأمور وهي تجري ، ينشغلون بكونهم ، بفعل لعبهم المدرسي ، ينغلقون بداخل عمل دفاعي لفظي للعقل وللحوار العقلاني ، أو أفدح من ذلك ، يقترحون تنويعا يسمى ما بعد الحداثة ، هو بالفعل " جذرية متأنقة " لإيديولوجية نهاية الإيديولوجيات ، إلى جانب إدانة روايات الوقائع الكبرى أو التشهير العدمي بالعلم .
وبالفعل ، فإن قوة الإيديولوجية النيوليبيرالية تتمثل في كونها تستند إلى ضرب من ضروب الداروينية الاجتماعية الجديدة : ف " أفضل الناس وأكثرهم ذكاء " هم الذين ينتصرون كما يقال بهارفارد ( بيكر ، جائزة نوبل في الاقتصاد : طور الفكرة التي مؤداها أن النزعة الداروينية هي أساس الكفاية في الحساب العقلاني التي تعيرها لرجال الاقتصاد ) . خلف النظرة العالمية النزعة لأممية المهيمنين هناك فلسفة للكفاءة حسبها يعتبر أن من يحكم هم أكثر الناس كفاءة ، وهم الذين يحوزون عملا ، وهو ما يلزم عنه أن أولئك الذين ليس لديهم عمل هم أناس غير أكفاء . هناك الناجحون les winners ، وهناك الفاشلون les losers ، هناك النبالة ؛ وهي ما أسميه نبالة الدولة ؛ أي هؤلاء الأشخاص الذين تتجمع لديهم كل خصائص النبالة بالمعنى القروسطي للفظ ، والذين يدينون بسلطتهم لتربيتهم وتعليمهم ؛ أي يدينون من وجهة نظرهم للذكاء المتصور هنا كما لو كان هبة من السماء ، وهو الذي نعرف عنه أنه يوزع في الواقع من طرف المجتمع ، كما نعرف أن أشكال التفاوت في الذكاء هي أشكال تفاوت اجتماعية . إن إيديولوجيا الكفاءة صالحة تماما لتبرير تعارض يشبه قليلا تعارض السادة والعبيد : من جهة بمواطنين كاملي المواطنة ، يتمتعون بكفاءات ومناشط جد ناذرة وباهظة الأجر ، هم في مستوى اختيار مشغليهم ( في حين أن الآخرين يُختارون من طرف مشغليهم في أفضل الحالات ) ، وهم في مستوى الحصول على أكبر مدخول في سوق الشغل العالمي ، وهم مشغولون بالزائد رجالا ونساء( وقد قرأت دراسة إنجليزية جد رائعة حول هؤلاء الأزواج من الأطر المجانين الذين يقطعون العالم طولا وعرضا وينطون من طائرة لأخرى وينعمون بمداخيل تصيب بالهلوسة والدوار ، مداخيل لا يحلمون حتى بصرفها خلال أربع حيوات . . الخ ) ثم ، ومن جهة أخرى ، حشد من البشر منذور لمناصب شغل مؤقتة أو للبطالة .
لقد قال ماكس فيبر إن المهيمنين هم في حاجة دائما ل " théodicé مزاياهم " أي تبريرها إلهيا ( أي اعتبار الفوارق بين الناس راجعة لعدالة إلهية لا تقبل المراجعة ـ المترجم ) أو أفضل من ذلك هم في حاجة ل sociodicé هذه الامتيازات ، أي لتبرير نظري لواقع أنهم محظوظون . إن الكفاءة اليوم توجد في قلب هذه ال sociodicé المقبولة بطبيعة الحال من طرف المهيمنين ـ فتلك مصلحتهم ـ ولكنها مقبولة أيضا من طرف الآخرين . في خضم فقر المقصيين من الشغل ، في خضم بؤس العاطلين لمدة طويلة ، هناك شيء زائد عما كان في الماضي . إن الإيديولوجية الأنجلو ـ ساكسونية الموسومة بالوعظية دائما بعض الشيء ، تميز الفقراء اللاأخلاقيين عن les deserving-poor ــ الفقراء المستحقين ـ الذين تجوز فيهم الصدقة . لهذا التبرير الأخلاقي جاء لينضاف أو ينوب تبرير ثقافي ( فكري ) ؛ فليس الفقراء فقط لاأخلاقيين ، متعاطيي كحول وفاسدين ؛ إنهم أغبياء وغير أذكياء أيضا . في خضم المعاناة الاجتماعية يتدخل في جزئه الأعظم فقر العلاقة بالمدرسة الذي لا يرسم فقط المصائر الاجتماعية وإنما أيضا الصورة التي يكونها الناس عن هذا المصير ( وهو ما يساهم بدون شك في تفسير ما نسميه انفعالية ـ أو مفعولية ـ المهيمن عليهم وصعوبة تعبئتهم . . الخ ) . لقد كان لأفلاطون منظور للعالم الاجتماعي يشبه منظور تكنوقراطيينا ، فهذا العالم مكون من الفلاسفة والحراس ثم الشعب . وهذه الفلسفة مدونة ومندرجة ، في حالتها الضمنية ، في النظام المدرسي . وبوصفه جد قوي فهو مستوعب ومستبطن بشكل جد عميق . لماذا انتقلنا من المثقف الملتزم إلى المثقف " المستقيل " ؟ .. جزئيا لأن المثقفين ممسكون بالرأسمال الثقافي ، ولأنهم ولو أنهم مهيمن عليهم ضمن المهيمنين ، فهم جزء من المهيمنين ؛ ذاك أحد أسس اجتماع الضدين فيهم وأحد أسس التزامهم الملطف في خضم الصراعات . إنهم يساهمون بشكل غير واضح في إيديولوجيا الكفاءة هاته ، وعندما يثورون ، فإن ذلك يشبه مرة أخرى ما حدث سنة 1933 بألمانيا ، وذلك لأنهم يقدرون أنهم لن يحصلوا على ما يستحقونه بالنظر لكفاءتهم المضمونة من طرف ديبلوماتهم .

أثينا ، أكتوبر 1996 .
---------------------------------------------
(1)ب.جريموان ، Preuves ، مجلة أوربية بباريس ، باريس ، جوليار 1989 و " ذكاء نقيض الشيوعية " ، المؤتمر من أجل حرية الثقافة بباريس ، باريس ، فايار ، 1995 .
(2) ك. ديكسون : " Les évangilistes du marché " ليبر ، 32 شتنبر 1997 . ص ص 6-5 ؛ س.باش و س.بينيريس : " Les premiers pas de la société du Mont-Pélerin ou les dessous chics du neoliberalisme " الحوليات ( إنشاء العلوم الاجتماعية كمباحث أكاديمية ) . 8 .1997 . ص ص 216-191 .
(3) cf . ب . بورديو : " عنصرية الذكاء " في أسئلة السوسيولوجيا ، باريس ، منشورات مينوي ، 1980 ، ص ص : 268 - 264 .

الليبرالية الجديدة واليوتوبيا



الليبرالية الجديدة ، يوتوبيا (في طريقها للتحقق )لاستغلال بدون حدود

بـقلم : بيير بورديو


عـــن : نقيض ـ نار [ نصوص للمساهمة في مناهضة المد النيوليبرالي ]
ماي 98 .

هل عالم الاقتصاد حقيقة ، كما يريده الخطاب المهيمن ، نظام خالص ومتسم بالكمال ، مروج باقتدار تام لمنطق نتائجه المتوقعة وعاجل في كبث كل أشكال النقص والخصاص عن طريق التدابير والعقوبات التي يفرضها سواء بطريقة أوتوماتيكية أو ، بشكل أكثر استثنائية ، عن طريق ذراعه المسلحة المتمثلة في الـ FMI أو الـ OCDE والسياسات القاسية التي يفرضانها ، والمتمثلة في تخفيض كلفة اليد العاملة والإنقاص من المصاريف العمومية وجعل الشغل مرنا ؟ .. ماذا لو لم يكن في الواقع إلا التطبيق العملي ليوتوبيا معينة ؛ فالليبرالية الجديدة تحولت أيضا إلى برنامج سياسي ، إلا أنها يوتوبيا توصلت إلى الاعتقاد ، بمساعدة النظرية الاقتصادية التي تعلن عنها وتطالب بها ، بأنها وصف علمي للواقع ؟ ..
إن هذه النظرية الواصية هي محض خيال رياضي مؤسس من الأصل على تجريد تام ( لا يقبل الاختزال كما يريد أن يعتقد ذلك الاقتصاديون المنافحون عن حق التجريد الذي لا مناص منه إلى التأثير المؤسس لكل مشروع علمي ، ولبناء الشيء ( الموضوع ) كاستيعاب أو إدراك اختياري مقصود للواقعي ) : ذاك الذي يتمثل باسم تصور ضيق كما هو صارم للعقلنة المشبهة تماما بالعقلنة الفردية ، في وضع الشروط الاقتصادية والاجتماعية للإجراءات العقلانية بين قوسين ( وبالخصوص الإجراء الحسابي المطبق على الأشياء الاقتصادية الذي هو في أساس المنظور الليبرالي الجديد ) وللبنيات الاقتصادية والاجتماعية التي هي شرط ممارسته ، أو بدقة أكبر ، شرط إنتاج وإعادة إنتاج إجراءاته وبنياته . يكفي أن نفكر ، حتى نعطي صورة عن مقدار التغييب والإهمال ، في نظام التعليم وحده الذي لم يؤخذ في الحسبان أبدا بوصفه كذلك ، في الوقت الذي يلعب فيه دورا محددا وأساسيا سواء في مجال إنتاج الخيرات والخدمات أو في مجال إنتاج المنتجين . من هذا الضرب من الخطيئة الأصلية ، المدونة في الأسطورة الوالراسية لـ " النظرية الخالصة " ، تنحدر كل نواقص وعيوب المبحث الاقتصادي و العناد والتصلب القدري الذي بفعله يتشبث بالتعارض التعسفي الذي يوجده بفعل مجرد وجوده وتواجده في ما بين المنطق الاقتصادي الخالص المؤسس على المنافسة والحامل للفعالية ، والمنطق الاجتماعي المخضع لقاعدة الإنصاف .
معنى هذا أن لدى هذه " النظرية " المفرغة من محتواها الاجتماعي منذ الأصل ، وكذا من بعدها التاريخي اليوم أكثر من أي وقت مضى ، وسائل تحويل ما تريده وترغب فيه إلى حقيقة وقابلا للتحقق تجريبيا . وبالفعل ، فالخطاب الليبرالي الجديد ليس خطابا كالخطابات الأخرى ؛ فعلى طريقة الخطاب التحليلي ـ النفسي في المعزل l'asile حسب إرفينغ گوفمان ، هو " خطاب مثين " ليس بهذه القوة وصعوبة المقاومة إلا لأنه يحوز كل قوى عالم من موازين القوى التي تسهم في جعله كما هو ، وبخاصة من خلال توجيه الاختيارات الاقتصادية لأولئك الذين يهيمنون على العلاقات الاقتصادية ، ومن ثمة بإضافة قوته الذاتية المحض رمزية لموازين القوى تلك (1) . وباسم هذا البرنامج العلمي للمعرفة المحول إلى برنامج سياسي للفعل يتم إنجاز " عمل سياسي " هائل وشاسع (مستنكر ما دام ذا مظهر سلبي خالص ) يستهدف خلق شروط تحقيق واشتغال " النظرية " ؛ برنامج تدمير منهجي للجماعات ( فالاقتصاد الكلاسيكي الجديد لا يريد أن يعترف إلا بالأفراد سواء تعلق الأمر بمقاولات أو نقابات أو أسر ) .
إن التحرك نحو يوتوبيا ليبرالية جديدة لسوق خالصة وكاملة ، والذي أضحى ممكنا بفعل سياسة التحرير المالي ، يُنجز عبر النشاط المحول ، ويجب أن نقول ، عبر النشاط " التدميري " لكل الإجراءات السياسية ( والتي يعتبر l'AMI [ الاتفاق المتعدد الأطراف حول الاستثمار ] أقربها زمنيا ، وهو المخصص والموجه لحماية المقاولات الأجنبية واستثماراتها من الدول الوطنية ) المستهدفة لأن تضع موضع التساؤل كل البنيات الجماعية الكفيلة بوضع عائق أمام منطق السوق الخالصة ، والمتمثلة في : " أمة " لم يتوقف هامش تحركها عن التناقص ، وعلى سبيل المثال " فرق عمل " مع فردنة الأجور والمناصب تبعا للكفاءة الفردية وتشتت العمال الناجم عنه ، " جماعات الدفاع " عن حقوق العمال ، نقابات ، جمعيات ، تعاونيات ؛ " أسر " حتى ، تلك التي تفقد جراء تشكيل الأسواق حسب فئات الأعمار جزءا من سيطرتها على الاستهلاك . ولكون البرنامج الليبرالي الجديد يمستمد قوته الاجتماعية من القوة السياسية والاقتصادية لأولئك الذين يعبر عن مصالحهم ؛ مساهمين ، فاعلين ماليين ، صناعيين ، رجال سياسة محافظين أو اجتماعيين ديمقراطيين متحولين إلى الاشتغالات المطمئنة لدعه يعمل ؛ كبار موظفي المالية الأكثر تهالكا بنفس القدر لفرض سياسة مشيدة بثمن النتائج احتمالا ، فإن هذا البرنامج ينحو شموليا أو كليا نحو تغليب القطيعة في ما بين الاقتصاد والحقائق الاجتماعية ، وكذلك نحو البناء في الواقع لنظام اقتصادي مطابق للتوصيف النظري ، أي نوعا من آلة منطقية تفرض ذاتها كما لو كانت سلسلة من الإكراهات التي تقود الفاعلين الاقتصاديين رغما عنهم .
إن عولمة الأسواق المالية منضافة إلى تقدم تقنيات الإعلام تضمن حركية غير مسبوقة للرساميل وتوفر للمستثمرين ( أو المساهمين ) المهمومين بمصالحهم الفورية ، أي بمردودية استثماراتهم على المدى القصير ، إمكانية المقارنة في أية لحظة لمردوديات كبريات المقاولات ومعاقبة حالات الفشل بالتالي بالعلاقة معها . والمقاولات ذاتها الرازحة تحت تهديد دائم كهذا مطالبة بالتكيف والتلاؤم بطريقة أكثر فأكثر سرعة مع مطالب وإكراهات السوق ، وذلك تحت طائلة " فقدان ثقة الأسواق كما يقال عادة " ، وفي نفس الآن فقدان دعم المساهمين الذين هم قادرون أكثر فأكثر بوصفهم مهمومين بالحصول على مردودية في أقصر مدة ، على فرض إرادتهم على " المسيرين " وإملاء المعايير عبر التوجيهات المالية ، وعلى توجيه سياساتهم في مجال التشغيل والتوظيف والأجور . هكذا تتشيد سيادة المرونة المطلقة من خلال التوظيف بعقود ذات مدى زمني محدد حيث فترات الإنابة و " المخططات الاجتماعية " المتكررة وإعمال المنافسة في حضن المقاولات ذاتها في ما بين الفروع المستقلة ذاتيا ، وفي ما بين فرق العمل المكرهة على أن تكون قابلة لممارسة أي عمل متعدد المهام ، وأخيرا في ما بين الأفراد من خلال فردنة العلاقة الأجرية : تحديد أهداف فردية ؛ وإنجاز مقابلات فردية للتقييم ؛ وزيادة في الأجور حسب الأفراد أو الحصول على علاوات تبعا للكفاءة والاستحقاق الفردي ؛ أوضاع شغل مفردنة ؛ واستراتيجيات " للتحسيس بالمسؤولية " تنحو نحو ضمان الاستقلال الذاتي لبعض الأطر الذين ولو أنهم مجرد مأجورين مندرجين ضمن تبعية تراتبية قوية يعتبرون في نفس الآن مسؤولين عن مبيعاتهم ومنتجاتهم و فروعهم ومحلاتهم التجارية . . الخ على طريقة " المستغلين " ، وهو مطلب من مطالب " الضبط الذاتي " يوسع " توريط " المأجورين وفق تقنيات " التدبير الإسهامي " في ما وراء مهام الأطر بكثير ، بكثير من تقنيات الإخضاع والقهر العقلانية التي تساهم وهي تفرض الاستثمار أو الاستغلال الزائد في العمل وليس فقط في مناصب المسؤولية والعمل في آجال مستعجلة ، في إضعاف أو اجتثاث معالم ومرجعيات وأشكال التضامن الجماعية (2) .
إن التأسيس العملي لعالم دارويني يجد نوابض انخراطه في المهمة والمقاولة في انعدام الأمان والمعاناة والقلق (3) لا يمكنه بدون شك أن ينجح بشكل تام إلا إذا كان قد توفر له تواطؤ أشكال التطبع على الهشاشة التي يولدها انعدام الأمان وتواجد " جيش احتياطي من اليد العاملة المطوعة والخانعة بفعل الهشاشة " وبفعل التهديد الدائم بالبطالة على كل مستويات التراتبية ، حتى العليا منها من بين الأطر خاصة . إن الأساس الأخير لكل هذا النظام الاقتصادي الموضوع تحت يافطة الدعوة لحرية الأفراد يتمثل بالفعل في " العنف البنيوي " للبطالة وللهشاشة و " الخوف " الناجم عن التهديد بالتسريح : فشرط الأداء " المتناغم " للنموذج الميكرو ـ اقتصادي الفرداني ومبدأ " التحفيز " الفردي للعمل يقيم في نهاية التحليل في ظاهرة جماهيرية تتمثل في وجود جيش احتياطي من العاطلين ، جيش لم يوجد فضلا عن ذلك لوحده ، ما دامت البطالة تعزل وتشتت وتفردن ، تعدم الحركية والتضامن .
إن هذا العنف البنيوي ينيخ أيضا على ما ندعوه عقد الشغل ( المعقلن بمهارة ودراية والمفرغ من إمكانية التحقق الفعلي بفعل " نظرية العقود " ) . لم يتحدث خطاب المقاولة يوما بهذا القدر عن الثقة وعن التعاون وعن الولاء وعن ثقافة المقاولة إلا في الفترة التي يتم فيها التمكن من إدماج كل لحظة من لحظات العمل ، مع العمل على اختفاء كل الضمانات الوقتية ( فثلاثة أرباع التوظيفات هي توظيفات ذات مدد زمنية محدودة ، ونصيب الوظائف المؤقتة لا يتوقف عن التعاظم ، والتسريح الفردي ينزع نحو أن لا يتم إخضاعه لأي تقنين ) . هو إشراك لا يمكن أن يكون فضلا عن ذلك إلا إشراكا غير مؤكد وملتبس ، لأن الهشاشة والخوف من التسريح يمكنه كالبطالة أن يحدث الرعب ويحطم المعنويات أو النزعة التقاليدية ( وعديد من المفاسد التي تعاينها الثقافة التسييرية وتأسف لها ) . في هذا العالم بدون عطالة ، بدون مبدأ محايث للاستمرارية يوجد المهيمن عليهم في وضع مخلوقات موجودة في عالم ديكارتي ( كارتيزياني ) : إنهم مرهونون بالقرار الاعتباطي لسلطة مسؤولة عن " الخلق المستمر " لوجودهم ـ كما يشهد على ذلك ويذكر به التهديد بإغلاق المعمل وإيقاف الاستثمار وتغيير المــوطن ( التهجير ) .
إن الشعور العميق بانعدام الأمان واللايقين في المستقبل وفي الذات الذي يصيب كل الشغالين والموسميين أيضا يعود تلوينه الخاص إلى واقعة أن مبدأ القسمة والتمييز في ما بين أولئك الذين طوح بهم وألحقوا بجيش الاحتياط ، وأولئك الذين يشتغلون يبدو مقيما في " الكفاءة المضمونة مدرسيا " ، والتي هي أيضا في أصل مبدأ التقسيمات الأخرى في حضن المقاولة " التي أضفي عليها الطابع التقني بالكامل " في ما بين الأطر أو " التقنيين " ومجرد العمال أو les os parias الجدد للنظام الصناعي . إن تعميم الإلكترونيك والإعلاميات وإكراهات الجودة التي ترغم كل المأجورين على امتلاك معرفة جديدة بأنواع من المهن ، وتؤبد بداخل المقاولة ما يعادل الامتحانات والاختبارات بالمدارس ، تنحو نحو مضاعفة الشعور بانعدام الأمان بفعل شعور عدم الأهلية المتناول بدراية وتعالم من قبل التراتبية . إن النظام المهني ، وعلى مستوى مجموع النظام الاجتماعي يبدو مؤسسا على قاعدة نظام " الكفاءات " أو أفدح من ذلك ، على نظام " ضروب الذكاء " . وكلما زادت ربما أكثر الفبركات التقنية لعلاقات العمل والاستراتيجيات المدبرة بشكل خاص بغاية تحقيق الخضوع والطاعة اللذين يشكلان موضوع انتباه لا ينقطع وإعادة ابتكار دائمة ، كلما زاد أكثر الاستثمار الضخم للأشخاص والوقت والبحث ، وزاد العمل الذي يفترضه الابتكار المتصل والمستمر لصيغ جديدة من صيغ تدبير اليد العاملة وتقنيات القيادة الجديدة ، فالاعتقاد والإيمان بتراتبية القيم المضمونة مدرسيا هو الذي يؤسس النظام والانضباط بداخل المقاولة الخاصة ، وأكثر فأكثر أيضا بداخل الوظيفة العمومية : المكرهتان على تصور الذات والتفكير فيها بالمقارنة مع نبالة المدرسة الكبرى المنذورة لمهام القيادة ، وبالمقارنة مع النبالة الصغرى للمستخدمين والتقنيين المقتصرين على مهام التنفيذ وهي دائما مؤجلة ، وذلك لأنهم بوصفهم مكرهين دوما على إثبات جدارتهم ، فإن العمال المحكوم عليهم بالموسمية وانعدام الأمان بخصوص منصب شغل هو معلق بدون توقف ومهدد بالحذف وبالسقوط في حمأة البطالة لا يمكنهم أن يكونوا إلا صورة مخيبة للآمال ، حتى عن ذواتهم ذاتها باعتبارهم أفرادا وعن جماعتهم أيضا التي كانت في ما مضى موضوع فخر واعتزاز ومتجذرة في التقاليد وقوية بإرث تقني وسياسي بأكمله ، أي صورة جماعة العمال التي إذا ما وجدت ولا تزال تتواجد أيضا على تلك الحال ، فهي منذورة لانهيار المعنويات وفقدان القيمة وفقدان الأوهام السياسية التي تعبر عن ذاتها في أزمة النزعة النضالية ، أو أفدح من ذلك ، في الاصطفاف اليائس في أطروحات نزعة التطرف الفاشي .
إننا نرى بذلك كيف تنزع اليوتوبيا النيوليبرالية إلى التجسد في الواقع على شكل آلة جهنمية تنفرض ضرورتها على المهيمنين ذاتهم ـ المخترقين أحيانا كالسيد جورج سوروس أو هذا الرئيس أو ذاك من رؤساء صناديق المعاش من طرف التخوف من التأثيرات المدمرة للإمبراطورية والسطوة التي يمارسونها ، والمحمولين على أفعال تعويضية مستلهمة من نفس المنطق الذي يريدون القضاء عليه كحالات كرم وأريحية السيد بيل جيتس . وكالماركسية في أزمنة أخرى ، والتي لها معها في هذا الإطار الكثير من القواسم المشتركة ، فإن هذه اليوتوبيا تخلق إيمانا هائلا ، la free trade faith ، لا فقط لدى أولئك الذين يتعيشون منها ماديا كرجال المال وباطرونات كبريات المقاولات . . . الخ ، وإنما أيضا لدى أولئك الذين يستخلصون منها مبررات وجودهم ككبار الموظفين والسياسيين الذين يقدسون سلطة الأسواق باسم الفعالية الاقتصادية ، ويشترطون إزاحة ورفع الحواجز الإدارية أو السياسية التي من شأنها أن تزعج مالكي رؤوس الأموال في مسعاهم الفرداني الخالص لمضاعفة الأرباح المعتبر نموذجا للعقلانية وتضخيمها إلى حدها الأقصى ، والذين يريدون الأبناك المركزية أبناكا مستقلة ، والذين يستعجلون إلحاق الدول الوطنية بإكراهات واشتراطات الحرية الاقتصادية من أجل أسياد الاقتصاد ، مع إلغاء كل التقنينات على مستوى كل الأسواق ، ابتداء من سوق الشغل ، وتحريم وحظر الإفلاسات والتضخم ، وإقرار الخوصصة المعممة للخدمات العمومية ، والإنقاص من النفقات العمومية والاجتماعية .
إن لدى الاقتصاديين حتى دون أن يتقاسموا بالضرورة مع المؤمنين الصادقين مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية ما يكفي من المصالح الخاصة بهم ( النوعية ) في حقل العلم الاقتصادي ، وذلك من أجل تقديم مساهمة حاسمة كيفما كانت حالات الوعي ( الفكر ) لديهم بخصوص التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لليوتوبيا التي يلبسونها لباس العقل الرياضي ، وإنتاج وإعادة إنتاج الإيمان باليوتوبيا النيوليبرالية . إنهم بوصفهم معزولين عن العالم الاقتصادي والاجتماعي كما هو بفعل نمط وجودهم بكامله ، وبفعل مجموع تكوينهم الفكري بكامله ، ذاك الذي هو في الغالب مجرد بشكل خالص ، كتبي ونظري النزوع ، فهم كما هو الحال من وقت لآخر في مجال الفلسفة ، ميالون خاصة لخلط أشياء المنطق مع منطق الأشياء . ولأنهم واثقون من نماذج لم تتوفر لهم الفرصة عمليا أبدا لوضعها على محك الاختبار التجريبي ، ومحمولون على النظر من أعلى لمكتسبات العلوم التاريخية الأخرى ، والتي لا يتعرفون بداخلها على النقاء والشفافية البلورية لألعابهم الرياضية ، والذين هم في الغالب الأعم غير قادرين على فهم ضرورتها الحقيقية وتعقدها العميق ، فإنهم يساهمون ويشاركون في تغير اقتصادي واجتماعي هائل ، ذاك التغير الذي حتى ولو أن بعض نتائجه المصيبة إياهم بالرعب ( فهم يستطيعون أن يساهوا مشتركين في الحزب الاشتراكي ويقدموا نصائح فطنة لممثليه في محافل السلطة ) لا يمكن أن لا يروقهم كلية ما دام أنه ، وكمجازفة لدى بعض الفاشلين ، معزو بالخصوص إلى ما يسمونه ب " فقاعات المضاربة " ، فإنهم ينزعون نحو إضفاء صفة الحقيقة على اليوتوبيا المنطقية والمقنعة تماما ( كبعض حالات الجنون ) التي يكرسون لها حياتهم .
ومع ذلك فالعالم هناك بالنتائج المنظورة فورا ومباشرة لتنفيذ وإعمال اليوتوبيا النيوليبرالية الكبرى : لا فقط فقر ومعاناة شريحة متعاظمة أكثر فأكثر من المجتمعات الأكثر تقدما اقتصاديا ، والتعاظم الاستثنائي للفوارق في ما بين المداخيل ، والاختفاء التدريجي لعوالم الإنتاج الثقافي وللسينما والنشر . . . الخ ، ومن ثمة في النهاية للمنتجات الثقافية ذاتها بفعل التسرب المتعاظم للاعتبارات التجارية ، وإنما أيضا وبالخصوص تدمير كل المؤسسات الجماعية القادرة على المجابهة والتصدي لتأثيرات الآلة الجهنمية ، وعلى رأسها الدولة التي هي المؤتمنة على كل القيم الكونية المرتبطة بفكرة الجمهور ، والفرض في كل مكان من المراتب العليا للاقتصاد والدولة ، أو في حضن المقاولات ، لهذا الضرب من الداروينية الأخلاقية التي تجعل بفعل التعلق والولع بالناجح Winner المكون بالرياضيات العليا والقفزات المطاطية ، صراع الكل ضد الكل وقلة الحياء والوقاحة معايير لكل السلوكات والممارسـات . وهذا النظام الأخلاقي الجديد المؤسس على الإطاحة بكل القيم يتأكد بداخل الفرجة المبثوثة بمجاملة وملاطفة من طرف وسائل الإعلام ، تلك الفرجة التي يقدمها هؤلاء الممثلون السامون للدولة الذين يحطون من كرامتهم المرتبطة بمراكزهم وينزلونها إلى مستوى مهمة مضاعفة انحناءات التبجيل أمام باطرونات الشركات المتعددة الجنسيات ؛ دايوو أو تويوتا ، أو التنافس على توزيع الابتسامات وعلامات الذكاء أمام شخص إسمه بيل جيتس .
هل يمكننا أن نتوقع أن تكون كثافة المعاناة التي ينتجها نظام سياسي ـ اقتصادي كهذا في يوم من الأيام في مبدأ حركة قادرة على إيقاف التسابق نحو الهاوية ؟ .. إننا هنا بالفعل أمام مفارقة عجيبة : ففي الوقت الذي يتم فيه اعتبار العوائق الملاقاة في طريق إنجاز هذا النظام الجديد ؛ أي نظام الفرد الواحد ، لكن الحر ، عوائق معزوة إلى ضروب من الصرامة والبدائية ، ولمسألة أن كل تدخل مباشر وواع ، على الأقل عندما يأتي من الدولة كيفما كانت دوافعه ، هو تدخل فاقد للمصداقية بدعوى أنه موحى به من طرف موظفين خاضعين لمصالحهم الخاصة و لا يعرفون إلا بشكل مشوش مصالح العملاء الاقتصاديين ، ومن ثمة فهو منذور للانمحاء لصالح ميكانيزم خالص ومجهول الإسم وهو السوق ( الذي يتم إغفال أنه بدوره مكان ممارسة المصالح ) ، فإن ما هو في الطريق إلى التحلل والانمحاء في الحقيقة هو الدوام والبقاء على قيد الحياة لمؤسسات ووكلاء النظام القديم والمجهود الكامل لكل شرائح وأصناف العمال الاجتماعيين ، وأيضا لكل أشكال التضامن الاجتماعية والأسرية أو غيرها التي تحول دون النظام الاجتماعي والانهيار والغرق في السديم والعماء رغم الحجم المتزايد للساكنة المعوزة . إن الانتقال والمرور إلى الليبرالية يتحقق بطريقة غير محسوسة ، وإذن غير قابلة للإدراك ، كجنوح القارات مخفية بذلك عن الأنظار تأثيراتها الأكثر إزعاجا على المدى الطويل ؛ تأثيرات تجد ذاتها مستورة ومخفاة بشكل مفارق بفعل أشكال المقاومة التي تفرزها ، منذ الآن ، عن أعين أولئك الذين ينافحون عن النظام القديم بالاغتراف من الموارد التي احتواها ، ومن النماذج القانونية أو العملية للإسعاف والتضامن التي اقترحها ، ومن العادات التي شجعها ( لدى الممرضين ، والمساعدات الاجتماعية . . الخ ) . وباختصار ، من احتياطات الرأسمال الاجتماعي التي تحمي جزءا من النظام الاجتماعي الحالي بكامله من السقوط في الفوضى ( وهو رأسمال منذور للتلاشي إذا لم يتم تجديده وإعادة إنتاجه ، إلا أنه نظام لن يعرف الاستنفاذ غدا ) .
إلا أن نفس هذه القوى " المحافظة " ، والتي من السهولة بمكان اعتبارها ونعتها بأنها قوى محافظة ، هي أيضا من زاوية أخرى قوى " لمقاومة " ترسيخ النظام الجديد يمكنها أن تصبح قوى هدامة ـ بشرط أساسي هو أن يعرف أصحابها كيف يقودون الصراع الرمزي الخالص ضد العمل الدائب " للمفكرين " النيوليبراليين من أجل إسقاط المصداقية وإقصائها عن موروث الكلمات والعادات والتمثلات المتعلقة والمرتبطة بالفتوحات التاريخية لحركات الماضي والحاضر الاجتماعية ، بشرط امتلاك القدرة أيضا على الدفاع عن المؤسسات المقابلة لها ؛ الحق في الشغل ، الرعاية الاجتماعية ، الضمان الاجتماعي . . الخ ، ضد إرادة إحالتها أو إلحاقها ببدائية ماض متجاوز ، أو أفدح من ذلك ، اعتبارها مزايا لا جدوى منها أو غير مقبولة . إن هذه المعركة ليست سهلة ، وليس من الناذر أن نجدنا مكرهين على مباشرتها على جبهات معكوسة . ومسترشدين بنية مفارقة هي للتدمير موجهة للحفاظ والتكريس ، فإن للثوريين المحافظين إمكانية تحويل ردود الأفعال الدفاعية المستحثة من قبل الأفعال المحافظة التي يعتبرونها ثورية إلى أشكال مقاومة رجعية وإدانتها باعتبارها دفاعا بدائيا ومنحطا عن " امتيازات " المطالب أو الثورات التي تنغرس بداخل التوسل بالحقوق المكتسبة ، أي في ماض مهدد بالانحطاط أو بالتدمير بفعل الإجراءات الرجعية ـ التي تعتبر نماذجها العليا تسريح النقابيين أو بشكل أكثر جذرية تسريح القدماء ، أي المحافظين على تقاليد الجماعة .
وإذا كنا نستطيع إذن الحفاظ على بعض الأمل المعقول ، فذلك لأنه لا زال موجودا في المؤسسات الدولتية وأيضا في تدابير الوكلاء ( وبخاصة أكثرهم التصاقا بهذه المؤسسات كنبالة الدولة الصغرى ) ، القوى التي هي ، تحت ظاهر أنه تدافع فقط ، كما ستتم مؤاخذتها على ذلك فورا ، عن نظام اختفى ، وعن " الامتيازات " التي تقابله ، مطالبة بالفعل ، حتى تصمد أمام الاختبار ، بالعمل على ابتكار وبناء نظام اجتماعي لن يكون قانونه الوحيد هو البحث عن المصلحة الأنانية والرغبة الفردية في الربح ، قانون سيفرد مكانا للجماعات الموجهة نحو السعي العقلاني وراء غايات منحوتة جماعيا ومصادق عليها . وضمن هذه الجماعات والجمعيات والنقابات والأحزاب كيف لا نفرد مكانا خاصا للدولة ، للدولة الوطنية أو أفضل من ذلك للدولة الفوق ـ وطنية ، أي الأوربية ( وهي خطوة نحو الدولة العالمية ) القادرة على أن تراقب وتفرض الضريبة بفعالية على الأرباح المحققة على مستوى الأسواق المالية ، والقادرة أيضا وخاصة على التصدي للنشاط التدميري الذي تمارسه هذه الأخيرة على سوق الشغل بإقرار المصلحة العامة والدفاع عنها يدا في يد مع النقابات ، تلك المصلحة التي أردنا أم لم نرد لن تخرج أبدا ، حتى بثمن بعض الأباطيل في الكتابة الرياضية ، من نظرة المحاسب ( في زمن آخر كنا سنقول عن نظرة " البقال " ) التي يقدمها الإيمان الجديد كما لو كانت الصورة الأسمى للإنجاز الإنساني .
باريس ، يناير 1998 .
(1) جوفمان ، المعازل ، دراسات حول الظروف الاجتماعية للمرضى العقليين ، باريس ، منشورات مينوي ، 1968 .
(2) لقد أمكن إجراء استطلاع عن كل هذا في عددين اثنين من أعمال البحث في العلوم الاجتماعية المخصصة لـ " أشكال الهيمنة الجديدة في مجال الشغل " ( 1 ، 2 ) 114 ، شتنبر 1996 و 115 ، ديسمبر 1996 ، وبخاصة في مدخل جابرييل بالاز وميشال بيالو ، " أزمة شغل وأزمة سياسة " ، 114 ، ص ص 3 ـ 4 .
(3) س . دوجور ، معاناة بفرنسا ، امتهان العدالة الاجتماعية ، باريس ، منشورات سوي ، 1997 .