‏إظهار الرسائل ذات التسميات اقتصاد سياسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اقتصاد سياسي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 4 يناير 2008

الاقتصاد الخالص


أنسقة رياضية مزعومة للأسواق السيبرنتيكية
الإقتصاد " الخالص " ، شعوذة جديدة
بقلم : د. سمير أمين
عن لوموند ديبلوماتيك ـ غشت 97

هي سمة عامة لكل النزعات التوتاليتارية تتمثل في إلصاق صفة العلم بما هو إيديولوجي ؛ فالاقتصاد المنعوت بأنه "خالص" يسمح بإضفاء رداء جامعي على أعلى قمم النزعة الليبرالية. و لا يضير ذلك في شيء ما دام الاقتصاد مفصولا عن الواقع كما هو شأن كل خرافة، فهو لا يستخدم إلا كذريعة. إن أسطورة السوق المتميزة بالكمال والمقصودة بذلك، تمكنت مع ذلك من تجديد شبابها بفضل مشروع السيد كلينتون المتمثل في تحويل الآنتيرنيت إلى رحبة ( Agora ) تجارية كونية في خدمة المصالح الأمريكية.
يُدرّس بالجامعات الأمريكية مبحث عجيب يدعى اقتصادا "خالصا" أو " الاقتصادي économique" . اقتصادي كما نقول فيزياء physique. ولكن ، على حين أن أن المسعى العلمي يتبلور من خلال الانطلاق من الواقع فإن الاقتصادي، من وجهة نظر متطرفيه، يبنى انطلاقا من موقف مبدئي سرعان ما يدير له ظهره: فهو يتصور المجتمع مختزلا في مجموع أفراده الذين يكونونه، وهو بذلك يتعمد تجاهل أن المجتمع الواقعي بناء أكثر تعقيدا، بناء تتواجه بداخله جماعات اجتماعية، أمم، دول، شركات كبرى، مشروعات مجتمعية، قوى سياسية، دينية وإيديولوجية . . . الخ .
هل يمكننا تخيل علم طب يروم إعادة بناء وظيفة الجسم الإنساني انطلاقا فقط من العناصر الأساسية التي تشكل الجسم ـ الخلايا ـ ويتجاهل وجود أعضاء كالقلب أو الكبد ؟ .. إننا نحمد الله على أنه ـ بخصوص صحتنا البدنية ـ لم يفبرك الأطباء طبا "خالصا". بالنسبة للنماذج الأكثر تعقيدا والمعبرة عن تفاعل الخلايا، يعتبر احتمال إنتاج شيء ما شبيه بالجسم الإنساني احتمالا قويا تقريبا بالفعل، أكثر من احتمال رؤية قرد أمام لوحة رقانة حاسوب يكتب المؤلفات الكاملة لفيكتور هيجو. كما أن احتمال تحقيق توازن عام بفضل المواجهات في السوق، بالنسبة لستة ملايير كائن إنساني تقريبا، هو من نفس درجة القوة والكبر ! يقوم إذن مقام البحث عن تفسير عقلاني للواقع الاقتصادي، ومنذ البداية، بناء لعقلانية أسطورية .
لا ينكر الاقتصادي أن الإنسان كائن ذكي، وأنه يحدد سلوكاته بالنظر للاعتقاد الذي يكونه عن ردود أفعال الآخرين، لذلك فهو مطالب إذن ببناء نموذجه لا انطلاقا من إكراهات عقلانية تبسيطية وفورية ــ سأشتري أكثر إذا انخفضت الأثمان ــ ولكن انطلاقا من عقلانية تُوسِّط مسبقات ردود أفعال الآخرين : سأتعفف عن الشراء إذا كنت أعتقد أن الثمن سيستمر في الانخفاض . وهو حين يدعي جهله بأن المجتمع ـ أبعد من أن يكون مفبركا من طرف قوى خارجية ـ ينتج ذاته بذاته ، فإن الاقتصاد "الخالص" الذي يمارسه بعض الجامعيين يلزم نفسه بذلك بتكذيبه الخاص بإقحام مفهوم المسبق، وهو ما ينتهي إلى الاعتراف بأن الشخص، المتناول من طرفه باعتباره حقيقة موضوعية، هو نفسه ذات صانعة لتاريخها.
ومن هنا المعضلة الناجمة عن هذا الخيار لصالح نزعة فردانية ميتودولوجية : فكيف تمكن البرهنة على أن تفاعل سلوكات الأفراد ـ المدمجة ( المتضمنة ) فوق ذلك للمسبق ـ توازنا واحدا فقط يمكن وسمه ( بواسطة أثمان، توزيع المداخيل، معدل البطالة ) ؟ .. إن الرياضيات، باعتبارها أداة، تستخدم لهذه الغاية .
إلا أن الرياضيات تبرهن على أن نسقا من المعادلات من هذا النوع لا يقبل حلا. وهو يمتلك بعض الحظوظ، بعدد كبير من الفرضيات كي يكون غير محدد ( لامتناهية من الحلول ) وبعدد إضافي آخر أيضا من الفرضيات كي يكون محددا ( حل واحد ووحيد ).
إن أنصار الاقتصاد " الخالص" سيذهبون إذن إلى انتقاء الفرضيات التي هي " على المقاس " لكي يتوصلوا إلى النتيجة المطلوبة وبغاية حرق كل مرحلة من مراحل برهنتهم المزعومة ، سيذهبون إلى اختلاق الخرافة الملائمة. إن الخرافات تنسب بالفعل عموما للحيوانات سلوكات معقولة لتحقيق هدف محدد بدقة هو : إلغاء الأخلاق من التاريخ. إن الاقتصادي مبني كلية على أساس هذا النموذج.
إن الخرافة المركزية والضرورية لبرهنته تتمثل في أحجية المنافسة المتسمة بالكمال التي تفترض مركزة كل العروض والطلبات. والغريب في هذا النموذج هو أن كل شيء يحدث كما لو كان هنالك مخطط مركزي ، بمعرفته التامة لسلوكات الست ملايير مسود ، يستطيع اتخاذ القرارات الخالقة للتوازن المطلوب ! أن الاقتصاد "الخالص" لدى الليبراليين يمكن الذهاب بفضله إلى استنتاج أن ال " بيغ براودرز ـ الأخ الأكبر " يشكل الحل لهذه المشاكل ، فتلك مسألة لا تخلو من فُليفِلة ! لكنه عند غياب هذا المخطط، فإن النسق سيتمحور في كل لحظة تبعا للنتائج الناجمة عن التدخلات الفعلية للأفراد الممارسة على الأسواق. سوق التوازن ـ المستحيل ـ سيكون نتاجا للمسار ـ بمعنى للصدفة أكثر منه نتاجا للسمات المحددة لعقلانية الفاعلين.
وباستدعاء نظرية Théorème سوننشين Sonnenchein (1) قطّع الرياضيون الحقيقيون كجيورجيو إسرائيل و دانيال جيريان (2) الخداع المركزي للاقتصاد " الخالص " إلى أشلاء. وفي ما يتعلق خصوصا بالمسألة التي لها الأولوية في عصرنا ـ مستوى التشغيل ـ فإن التوازن العام، على فرض أن معجزة ما تسمح بتحقيقه، لم يوفر لنا قطعا أي جواب . وبإرجاعهم تلقائيا البطالة إلى كلفة الشغل المرتفعة على حد زعمهم، فإن أنصار الاقتصاد "الخالص" يجهلون بألمعية أنه بداخل منطق نظامهم ذاته سيحول تغيير كيفما كان للأجور كل معطيات التوازن العام .
في نفس السياق، تقرر النزعة النقدية، وهي آخر صيحة من صيحات الاقتصاد الخالص" أنه يمكن تحديد مبلغ العرض النقدي بحرية من طرف البنك المركزي. إلا أن تحليلا أوليا للإصدار النقدي يوضح بخلاف ذلك أن النقد ليس بضاعة كالبضائع الأخرى، كلما كان عرضه محددا من قِبل الطلب، هذا الذي تتوقف عليه جزئيا نسب الفائدة.
فضلا عن ذلك فقد تبين أن الأبناك المركزية التي يرجى لها تسيير "مستقل" ( عن من ؟ .. ) بدعوى أنها ستحوز سلطة سحرية لتثبيث العرض النقدي، غير قادرة على ممارسة هذا الدور بكل بساطة لأنه خارج متناولها: فبفعل اختيار نسبة الفائدة تستطيع فقط أن تؤثر ــ أيضا بشكل جزئي وغير مباشر ــ على الطلب النقدي لا على عرضه. لكن حينها، كيف يُجهل أن الاختيار يؤثر بدوره على مستوى النشاط ( بفعل الاستثمارات ، الاستهلاكات المؤجلة . . . الخ ) وإذن على كل معطيات التوازن ؟ .. ورغم ذلك فإن ترهات نزعات نقدية كهاته ساوت جائزة نوبل بالنسبة لميلتون فريدمان .


غدا ، سنحْلِق الذقون مجانا
لقد تبين أن الاقتصاد "الخالص" ليس إلا علم خوارق أبعد أيضا ما يكون عن علم العلم الاجتماعي كما هو حال بعد علم نفس الخوارق عن علم النفس. وككل علوم الخوارق الأخرى، بمستطاعه إحداث كل شيء ونقيضه: " قل لي ماذا تريد، وسأصنع لك النموذج الذي يبرره " . إن قوته تكمن في توفيره ساترا يمكن لسلطة أن تخفي خلفه أهدافها الحقيقية ـ المختارة أو المتكبدة ـ كاستفحال البطالة وتعاظم التفاوت بخصوص توزيع الثروات. ولأن أهدافا كهاته يصعب إعلانها ، فإنه تجدر "البرهنة" على أنها لا تشكل إلا وسائل انتقالية ومرحلية تقود نحو النمو والتشغيل التام، الخ .. . فغدا سنحلق ذقوننا مجانا.
ولأنه لا يمتلك أي أساس علمي فإن الاقتصادي لا يعبئ لخدمته إلا الرياضيين الهواة، كما تفعل الباراسيكولوجيا مع علماء النفس الباهتين. أليس ذا معنى أن هذا "العلم" يستخدم كثرة من الرياضيين دون المتوسط (ضعاف المستوى) الذين لا يقبلهم أي مختبر فيزيائي يحترم نفسه ؟ .. هنا يفرض ذاته التوازي بين العلم والسحر .
إن الساحر أيضا يقدم استنتاجاته بإلباسها جملا ذات ظاهر معقول. ولكي يكون مقنعا يتوجب عليه أن يتحدث في سياق كلامه عن حد أدنى من الأشياء المعقولة ذات المعنى. إن الساحر الأكبر، الأعلى ذكاء، يعرف بالضبط ماذا ينتظر منه الحاكم، ولذلك يفعله. إن الاقتصاد "الخالص" يؤدي وظائف مشابهة في مجتمعات مستلبة من طرف الاقتصاد، وذلك بفعل مناهج متطابقة في المقام الأول مع مذهب باطنية اللغة : لغة رياضيات الخردة المخصصة للاستعمال الخاص للذين ليسوا رياضيين .
وكما هو الحال في ميدان الشعوذة والسحر ، تحتل الطوائف والشيع الميدان؛ يجتمع صغار المشعوذين خلف شيوخ ساهرين على تنظيم انتعاش نحلهم. وليس صدفة أبدا إذا انتشرت في نفس الآن نحل الاقتصاديين المنتجين لخطاب ليبرالي ـ جديد متغطرس ، وكذا طوائف مشعوذي العلم الخارق البارابسيكولوجي، فالانتشار في كلتا الحالتين هو سعي من أجل احتيال فكري حقيقي .

***********************************************************
هـوامش:
(1 نظرية سوننشين تبرهن على استحالة استنتاج أشكال منحنيات العرض والطلب انطلاقا من سلوكات مقعدة للسلوك .
(2 جيورجيو إسرائيل Giorgio Israel ، ترييض الواقع ، لوسوي ، باريس 1996 ؛ دانيال جيريان Daniel Guerrien،
3) الرياضيات الكلاسيكية الجديدة ، لاديكوفيرت ، مجموعة " معالم " ، باريس 1996.

الخميس، 6 دجنبر 2007

تشريح التخلف

وليام أرثور لويس
تشريح التخلف

لقد جددت مقاربة أرثور لويس للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية نظرية التنمية بحثا عن توازن في ما بين السوق والتدخل العمومي

بقلم : جيل دو ستالر
عن : ألتيرناتيف إيكونوميك عدد 254


عندما ولد أرثور لويس سنة 1915 كانت الجزيرة الصغيرة القديسة لوسي في جزر الأنتيل مستعمرة بريطانية ، وقد حصلت على استقلالها سنة 1979 . أما جزيرة بارباد التي توفي بها لويس فقد حصلت على استقلالها سنة 1966 . إن ساكنة هاتين الجزيرتين ، كأغلبية جزر الأنتيل ، ينحدرون في غالبيتهم العظمى من العبيد الذين شكلوا موضوع تجارة ثلاثية في ما بين بلدان أوربا وإفريقيا وجزر الأنتيل . وقد تم إلغاء العبودية بإنجلترا سنة 1833 ، غير أن المستعمرات البريطانية لم تتحول مع ذلك إلى حدائق وردية بالنسبة للسود.
لقد كان أرثور لويس تلميذا نابغة ، وقد غادر المدرسة عندما كان سنه 14 سنة للعمل في الإدارة العمومية ، وذلك لأنه كان متقدما على أقرانه ، كما أن سنه لم يكن يسمح له بدخول الجامعة . وعندما حصل سنة 1932 على منحة لمتابعة دراسته بإنجلترا ، تمنى أن يصير مهندسا ، لكن المناصب المخصصة لهذا التخصص كانت مغلقة ومحرمة على السود ، سواء في القطاع العمومي أو الخصوصي ، وهذا ما دفعه لدراسة التجارةقبل أن يتحول لدراسة الاقتصاد .
لقد عرف لويس نفسه بكونه مناهضا للإمبريالية واشتراكيا ديمقراطيا ، وهو يتذكر اجتماعا للجمعية المحلية ماركوس كارفي كان أبوه قد اصطحبه إليه عندما كان سنه 7 سنوات . وعندما حل لويس بلندن انهمك في دراسة الممارسات الاستعمارية لبريطانيا العظمى وخالط المجتمع القانوني ، مهد مثقفي الحزب العمالي ، ونشر أولى كتبه تحت يافطة الحزب . إن لويس وهو طالب ثم أستاذ بمدرسة لندن للاقتصاد ، والتي كان يدير بها شعبة الاقتصاد حينذاك فريديريك هايك ، لم يكن يشاطر إيديولوجية دعه يعمل المهيمنة إذ ذاك تعاليمها.
إن مناهضته للإمبريالية ، كما كتب لويس، هي التي قادته إلى الانكباب على مسألة التنمية ، بعد أن قام بجولة في دروب الاقتصاد الصناعي والتاريخ الاقتصادي ، وهو ما أدى به دون شك إلى توزيع وقته ما بين التدريس والبحث من جهة ، وعمله كمستشار وإداري من جهة أخرى . إن لويس لم يتوقف بالفعل عن الطواف بالبلدان المسماة حينذاك بلدان العالم الثالث مشيرا وناصحا لحكوماتها ولمسيري المؤسسات المالية بها في إطار عمله بمنظمة الأمم المتحدة ، إلى جانب اهتمام أساسي وكبير لديه يتمثل في التساؤل عن كيف يمكن تفسير ومحو الفوارق في التنمية والفقر الناجم عنها، وذاك يظل ، بطبيعة الحال ، أحد المشاكل الكبرى التي تواجه الإنسانية وتعمل جاهدة على حلها .

التخلف والاقتصاد المزدوج
لقد طفق لويس مبكرا ، عندما كان تلميذا بالسلك الأول ، يطرح التساؤلات حول التطور المقارن لأسعار المنتجات الصناعية وأسعار المنتجات الفلاحية المصدرة من قبل البلدان المتخلفة ؛ فالتقلبات الهامة وغير المتوقعة لأسعار منتجات التصدير في جزيرته الأصلية على سبيل المثال ، كانت تمنع تدبير الاقتصاد من خلال محاولة بلوغ استقرار معين. وقد اقتنع حينها أن النظرية التقليدية للأسعار ، تلك المؤسسة على التحليل الهامشي للعرض والطلب ، لا تسعف فتيلا في فهم تلك الظواهر . كما أن نموذج هيكشير وهلين ، أي الصيغة الحديثة لنظرية المزايا المقارنة لدى ريكاردو ، لا تمكن من تفسير المبادلات الاقتصادية الدولية بصورة مرضية وشافية للغليل.
وخلال تجواله ذات يوم من أيام شهر غشت سنة 1952 في شوارع بانكوك ، جاءه الحدس الذي سيجعله يكتب وينشر سنة 1954 أحد النصوص المذكورة أكثر من غيرها في النصف الثاني من القرن العشرين ، فلفهم طريقة اشتغال الاقتصادات المنعوتة بالتخلف، لا بد من التخلي عن الفرضية النيو كلاسيكية القائلة بأن كمية العمل ثابتة ، والعودة إلى التقليد الكلاسيكي من سميث إلى ماركس ، والذي بفضله يكون عرض الشغل بأجر الكفاف عرضا لا متناهيا و لا حدود له . ومن ثمة فإن النمو الاقتصادي يتأتى من تراكم للرأسمال المحدد من قبل توزيع المداخيل : " إن الأنظمة الكلاسيكية تحدد بذلك في نفس الآن توزيع ونمو المداخيل ، أما الأسعار المتعلقة بالبضائع ، فتشكل مسألة أقل أهمية ".
إن بلدان العالم الثالث موسومة بثنائية تجعلها موزعة في ما بين قطاع رأسمالي حضري مصنع ، وقطاع للكفاف تقليدي وفلاحي بالأساس ، لكننا نجده أيضا في الأنشطة الحضرية غير المهيكلة. إن الإنتاجية في هذا الأخير جد متواضعة ، كما هو شأن مستوى المعيشة ، والنمو الديمغرافي به جد مرتفع ، كما هو شأن التشغيل الناقص والبطالة ، والعمال هم نقطة الالتقاء في ما بين هذين القطاعين الإثنين . إن القطاع الرأسمالي يتوفر بالفعل على عرض للعمل غير محدود بأجر ثابت للكفاف ، وهذا يؤمن له أرباحا يؤدي إعادة توظيفها واستثمارها إلى معدلات مرتفعة من النمو ، وهذا هو ما يفسر النمو الذي عرفته إنجلترا في نهاية القرن 18 وأواسط القرن 19 ، وهو النمو الذي من المنتظر أن تعرفه ، حسب لويس ، البلدان المصنعة الجديدة انطلاقا من الستينيات.
إن تحليلا مماثلا ينطبق على تطور حدود المبادلات في ما بين المنتجات المانيفاكتورية المصدرة من قبل البلدان الغنية والمنتجات الفلاحية المصدرة من قبل البلدان الفقيرة؛ فصادرات هذه الأخيرة لا تشكل إلا نسبة ضعيفة ، أقل من 20 % من إنتاج فلاحي ذي إنتاجية جد ضعيفة . إن العرض اللامحدود للمنتجات المدارية يجعل من تأثير الطلب على الأسعار تأثيرا ضئيلا ، وبذلك فإن حدود المبادلات تتطور لصالح البلدان المصنعة.

التنمية والتخطيط
لقد جدد كتاب لويس المخصص سنة 1955 لنظرية التنمية هذا المبحث ، وأطلق العنان لعدد من المناقشات والاختلافات في وجهات النظر مماثل لما أحدثه كتاب سنة 1954 ، عنوان الكتاب " نظرية النمو الاقتصادي " هو عنوان مخادع ما دام الأمر لا يتعلق بدراسة نماذج مجردة ورياضية من النمو تم تطويرها حينذاك سواء من قبل اقتصاديي ما قبل كينز أو النيو كلاسيكيين . إن لويس مقتنع بأن حل المشاكل الاقتصادية يقيم في تغير المؤسسات أكثر مما يقيم في تغير الأسعار ، وعلى كل حال ، فليس تحرير التجارة الدولية هو ما سيشكل محركا لنمو البلدان المتخلفة . إن جزءا من الحل يقيم في التخطيط ، وهو الموضوع الذي نشر حوله لويس أحد كتبه في سنة 1949 ، والذي سيعود لموضوعه سنة 1966 ، كما يقيم في البحث عن توازن عادل في ما بين السوق ونشاط السلطات العمومية.
إن الاقتصاد لا يحتل كل اهتمام وتفكير لويس ؛ فالبعد السياسي يلعب دورا أساسيا ومحوريا . إن الأنظمة السلطوية والديكتاتورية المنتشرة بالعالم الثالث تشكل عائقا آخر في وجه التنمية ، وعلى التربية والتعليم ، اللذين خصص لهما لويس العديد من كتاباته مع شغله في نفس الآن لوظائف تدبير أكاديمية هامة ، أن يلعبا أيضا دورا أساسيا ومحوريا. هنا ينتقد أيضا تحليل وتقييم التربية والتعليم بحدود الكلفة والسعر والاستثمار والمردودية المالية ؛ إذ لا يجب أن تتكيف التربية وتتلاءم مع السوق ؛ فهي على العكس من ذلك أحد أقوى وسائل تغيير المجتمع ، والتفكير في التربية ينهض من الفلسفة أكثر مما ينهض من الاقتصاد .
إن مقاربة لويس للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية تتموقع خارج التيار المهيمن في الاقتصاد حاليا ، ولقد كانت ملهمة لعدد من الكتاب من أمثال أمارتي سن التي طورت نموذجا للاقتصاد المزدوج ، أو ألبير هيرشمان الذي استعار منه حججا لصالح سياسة للتصنيع والنزعة الحمائية . وقد تم تطبيق تحليله بحدود النزعة الثنائية أو نزعة الازدواجية في سوق الشغل بالبلدان المتقدمة من طرف بيتر دورينجر وميشال بيور على سبيل المثال.