‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 21 دجنبر 2007

اللغة

اللغة
لدى بعض الحيوانات نظام متميز من العلامات.

إننا نعرف أن الثدييات والطيور تعبر عن انفعالاتها عن طريق صرخات متمايزة بوضوح تبعا لكونها تعبر عن رغبة أو لذة أو خوف ... الخ ،" لدى الغربان ، كما قال جورج مونان ، تم ابتكار 15 صرخة تقابل وضعيات أو سلوكات متمايزة من حيث المعنى " (مفتاح اللسانيات ).
نظام العلامات لدى النحل .
لقد درس كارل فون فريش (المزداد سنة 1886) رقصة ثمانية التي تقوم بها النحلات في المستوى العمودي للعسالة ("حياة وعادات النحل" ) ، وقد أدت أعمال هذا البيولوجي إلى إثبات أن النحلة تستطيع أن تبلغ عن طريق هذه الرقصات لرفيقاتها اللواتي يخلفنها في القيام بالعمل ( حيث تكون هوائيات هؤلاء الأخيرات متماسة مع بطن الراقصة ) أربع معطيات أساسية :
- وجود غذاء : وإلا فلن تحتاج النحلة لممارسة الرقصات.
- طبيعة هذا الغذاء : فرائحة تفوح من شعيرات بطن النحلة .
- المسافة الفاصلة بين الغذاء والعسالة : تلك المسافة التي تتناسب عكسيا مع سرعة الرقصات ، " فكلما كانت الطريق التي يتوجب قطعها طويلة كلما كانت الرقصات متضمنة لدورات أقل في ثانية واحدة " (نفس المرجع).
- وجبة الغذاء : فالزاوية المشكلة عن طريق محور ثمانية مع الخط العمودي هي بالفعل مساوية لزاوية الشمس ـ العسالة ـ الوردة.

§ ليس التواصل الحيواني لغة .
هل هناك إذن لغة حيوانية ؟.. يبدو أن الجواب على هذا السؤال يجب أن يكون بالسلب قطعا ، وذلك لأن:
أ – كل شيء لدى النحل يحدث فيما يبدو كما لو أنه عند وقوع تنبيه صادر عن نحلة ما، فإن الأخريات يستجبن من خلال رد الفعل : إلا أن التواصل هنا لا يجعلنا أمام حوار و لا أمام أي كلام صادر عن النحلة التي تلقت الرسالة ؛ فالنحلة تمضي أوتوماتيكيا للتزود من رحيق الزهرة التي أشارت إليها رقصة رفيقتها ؛ إنها " لا تنشئ رسالة انطلاقا من رسالة أخرى " ( إميل بنفينيست ، "مشكلات اللسانيات العامة" ).
ب – إذا وضعنا قدحا من الماء المحلى فوق عمود، فإن النحلات الكشافات لن يكن قادرات على تعيين اتجاهه لرفيقاتهن " فليس هناك في لغة النحل إمكانية للتعبير عن معنى [فوق] ؛ وذلك لأنه ليست هناك ـ كما يشير إلى ذلك فون فريش على سبيل التنكيت ـ ورود تنبت في السحاب " (" حياة وعادات النحل " ) .
ج – إن التواصل الحيواني ـ باعتباره نظاما فطريا منحدرا من الوراثة البيولوجية التي لا تشترط أي تعلم ـ هو نظام غير قابل للتطور و لا للتحوير : إنه بعبارة أخرى تواصل بدون تاريخ.

§ ليس هناك مجتمع إنساني بدون لغة
توجد اللغة حيثما يوجد الإنسان
من المستحيل أن نعثر على مجتمع وهو في طريقه لامتلاك لغة ، ومشكل أصل هذه الأخيرة يظل ـ بكل تأكيد ـ مشكلا غامضا :"إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المجموع العريض للإنسانية ، فإننا نستطيع أن نؤكد بدون تخوف ، بأنه لم توجد جماعة من الأفراد [..] ليست لها طريقتها الخاصة في الكلام" كما كتب نوربير فاينر("السيبرنتيك والمجتمع"1950).
§ بنفينيست : الاختلاف الجوهري بين لغة الإنسان والنظام الرمزي لدى النحل.
إن "الاختلاف الجوهري" القائم في ما بين لغتنا والرسائل المتبادلة لدى النحل يتمثل في أن هذه الأخيرة لم تشكل أبداً إلا "نظاما من العلامات" كما جاء في كتاب اللساني إميل بنفينيست "مشكلات اللسانيات العامة"1966 ، "وكل الخصائص تنتج عن ذاك : ثبات المحتوى ، عدم قابلية الرسالة للتنوع ، العلاقة بوضعية وحيدة ، عدم قابلية الرسالة للتفكيك وإرسالها من جانب واحد".

اللغة والفكر
§ ديكارت :
ليس للغة لدى الإنسان إلا أعضاء الاقتباس.
الحنجرة ، اللسان ، لسان الحلق ، وحتى العضلات المسماة "الحبال الصوتية" : "ليست في البدء ، كما أشار إلى ذلك الدكتور أومبريدان إلا "أعضاء للتنفس والتغذية ، وتظل كذلك حتى في الوقت الذي تتشكل فيه اللغة وتمارس" ("تعذر النطق وتشكل الفكر الصريح").
وقد لاحظ ديكارت (1596 ـ 1650) بدوره أنه ليست هناك حيوانات تستطيع تركيب خطاب ، وذلك "ليس راجعا لغياب أعضاء النطق لديها" ("مقالة في المنهج"المقطع 5 ـ 1637)، وإنما لغياب الفكر لديها.
§ برجسون :
لقد دافع برجسون (1858 ـ 1941) عن الفكرة القائلة إن اللغة تعني لدى جميع الناس صيغا خاصة للحب أو للكراهية ، "إننا نفشل في التعبير كليا عما نشعر به" ("محاولة في المعطيات المباشرة للوعي" ).
إن الأنا الحميمي هو دائما عرضة للخيانة من طرف أنا التواصل ؛ فهناك "نوعان مختلقان من الأنا ، أحدهما هو بمثابة الإسقاط الخارجي للآخر ، وتمثيله بفعل ذلك تمثيل اجتماعي" (نفس المرجع) : إن اللغة ستكون حينها وكليا من جهة "الشبح الفاقد لألوانه" لأنانا الحقيقي والحر ، أي من جهة ما يحرف حميميتنا التي لا يمكن التعبير عنها.
"أعتقد أن لدينا أفكارا أكثر من الكلمات ، كما صرح بذلك ديدرو قبل برجسون .
§ هيجل :
الفكر الغامض هو ما لا يقبل التعبير عنه

لنتناول بداية نقيض ما أتينا على ذكره وقراءته ؛ فهيجل (1770 ـ 1831) على غرار كل العقلانيين ، يرفض رفضا قاطعا فكرة أنه تظل وراء الكلمات حميمية ما لا يمكن التعبير عنها ، ضرب من الفكر ، إن لم يكن تأثر أولي لا تستطيع اللغة صياغته أو التعبير عنه. "إن ما نفكر بداخله هو الكلمات ؛ كما قال هيجل ، [...] إن الصوت المنطوق ، أو الكلمة ، هو وحده ما يمنحنا وجودا يكون فيه الداخلي والخارجي مترابطين بشكل حميمي إلى حد كبير . وبناء على ذلك فإن الرغبة في التفكير بمعزل عن الكلمات لا تعد إلا محاولة لا معنى لها . إننا نعتقد عادة ، وهذا صحيح ، أن ما هو أسمى هو ما لا يقبل التعبير عنه ، إلا أن هذا اعتقاد سطحي و لا أساس له ؛ وذلك لأن ما لا يقبل التعبير عنه في الواقع هو الفكر الغامض أو الفكر في حالة اختمار والذي لا يصير واضحا إلا عندما يعثر على الكلمة المعبرة عنه . وهكذا ، فإن الكلمة تمنح للفكر وجوده الأكثر سموا والأكثر صحة" ("فلسفة الروح"، 1817).
§ ميرلو بونتي :
ليس هناك فكر بدون لغة
إن هيجل كما رأينا ينفي على العكس من ذلك ،أن يكون الفكر بدون شيئا آخر غير فكر غامض ، كما ألح على ميرلو بونتي بقوة من خلال نقده لأطروحات برجسون على أن "الكلام لا يصاحب فكرة صنعت مسبقا ، وإنما ينجزها" ويحيلها فعلية ("فينومينولوجيا الإدراك" 1945).

التمفصل المزدوج للغة
§ تنوع اللغات الإنسانية

"إن ما يثير أولا عند دراستنا للغات" كما كتب فرديناند دو سوسور ، مؤسس علم اللسان المعاصر"هو تنوعها ، هو الألسن المختلفة التي نكتشفها حالما ننتقل من بلد لآخر" ("دروس في اللسانيات العامة" 1916).
إن لكل لغة بنياتها وطرق تعبيرها الخاصة و "عبقريتها" ، كل لغة تقبل التشبيه بمنظار يقدم حول العالم وجهة نظر معينة : "في لغة منطقة بريتانيي وبلاد الغال ، كما لاحظ اللساني أندريه مارتينيه ، تنطبق كلمة واحدة على جزء من الطيف الذي يغطي المناطق الفرنسية بالأزرق والأخضر ، وكثيرا ما نرى ما نسميه نحن اللون الأخضر مشتركا في ما بين الوحدتين اللتين تغطي إحداهما جزءا مما نعتبره نحن أزرقا ، وتغطي الأخرى الجزء الأكبر من الأصفر لدينا" ("عناصر اللسانيات العامة" 1960).

الأربعاء، 12 دجنبر 2007

الغير

" فيليا " قدماء الفلاسفة ( الغير )
أرسطو: " لا أحد سيختار العيش بدون أصدقاء "

إن الصداقة بالخصوص ( باليونانية : فيليا Philia ) هي التي تشكل لدى فلاسفة العصور القديمة مجال الالتقاء مع الآخر بامتياز . ف " الصداقة ، كما يؤكد أرسطو ، هي أكثر الأشياء ضرورة للعيش ؛ وذلك لأنه بدون أصدقاء لم يكن أحد ليختار العيش ولو كان يحوز كل الخيرات الأخرى " ( الأخلاق إلى نيقوماخوس VIII ، 1 ) . " يعتقد الناس في حالة الفقر كما في حالات العوز الأخرى أن الأصدقاء هم الملجأ الوحيد " . Ibid

# أبيقور: فائدة الصداقة في العلاقات الاجتماعية

إن حكيما ما ، حسب أبيقور ، سيكون مدفوعا إلى اقتحام بعض المخاطر ، إن لم يكن مدفوعا لمجابهة الموت من أجل صديقه . وإذا كان يبدو غير وارد أبدا أن يصبح غالبية الناس حكماء ، فإن بإمكان الصداقة ، بشكل أكثر قربا فاقترابا ، أن تساهم إلى حد ما في تحويل العلاقات الاجتماعية إلى علاقات سلمية ومسالِمة : " الصداقة ، كما يصرح أبيقور بذلك في La sentence Vaticane 52 ، تحيط بالعالم كما يدعونا جميعا رسول إلى الاستيقاظ لنعتبر أنفسنا سعداء حقا " .

العلاقة مع الآخر كتداخل في ما بين الذوات
# سارتر : الغير كبنية أنطولوجية للأنا

" يبدو أن فلسفتي القرن 19 و 20 أدركتا أننا لا نستطيع الإفلات من نزعة واحدية الوجود إذا كنا نتصور أولا الأنا والغير كما لو كانا جوهرين مفترقين ومتباعدين : حيث يمكن اعتبار كل وحدة بين هذين الجوهرين وحدة مستحيلة فعلا .وهذا هو السبب الذي من أجله يكشف لنا فحص النظريات المعاصرة عن مجهود للإمساك في حضن أشكال الوعي ذاتها بعلاقة ارتياط أساسية ومتعالية بالغير تكون بانية وومكونة لكل عي على حدة في عملية انبثاقه ذاتها " ( سارتر ـ الوجود والعدم ، 1943 ) . إن " الحدس العبقري " لدى هيجل ( 1831 - 1770 ) كما صرح بذلك سارتر ، يتلخص في جعلي متوقفا في وجودي وكينونتي على الغير : " إنني ، كما يقول ، كائن لذاته ليس لذاته إلا من خلال وعبر الآخر " Ibid .

#هايدجر : كينونة الآخر كتعايش مباشر

إن كينونة الآخر ، كما يقول مارتن هايدجر ( 1976 - 1889 ) ، هي وجود مشترك أو تعايش مباشر ، حتى ذلك الذي " لا يهتم مطلقا بالغير " ، والذي " يعتقد أن لا حاجة له به أو أنه مستقل عنه عاطفيا [ . . . ] يظل من حيث كينونته داخلا في نمط الوجود ـ مع ـ الغير " ( الكائن والزمن ، 1927 ) .
" إن الآخرين لا يلتقون بفضل إدراك سيميز مسبقا ذاتا معطاة مباشرة كجوهر عن كل الذوات الأخرى التي هي جواهر بدورها ، إنهم لا يلتقون انطلاقا من شكل من أشكال النظرة الأولية الموجهة نحو الذات ، والتي ستسمح وحدها بتقرير التعارض والتمايز عن الغير " Ibid .

الآخر كتهديد بالسيطرة
# ماركس : منتوج العمل هو في ملك شخص آخر

يشير ماركس إلى أنه إذا كان منتوج العمل قوة غريبة أمام منتجه ، فإن ذلك ليس ممكنا إلا لأن هذا المنتوج هو في ملكيــــــــــة " شخص آخر خارج ذات العامل " ( مخطوطات 1844 ) . إن الرأسمالية تنجز إذن تشييئا للعلاقات الاجتماعية وكذا سيطرة المادة على الأشخاص إنجازا كاملا ، فالإستلاب ( cf . le latin : alienus , « autre » ) يحدد بوصفه " سيطرة لقوى غير إنسانية " Ibid .

فلاسفة الأنوار: إنكار الآخر وعدم تحمله #

" إن الإنسان الذي هو من العظمة بفعل ذكائه هو في نفس الآن من المحدودية بفعل أخطائه وأهوائه حتى أننا لا نحتاج إلى أن نوحي له بإلحاح ومن أجل الآخرين بهذا التسامح وهذه الدعامة التي ما أحوجه إليها لمصلحته هو أولا ، والتي بدونها لن نرى في هذا العالم إلا المنازعات والقلاقل " ( لفظة «Tolérance » في الموسوعة ، 1772 - 1751 ) .

ملخص :
و" مشكل " وجود الغير هو مشكل حديث ومعاصر : إذ ليس الغير لدى ديكارت إلا جسدا ينطوي ربما على وعي شبيه بوعيي أنا، ومماثل لما تفكر فيه أناي ، ويضمن لي تبعا لذلك بأنني موجود بصورة لا تقبل الشك . وقد رفض الفينومينولوجيون ( هوسرل ـ هايدجر ـ سارتر ـ ميرلوبونتي ) أن يتم تقديم الغير بهذه الصورة الديكارتية ، كما لو كان وجوده نتيجة لشكل من أشكال الاستنتاج : إذ أن العلاقة مع الغير ، من حيث الأصل ، تدخل وتندرج ضمن علاقتنا نحن بالعالم .
أعلى الصفحة

الثلاثاء، 11 دجنبر 2007

النظرية والتجربة

النظرية والتجربة
المذهب التجريبي أم المذهب العقلاني؟ ..

أشار العديد من الفلاسفة منذ القدم ، وليس الروحانيون منهم وحدهم ، إلى عدم كفاية المعرفة المتأتية عن الحواس.
¯ ديموقريطس : المعرفة اللقيطة والمعرفة الشرعية :
صرح ديموقريطس ( القرن 5 ق م ) بأنه " يوجد نوعان من المعرفة ، إحداهما متأتية عن الحواس ، والأخرى عن العقل (= الفكر ) "، وهو يضفي صفة الشرعية على المعرفة المتأتية عن هذا الأخير بإضفاء المصداقية عليها في ما يخص مسألة الحقيقة ، أما بالنسبة للمعرفة الأخرى فهو يطلق عليها إسم المعرفة اللقيطة باعتبارها مفلسة في ما يخص الإحاطة بما هو حق . وهو يقول : " هناك نوعان من المعرفة ، إحداهما شرعية والأخرى لقيطة ، من اللقيطة تنهض تنهض في المجموع الرؤية والسمع والشم والذوق واللمس. وبالمقابل فإن المعرفة الشرعية تتميز عنها بهذا الخصوص "( المقتطفB II).
لنلاحظ بالمناسبة أن موضوعات المعرفة الشرعية تتمثل بالنسبة لديموقريطس في الذرات والفراغ : وبعبارة أخرى فإنه يستحيل بخصوص الذرات والفراغ تكوين معرفة عن طريق الحواس .
¯ ديكارت : تجربة قطعة الشمع :
في نهاية التأمل الفلسفي الثاني ، يتناول ديكارت ( 1596 ـ 1650 ) مثال قطعة الشمع " التي تم استخلاصها من خلية النحل " : إنها صلبة وباردة ومتينة نسبيا ، وعندما نلمسها يصدر عنها صوت ، لكننا ما إن نقربها من النار حتى تتغير تغيرا تاما : فشكلها يتغير وتتحول إلى سائل ، تسخن و لا يصدر عنها أي صوت . . . لا يتم تصور الشمع إذن إلا عبر " فحص عقلي " كما استنتج ديكارت ـ والحواس لا تمنحنا مطلقا إلا معطيات هاربة ، قابلة للانمحاء وغير منتظمة .
·لا تمدنا الحواس إلا بمعطيات احتمالية .
كتب ديكارت قائلا : " لا تقدم لنا الحواس أية فكرة عن الأشياء كما نصوغها نحن بواسطة العقل "
( 1647 Notae in programma ) ، وحتى إذا كانت الصورة تقابل شيئا ما فهذا لا يعني أنها إعادة إنتاج له ، وذلك ليس أكثر من أن صورة الشمس التي تقترحها علينا نظرتنا البصرية ليست إعادة إنتاج للشمس المعروفة عن طريق علم الفلك " .
¯ النزعة التجريبية : إعادة الاعتبار للمحسوس :
رغم ذلك يوجد تيار فكري آخر يتمثل في النزعة التجريبية ( من الحكمة اليونانية Empeiria ، التجربة ) يمثله جون لوك ( 1632 ـ 1704 ) و دافيد هيوم ( 1711 ـ 1766 ) خاصة ، وحسب هذه النزعة لا شيء في العقل إلا وتعتبر الحواس مصدره، والعقل مماثل لدى هذه النزعة لصفحة بيضاء تنقش فوقها الحواس المعطيات المعرفية .
فقرة من فقرات ليبنتز ( 1646 ـ 1716 ) المشهورة تشكل الجواب النموذج الذي يضعه العقلانيون في مواجهة النزعة التجريبية : " أعترف بإن التجربة ضرورية ، حتى يمكن للعقل أن يكون متيقنا بخصوص هذه الفكرة أو تلك ، وحتى ينتبه للأفكار التي توجد بدواخلنا ، لكن أن تكون الوسيلة هي أن التجربة أو الحواس يمكنهما أن يعطيانا أفكارا ؟ .. فلا ؛ إذ لا شيء في العقل مما يأتي من الحواس غير العقل ذاته " ليبنتز " محاولات جديدة حول الفهم الإنساني " 1704 – 1 ,II .
النظريات و " الوقائع " العلمية
¯ الواقعة " الخام " والواقعة العلمية
إن الملاحظة العلمية " تؤكد أو تدحض أطروحة سابقة ، خطاطة سابقة ، برنامجا للملاحظة " كتب باشلار (1884 ـ 1962 ) في " الفكر العلمي الجديد ".
هكذا لم تكن للعلم أبدا علاقة بالواقعة الخام المدركة في إطار الحس المشترك من طرف مجرد جاهل بأصول العلم ؛ وذلك لأن العلم يستخدم فضلا عن ذلك أدوات خاصة ( وأحيانا أدوات عملاقة كمسرعات الجزيئات ) التي هي " نظريات مطبقة" ( باشلار ، نفس المرجع السابق ) .
إن العقل كما يقول كانط " مطالب بإرغام الطبيعة على الإجابة عن أسئلته" ( " نقد العقل الخالص" مقدمة الطبعة الثانية 1781 ) . ومن هنا فإن العلم يُخضع الطبيعة للسؤال ، وهو بهذا الخصوص ليس مقررا في قاعة محكمة ، كما لا يمارس الملاحظة إلا في الحد الأدنى .
¯ الملاحظة والتجريب
ليست الملاحظة أولا " مجرد معاينة خالصة لواقعة ما " كما يقول كلود بيرنار ( 1813 ـ 1878 )، ونفس الشيء نعنيه عندما نقول إن العالم ناذرا ما يقف عند حدود الملاحظة ؛ إذ يلجأ غالبا إلى التجريب الذي هو " تأكد من فكرة ما عن طريق واقعة " ( كلود بيرنار " مدخل لدراسة الطب التجريبي " 1865 ) .
" إن المجرب هو ذاك الذي ، بفضل تأويل محتمل قليلا أو كثيرا ولكنه أيضا سابق للظواهر موضوع الملاحظة ، يقيم التجربة بالشكل الذي يجعلها ، في إطار السياق المنطقي لتوقعاته ، توفر نتيجة يتم استخدامها للتأكد من الفرضية أو الفكرة المتصورة بشكل سابق على التجربة " ( كلود بيرنار ، نفس المرجع السابق ) .
كلود بيرنار ، فرانسوا جاكوب
· النظرية دائما هي صاحبة الكلمة الأولى
· لا يعرف العلم أبدا إلا الملاحظات المصنوعة
كل العقول السليمة تكرر منذ بيكون أنه ليس هناك من المعارف الحقيقية إلا المعارف القائمة على أحداث ملاحظة ، وهذه المقدمة الكبرى لا يمكن الاختلاف حولها ، ومع ذلك كما لاحظ أوغست كونت : " إذا ما تأملنا الظواهر فإننا نربطها فورا ببعض المبادئ ، إذ لن يكون من المستحيل علينا فقط تركيب هذه الملاحظات المعزولة واستخلاص أية نتيجة منها بدون ذلك ، وإنما سنكون عاجزين كليا عن الاحتفاظ بها ، وفي الغالب الأعم فإن الأحداث ستظل غير مدركة تحت أبصارنا " ( " دروس في الفلسفة الوضعية "، الدرس الأول ).
والعالم زيادة على ذلك لا يمارس الملاحظة إلا ناذرا ، إنه يجرب وتلك مسألة مختلفة تماما ؛ وذلك لأن " المجرب ، كما صرح بذلك كلود بيرنار ، يريد زرع الاضطراب في الطبيعة ، إنه يريد التحكم في الظواهر وإعادة إحداثها لا فقط في إطار الظروف التي تعرض فيها الطبيعة علينا هذه الظواهر ، وإنما في إطار الظروف التي لم تحدث الطبيعة هذه الظواهر في إطارها " ( " مدخل لدراسة الطب التجريبي " ، 1865 ) .
· لا تشكل الواقعة الخام جزءا من عالم العلم
" يجب بالضرورة أن نجرب انطلاقا من فكرة متصورة مسبقا " أي أن نجرب بشكل يمكننا من مراقبة فكرة ما انطلاقا من واقعة ، كما كتب كلود بيرنار ( " مدخل لدراسة الطب التجريبي " ، 1865 ) .
ولأن الملاحظة تكون مصنوعة فإن التجربة تتمثل أساسا وبالفعل في " مراقبة فكرة ما من خلال واقعة " ( نفس المرجع السابق ) .
· يُبنى الحدث العلمي في إطار نظرية محددة بدقة
" يبدو أن البعض يعتقد ، يقول فرانسوا جاكوب ، أنه يكفي من أجل تحقيق المسعى العلمي ، قياس أي شيء ثم إدخال القيم المحصل عليها بهذه الطريقة إلى الحاسوب كما لو الكلمة هي أو للوقائع في إطار حوار في ما بين النظرية والتجربة . [...] إن النظرية في المسعى العلمي هي صاحبة الكلمة الأولى دائما ، والمعطيات التجريبية لا تقبل أن تكتسب و لا يكون لها أي معنى إلا انطلاقا من هذه النظرية " ( الجنسية والتنوع الإنساني، لوموند ـ فبراير 1979 ) .
¯ مفهوم القطيعة الإبستمولوجية
إن توليد المعرفة لا يتحقق دائما بدون ألم ، و العمل العلمي يستحق اسمه استحقاقا كاملا ؛ وذلك لأن الحقيقة هي دائما نتاج بحث فاحص ومكتشف ، نتيجة مجهود للانفلات بقوة مما اعتبر إلى حدود الساعة حقيقة لا مراء فيها من طرف مجتمع العلماء . " ليست هناك إلا وسيلة واحدة لجعل العلم يتقدم " كما كتب باشلار ( 1884 ـ 1962 ) " ألا وهي إثبات خطأ العلم الذي تم بناؤه سابقا " ( " فلسفة النفي " ، 1940 ) .
لقد أطلق باشلار نعت القطائع الإبستمولوجية ( épistémé تعني باليونانية " معرفة " ، " علم " ) على إعادة البناء الكلية للمعرفة التي تنتزع الفكر في إطار علم ما من المعطى المحسوس أو من بادئ الرأي ، فتسجل بذلك تقدما حاسما لهذا العلم .
· باشلار : التطورات البارزة في العلوم ناتجة عن " قطائع إبستمولوجية " .
" يجب على الفكر أن يشكل ذاته من خلال إعادة تشكيل ذاته وبنائها من جديد دوما وأبدا " ( باشلار " تكوين الروح العلمية " ، 1938 ) ، وتاريخ العلوم ، يضيف نفس الكاتب ، لا يعرض علينا إلا " متتالية من الأخطاء المصححة " ( " العقلانية المطبقة " ، 1949 ) .
مثال :
لأن الأجسام المحترقة تعرف تقلصا في حجمها فإن الكيميائيين القدامى تصوروا إلى حدود القرن 18 وجود جسم عمدوه بتسميتهم إياه " فلوجيستيك Phlogestique" يتم تحريره عن طريق الاحتراق . العرض المنجز من طرف ( بريستلي ثم لافوازييه ) والذي بين أن الأجسام تدخل أثناء الاحتراق في تفاعل مع الأوكسجين الموجود في الهواء ( وبذلك يزداد وزنها ) أثبت بشكل نهائي خطأ هذا التصور . " بداهات " مغلوطة ، تجاهل معطى هو مع ذلك جد واضح ( نعني به ازدياد الوزن بعد الاحتراق ) : إننا هنا نمسك إمساكا بنموذج لهذه " الحقائق الأولية " التي لا يمكن البرهنة على بطلانها وتفاهتها إلا عن طريق قطيعة إبستمولوجية .
ملخص :
لا تختزل التجربة في كومة من " الأحداث " التي يصادفها العالم أثناء قيامه بعمله ؛ فالوقائع في العلم هي وقائع معدة ومتصورة ومتوقعة ومحصل عليها ( أولا ) تبعا لتركيب تجريبي يفترض مسبقا نظرية ملائمة ، أي ما أسماه كلود بيرنار في عصره " فكرة سبق تصورها " .

الخميس، 6 دجنبر 2007

الحقيقة

الحقيقة
أفلاطون: الحقيقة كمعيار يدرك بالعقل

الحقيقة كعالم ما ورائي
تقيم الحقيقة لدى أفلاطون (القرن IV – V ) في عالم من الأفكار كانت النفس تتأمله قبل أن تلتحق بالجسد ( فيدون ، 242 ، b ، sq ) ، إذن للوصول إلى الحقيقة لابد من بذل مجهود حتى نتمكن من " الخروج من عالم التغير " ، من العالم الأرضي والمحسوس ( الجمهورية ، VII ) .
ولذلك فإن دراسة الرياضيات تحتل مكانة كبرى في مجال تربية حراس المدينة (= الجنود ) ، وبالخصوص الممتازين منهم ؛ أي الذين سيصيرون فلاسفة/ملوكا في المستقبل ؛ وذلك لأن الرياضيات " تجبر النفس على استخدام الذكاء الخالص من أجل الوصول إلى الحقيقة في ذاتها " (نفس المرجع السابق ) .
العلم بوصفه استعادة وتذكرا
المعرفة أيضا هي مجرد تذكر ، والعلم استعادة لما هو معروف مسبقا : " ليس البحث والتعلم شيئا آخر غير التذكر " ( أفلاطون ـ محاورة مينون ـ 81c ) ، وذلك سيكون مستحيلا إذا كانت أرواحنا " لم توجد من قبل في مكان ما قبل أن تتحد بصورتنا الإنسانية " ( فيدون ، 78e ).
وإذا ما تساءل الناس بوضع أسئلة جيدة ، فإنهم سيكتشفون بأنفسهم، فضلا عن ذلك ، الحقيقة بخصوص أي شيء كان ، وهو ما سيعجزون عن فعله إذا لم يكونوا يمتلكون العالم قبليا بدواخلهم : وهكذا فإن سقراط الذي وضعه أفلاطون فوق الخشبة في محاورة مينون ( 856 ، وفي مواضع مختلفة ) يدعي القدرة على جعل عبد شاب يكتشف بنفسه حل مسأله هندسية هي من الصعوبة بمكان وهي : المعادلة من الدرجة الثانية عبر لعبة ذكية من الأسئلة والأجوبة ، وقد نجح سقراط في جعل العبد يرى أنه من الملائم ضرب أضلاع المربع في اثنين. يستنتج سقراط أن هذه المعارف " إذا لم يكن العبد قد اكتشفها في هذه الحياة " ، فمن الضروري أن يكون " قد امتلكها سابقا في زمن آخر ، ووجد نفسه متمكنا منها مسبقا " (نفس المرجع السابق).
أرسطو : الحقيقة كشيء موضوعي
الحقيقة مطابقة للأشياء ذاتها
" إن القضايا حقيقية ما دامت تتطابق مع الأشياء ذاتها " كما صرح بذلك أرسطو (384 ـ 322 ق.م) في موسوعته الموسومة بالفهم ( الكتاب II الفقرة 9) " أن تكون على حق ، كما قال أرسطو في الميتافيزيقا [105] هو أن ترى أن ما هو منفصل منفصل ، وأن ما هو متصل متصل ، وأن تكون على خطأ معناه أن تفكر بشكل مغاير لطبيعة الأشياء ".
الصادق والكاذب لا يوجدان تبعا لذلك إلا " في الفكر " ، ويتمثلان في إضافة موضوع إلى محمول أو نفيه عنه منشأ وخاصية . وإذا كان الفكر يربط ويفصل تبعا لحقيقة الشيء ، فإنه يمكننا أن نقول عن القضية الناجمة عن هذه العملية إنها قضية صادقة.
" وفي حالة العكس ( أي إذا ربط الفكر أو فصل بدون وجه حق بين موضوع ومحمول ) فإنه ينتهي إلى صياغة قضايا كاذبة " (نفس المرجع E,4).
مثال الحقيقة الموضوعية:
هنا نتعرف على مثال الحقيقة الموضوعية الحاضر خاصة في العلوم التجريبية(وليس في العلوم الفرضية ـ الاستنتاجية) : مثال التطابق بين الشيء المدروس والعقل الذي يدرسه " إن وجود الشيء [ .... ] هو علة حقيقة الفهم " كما قال القديس توما الأكويني بهذا الخصوص (Somme Théologique,Ia,q.26.art.1).
ديكارت : الحقيقة بوصفها بداهة
الشك بحث عن الحقيقة:
ليس الشيطان الماكر لدى ديكارت إلا " دمية منهجية " ، " شيطان إبستمولوجي " ( كوهيي ، فكر ديكارت الميتافيزيقي ، 1962) . يبقى أنه يجب علينا في مواجهة هذا الخيال المتصور من قبل ديكارت وهذا الكائن الخيالي الذي يجد لذة ومتعة في مخادعتنا بشكل دائم ، أن نعارضه بحقيقة لا تقبل الشك ، وهو اقتراح إذ يصمد أمام الشك الجذري ، فإنه يستطاع استخدامه منذ أو حلقة في سلسلة من الحقائق التي تعتبر يقينية منذ ذلك الحين . بيد أنه ، كما كتب ديكارت في " المقالة في المنهج " (1637 ، الجزء IV ) " من خلال وقوفي على أن هذه الحقيقة : أنا أفكر إذن أنا موجود ، كانت من الثبات ومن اليقين إلى حد أن أكثر افتراضات الشك تطرفا كانت عاجزة عن زعزعتها أو تقويضها ، فقد قررت أنه يمكنني أن أتلقاها بدون تحرج بوصفها المبدأ الأول للفلسفة لتي كنت أبحث عنها وأرومها ".
الكوجيطو كنموذج للبداهة :
يعتبر الكوجيطو المتمثل في " أنا أفكر" اليقين الأول الذي يفلت من الشك الجذري والمطلق ، ومن الممكن حسب ديكارت أن نستخدمه كنموذج للبداهة ، كنموذج لما هو حقيقي. " ولو أنني لاحظت أن لا شيء في (أنا أفكر إذن أنا موجود ) مما يضمن لي أنني أقول الحقيقة ،إلا أنني رأيت بوضوح أنه لكي أفكر لا بد أن أكون موجودا أولا ، لذلك قررت أنني أستطيع أن أتبنى كقاعدة عامة أن الأشياء التي يتم تصورها بوضوح وتميز هي كلها أشياء حقيقية " ( نفس المرجع).إن هذا الاستقراء (المتفائل جدا ) ، هذا التعميم الذي استسلم له ديكارت انطلاقا من اليقين الأول والوحيد ( أي وجود " الأنا أفكر " الذي توصل إليه يسمى تقليديا " قاعدة البداهة ".
الصدق الإلهي:
" إنه بالإمكان أن نكون معرضين للاعتقاد بأن الله يخدعنا " ، كما كتب ديكارت ، " إذا ما كان فهمنا مهيئا بالطريقة التي تجعلنا نميز الصواب من الخطأ عندما نستعمله بشكل صائب " ( مبادئ الفلسفة ، الجزء الأول ، § 30 ـ 1644).
إن الله لا يخدعنا : لأنه خير أكثر منه واحدا . أن تكذب وأن تقول إن " 2 و 3 يعطيان 6 " عملية تأخذ فيها بالحسبان ما هو معطى سلفا ، ما تم خلقه سلفا من طرف شخص آخر ، وتأكيد العكس يمكن أن يكون من فعل ملاك منحط ، لا وحق الله. إن كائنا يتسم بالكمال والقوة لا يمكنه أن يأمر بـ " جزأين " في عملية خلقه ، أحدهما ( ما سيستعصي عليه الوصول إليه ) والذي تعطينا فيه 2 و 3 العدد 6 ، والآخر ( وهو ما يوصلني إليه عقلي) والذي تعطيني فيه 2 و 3 العدد 5 . إن الله إذن صادق بالضرورة.
الحقيقة والصلاحية
الحقيقة المادية والحقيقة الصورية.
نسمي مقدمات استدلال ما " سوابق الاستدلال" ( ج. سالم ، مدخل إلى المنطق الصوري والرمزي ، 1987 ) ، أي القضية أو القضايا التي نستنتج منها نتيجة الاستدلال إياه ، بيد أنه يمكن أن يكون استدلال ما صادقا ( حقيقيا ) ، في حين أن نتيجته ومقدماته كاذبتان ماديا ( واقعيا ) .
هاك على سبيل المثال هذين الاستدلالين البسيطين :
كل مثلث مكون من ثلاثة أضلاع ، إذن كل ثلاثي الأضلاع مثلث.
كل مثلث مكون من أربعة أضلاع ، إذن بعض مربعي الأضلاع مثلثات .
" إن لحظة من التفكير " كما كتب روبير بلانشي الذي استعرنا منه هذا المثال ، " ستبرهن على أن الاستدلال الأول غير صالح ولو أن قضيتيه صحيحتان ، وأن الثاني صالح ولو أن قضيتيه خاطئتان " ( مدخل للمنطق المعاصر،1968) ، وبعبارات أخرى : فكل قضية في الاستدلال الأول صادقة واقعيا ، غير أن الاستدلال خاطئ من الناحية الصورية ، أما الاستدلال الثاني ، فإن كل قضية فيه خاطئة واقعيا ، غير أن الاستدلال صحيح صوريا ( أو يتسم بالصلاحية ).
الخاصية الصورية للحقيقة
في العلوم الفرضية ـ الاستنتاجية.
لا يجب إذن أن نخلط صلاحية استدلال ما بحقيقة قضاياه المكونة له أو واقعيتها . إن الحقيقة الصورية تتجاهل الواقع ، إنها فقط اتفاق للفكر مع نفسه ، إلا أن هذه المسألة تخص العلوم الفرضية ـ الاستنتاجية وحدها ن والمتشكلة من المنطق والرياضيات. " الحقيقة الرياضية " كما يقول منظرو جماعة بورباكي " تقيم الاستنتاج المنطقي فقط انطلاقا من المقدمات الموضوعة اعتباطيا عن طريق الأكسيومات " ( عناصر تاريخ الرياضيات ، 1960).
إن مسألة الحقيقة إذن توضع في العلوم الفرضية ـ الاستنتاجية بشكل مغاير كليا لوضعها في علوم الطبيعة ؛ ففي حالة هذه العلوم الأخيرة يتعلق الأمر بالفعل وعلى الخصوص بما أسماه السكولائيون القروسطيون بتطابق الكر مع الواقع L’adéquatio rei et intellectus ، التطابق بين الشيء المدروس والعقل الذي يدرسه.
وضع مثال الحقيقة موضع تساؤل
ميكيافلي
يجب على الأمير أن يجيد اللجوء إلى الكذب وممارسته.
" لو كان الناس كلهم أخيارا ، كتب ميكيافيلي (1469 – 1527) ، فسيكون لزاما علينا أن نصدقهم القول دائما " ، " لكنهم ما داموا أشرارا و لا يحفظون لك عهدا أنت كذلك [ أنت : الأمير الذي أقدم له كتابي هذا ] فليس عليك أن تحفظ لهم عهدا " (الأمير ، الفقرة XVIII المعنونة بـ : عن استخدام الكذب في فن الحكم ـ 1513).
" ومن ثمة فإن السيد الحكيم لا يمكن أن يفي بوعوده وعهوده إذا كان ذلك سينقلب عليه ، وإذا ما انعدمت الأسباب التي أدت إلى تقديم الوعود " (نفس المرجع) " فلن يعدم أمير أبدا المبررات التي تمكنه من تبرير نقضه لوعوده " . وغالبا فإن " أمور كل من يجيد فن التثعلب تسير من حسن إلى أحسن " ، وفيما تبقى " فإن من يخون يجد دائما من تسهل خيانته " (نفس المرجع).
· نيتشه
الحقيقة كوهم

يعتقد نيتشه أنه أعاد من جديد اكتشاف المثال النسكي ـ الذي تجسد لمدة طويلة في القس ـ في إرادة الحقيقة لدى العلماء المعاصرين : " لا ، إن هؤلاء هم أبعد ما يكون عن أن يكونوا عقولا حرة ، وذلك لأنهم لا زالوا يؤمنون بالحقيقة " (جينيالوجيا الأخلاق ، III ، § 24 – 1887). إن " الحرية الحقيقية للعقل " تضع " الاعتقاد بالحقيقة ذاته موضع تساؤل" (نفس المرجع).
" من الذي انتصر بالفعل على الإله المسيحي ؟ .. إنها الأخلاق المسيحية ذاتها [...] ، إنه الوعي المسيحي المهيج في الاعترافات الإيمانية ، والذي تطور إلى أن تحول إلى الوعي العلمي ، النقاء الفكري بأي ثمن " (العلم المرح ، أفوريزم 357 – 1882) . " في اليوم الذي اندحرت فيه أكذوبة ذلك " العالم الآخر" الذي عودنا الدين على الإيمان به جاءنا العلم ببديل عنه ، أي بـ " عالم آخر " هو " عالم حقيقته " الخاصة به ".
· إينشتاين ـ باشلار
الحقيقة كخطأ مصحح
· إينشتاين : ليست هناك حقائق أولى
" لا شيء يجب اعتباره كما لو كان بديهيا جدا " كتب ألبير إينشتاين في معرض تبسيطه لنظرية النسبية ؛ " وإذا كنا نريد حقا أن نكون على صواب ، فيجب أن نخضع افتراضات الفيزياء التي نظر إليها لحد الآن كما لو كانت حقائق غير مشكوك فيها لتحليل (متفحص) " ( إينشتاين وإينفلد ، تطور الأفكار في الفيزياء ، 1938).
· باشلار : ليست هناك إلا الأخطاء الأولى
إن إبستمولوجيا باشلار (1884 – 1962) ألحت على الخصوص على مسألة أنه لا يتم التوصل إلى الحقيقة " إلا في نهاية نقاش سجالي " ، إلا بعد " قطيعة إبستمولوجية " . " و لا يمكن أن تكون هنالك حقائق أولى " ، فليست هناك ، كما يفضل باشلار ان يقول إلا " أخطاء أولى " (المثالية الاستدلالية ، في أبحاث فلسفية ، 1934).
ملخص :
الحقيقة مفهوم هو من الوضوح بذاته إلى حد أنه يستحيل حسب ديكارت أن نضع له تعريفا. وأرسطو يجعل الحقيقة تقيم في تطابق القضايا التي نصدرها مع الأشياء ذاتها . وقد ألح الإبستمولوجيون المعاصرون ، وبخاصة باشلار ، على النسبية التاريخية لـ " الحقيقة " في ميدان البحث العلمي : فالعلم يتقدم بالفعل من خلال التصحيح المتوالي والمتعاقب لما اعتبر إلى حين معين عبارة عن حقائق لا يمكن الشك أو الارتياب فيها.




الأحد، 25 نونبر 2007

عن الاستقلال الذاتي في السياسة

الفرد المخوصص
كورنيليوس كاستورياديس المتوفى في 26 ديسمبر 1997 فيلسوف ومحلل . وقد كان أحد أقوى وجوه الحياة الثقافية الفرنسية . يوناني المولد ، حل بباريس سنة 1945 ، حيث قام بتسيير مجلة " اشتراكية أو توحش " ، نشر في سنة 1968 ، بمعية إدغار موران و كلود لوفور في ماي 68 " لابريش " . وفي نهاية السبعينات ساهم في مجلة " حرٌ " ، وإلى جانب عمله الرئيس " التأسيس المتخيل للمجتـــــمع " ( 1975 ) ، ألف كتبا أخرى أساسية تم تجميعها في سلسلة انطلقت سنة 1978 تحت عنوان : " مفترق طرق المتاهة " (1) .
لا تكون الفلسفة فلسفة إذا لم تكن تعبيرا عن فكر مستقل ذاتيا . فماذا تعني : " مستقل ذاتيا " ؟ .. إنها تعني auto nomos " ما يمنح لذاته قانونها الخاص " . ومن الواضح في الفلسفة أن منح الذات قانونها الخاص يعني طرح السؤال وعدم قبول أية سلطة حتى ولو كانت سلطة الفكرة السابقة لذات الفيلسوف .
هاهنا ، إضافة لذلك ، تكون نقطة الضعف هذه محرجة قليلا ؛ وذلك لأن الفلاسفة تقريبا دوما ، ينحتون أنسقة فلسفية مغلقة كانغلاق البيضة على ذاتها ( أنظر اسبينوزا ، وانظر على الخصوص إلى هيجل ، بل حتى إلى أرسطو وإن كان بشكل أقل ) ، أو يظلون متشبثين ببعض الصيغ التي خلقوها ولم يستطيعوا وضعها موضع التساؤل .
الأمثلة المغايرة هنا قليلة ، أفلاطون أحدها ، وفرويد مثال آخر عنها في مجال التحليل النفسي ، ولو أنه لم يكن فيلسوفا .
الاستقلال الذاتي في مجال الفكر هو مساءلة للذات لا تنتهي و لا تتوقف عند أي حد ، بل توضع هي ذاتها موضع تساؤل . وليست هذه المساءلة للذات مساءلة فارغة ؛ إذ أنه لا معنى للمساءلة الفارغة . وللحصول على مساءلة ذات معنى ، يجب أن نكون قبلا قد وضعنا عددا معينا من الحدود (= العبارات ـ الألفاظ ) ، باعتبارها لا تقبل الشك مؤقتا ، وإلا لظلت المساءلة علامة استفهام ولم تكن مساءلة فلسفية . إن المساءلة الفلسفية متمفصلة ، تنفصل لتعود إلى الانسحاب على الحدود التي تمفصلت انطلاقا منها .
فما معنى الاستقلال الذاتي في السياسة ؟ .. كل المجتمعات تقريبا ممأسسة في إطارتبعية وخضوع لإرادة الغير l’hétérémonie ، بمعنى في غياب الاستقلال الذاتي . وهذا معناه أنه ولو أنها تصنع كلها مؤسساتها بذاتها ، فإنها تدمج ضمن ومن خلال هذه المؤسسات الفكرة غير المتنازع فيها بالنسبة لأعضاء المجتمع ، وهي أن هذه المؤسسات ليست عملا أو إنجازا إنسانيا ، ، وأنها لم تصنع من طرف البشر ، وفي كل الأحوال لم تصنع من طرف الآدميين الذين يوجدون هنا في هذه اللحظة . إنها صنعت من طرف الأرواح والأسلاف والأبطال والآلهة ، ولكنها ليست صنعا آدميا .
وقد عرف هذا البنذ ضمنيا وحتى بشكل غير ضمني امتيازا هائلا في الديانة العبرية : فمسألة منح القانون لموسى من طرف الرب مسألة مكتوبة وموضحة ؛ وهناك صفحات وصفحات في العهد القديم تصف بتفصيل التقنين الذي منحه الله لموسى . لا يتعلق الأمر بالوصايا العشر وحدها ، بل بكل تفاصيل القانون . وكل أحكامه لا يمكن أن تكون موضع شك : فالشك فيها سيعني إما الشك في وجود الله أو في الصدق الإلهي ، أو في خيريته وعدالته ، في حين أن هذه الصفات هي صفات جوهرية لله . نفس الشيء ينطبق على المجتمعات الأخرى التابعة والخاضعة . والمثال العبري هنا مذكور بفعل صفائه الكلاسيكي .
لكن ، ما هي القطيعة الكبرى التي أحدثتها الديمقراطية اليونانية على شكل صيغة أولى ، ثم أحدثتها على شكل صيغة أخرى أكثر رحابة وأكثر تعميما ثورات العصور الحديثة والحركات الديمقراطية الثورية التي تلتها ؟ .. إنها بكل تحديد متمثلة في الوعي الصريح بأننا نصنع قوانيننا ، وإذن ، بأننا قادرون على تغييرها .
كل القوانين اليونانية القديمة تبدأ بالبنذ التالي" édoxé té boulé kai to démo " " لقد بدا خيرا للمجلس وللشعب " . " لقد بدا خيرا " وليس " إنه خير " ؛ أي ما بدا في تلك اللحظة . ولدينا في دساتير العصور الحديثة فكرة سيادة الشعب . مثلا ، يقول بيان حقوق الإنسان الفرنسي في ديباجته : " السيادة في ملك الشعب ، يمارسها إما مباشرة وإما بتوسط ممثليه " . وقد اختفت " إما مباشرة " هاته بعد ذلك وبقينا مع " ممثليه " فقط وحدهم .
4 ملايين دولار لتصير منتخبا
هناك إذن استقلال ذاتي سياسي ؛ ويفترض هذا الاستقلال الذاتي السياسي معرفة أن الناس يصنعون مؤسساتهم الخاصة . وهذا يتطلب أن نحاول وضع هذه المؤسسات عن بصيرة في إطار الشفافية ، بعد مداولة جماعية . وهذا ما أسميه الاستقلال الذاتي الجماعي الذي يعتبر الاستقلال الذاتي الفردي نظيره غير القابل للإلغاء .
لا يمكن أن يتشكل مجتمع مستقل ذاتيا إلا من أفراد مستقلين ذاتيا . و لا يمكن أن يوجد حقيقة أفراد مستقلون ذاتيا إلا في مجتمع مستقل ذاتيا .
لماذا هذا هكذا ؟ .. إن من السهولة بمكان فهم ذلك ؛ فالفرد المستقل ذاتيا هو فرد لا يأتي فعلا ، كلما أمكن ذلك ، إلا بعد تفكير وتداول . وإذا لم يتصرف بهذا الشكل ، فإنه لا يستطيع أن يكون فردا ديمقراطيا ينتمي إلى مجتمع ديمقراطي .
بأي معنى يعتبر الفرد المستقل ذاتيا في المجتمع الذي أتيت على وصفه فردا حرا ؟ .. وبأي معنى نحن أحرار اليــــوم ؟ ..
إن لدينا عددا معينا من الحريات تم اكتسابها كنتاجات أو نتاجات فرعية لصراعات الماضي الثورية . وليست هذه الحريات حريات صورية فقط كما قال عن خطأ كارل ماركس ؛ فأن نملك القدرة على الاجتماع وقول ما نريد ليس بأي حال من الأحوال حرية صورية . لكنها جزئية ، ودفاعية ، وحتى يستقيم القول منفعلة وليست فاعلة .
كيف يمكنني أن أكون حرا إذا كنت أحيا في مجتمع مسير بواسطة قانون مفروض على الجميع ؟ .. إن هذا يبدو كتناقض لا يهضم ، وهذا ما قاد كثيرين كماكس اشتاينر (2) على سبيل المثال إلى القول بأن هذا لا يمكن أن يكون موجودا ، كما أن آخرين تلوه كالفوضويين سيدعون أن المجتمع الحر يعني الاختفاء المطلق لأية سلطة ولأي قانون ، مع معنى ضمني مؤداه أن هناك طبيعة إنسانية خيّرة ستبرز إذ ذاك ، وستستطيع الاستغناء عن أية قاعدة خارجية . وهذه في رأيي طوباوية متهافتة .
بمستطاعي القول إنني حر في مجتمع خاضع لقوانين إذا كانت لديّ الإمكانية الفعلية ( وليس على الورق فقط ) للمشاركة في مناقشة ومداولة وصياغة هذه القوانين ، وهذا يعني أنه يجب أن تكون السلطة التشريعية فعليا في ملك الجماعة ، أي في ملك الشــعب .
وأخيرا ، فإن هذا الفرد المستقل ذاتيا هو أيضا الهدف الجوهري لتحليل نفسي مرتبط به ضرورة . وهنا نجدنا أمام إشكالية مغايرة نسبيا ؛ وذلك لأن كائنا إنسانيا ما هو كائن واع ظاهريا ، لكن هذا الكائن الإنساني يتمثل في أعين محلل نفسي في لاوعيه لا في وعيه ، لا لأنه غبي ، وإنما لأن هناك حاجزا يمنعه من معرفته (= الجانب اللاواعي ) هو حاجز الكبث .
نحن نولد مثلا كجواهرنفسية فردة تحيا في خضم الطاقة الهائلة التي لا تعرف حدودا أو لا تعترف بحدود لإشباع رغباتهـا ، والتي يتوجب أمامها على كل عائق أن ينمحي . ونحن ننتهي بأن نصبح أفرادا نقبل بوجود الآخرين أكثر مما نقبل بهذا الوجود على مضض ، غالبا ما نتمنى موتهم ( وهو ما لا يتحقق غالبا ) ، وكل هذا يحدث بفعل الكبث الذي يحيل كل هذه النزوعات النفسية العميقة على اللاوعي ، ويحتفظ منها في جزئها الأعظم بإبداعات الخيال الراديكالي .
يستلزم التحليل النفسي أن الفرد يُقاد ، عبر وسائل وآليات التحليل النفسي ، إلى اختراق حاجز اللاوعي هذا وسبر أغواره ما أمكن ، وإلى تخفيف اندفاعاته ( نبضاته ) اللاواعية ، وإلى عدم التصرف دون تفكير أو روية . إن هذا الفرد المستقل ذاتيا هو غاية سيرورات التحليل النفسي ( بمعنى الهدف أو النقطة النهائية ) .
لكننا إذا ما ربطنا ذلك بالشأن السياسي ، فمن البديهي أيضا أننا في حاجة إلى فرد مثل هذا ، لكنه بديهي أيضا أننا لا نستطيع إخضاع مجموع أفراد المجتمع للتحليل النفسي . ومن هنا الدور الأعظم للتربية وضرورة إصلاح راديكالي لها ، لنجعل منها paidai أداة حقيقية للاستقلال الذاتي ؛ تربية من أجل الاستقلال الذاتي وموجهة نحو هذا الاستقلال الذاتي الذي يقود أولئك الذين تربوا ــ وليس الأطفال وحدهم ــ نحو التساؤل باستمرار لمعرفة ما إذا كانوا يتصرفون عن معرفة أم بالأحرى منساقين وراء أهوائهم وأحكامهم المسبقة .
ليس الأطفال وحدهم [ المعنيون بالتربية ] ؛ وذلك لأن تربية فرد ما ، بالمعنى الديمقراطي ، هي مقاولة تبتدئ مع ولادة هذا الفرد و لا تنتهي إلا بموته . وكل ما يحدث خلال حياة الفرد يستمر في تشكيله وتشويهه . إن التربية الجوهرية التي يوفرها المجتمع المعاصر لأفراده في المدارس والإعداديات والثانويات والجامعات هي تربية أداتية ، مشكلة أساسا من أجل شغل منصب وظيفي . وإلى جانب هذه التربية ، هناك تربية أخرى ألا وهي الحماريات (= البلادة والغباء ) التي يبثها التلفزيون .
حول مسألة التمثيل السياسي كان جان جاك روسو يقول إن الإنجليز اعتقدوا في القرن 18 أنهم أحرار لأنهم يختارون ممثليهم كل خمسة أعوام . بالفعل هم أحرار ، لكن يوما واحدا خلال خمس سنوات . وروسو بقوله ذاك قلل دون وجه حق من قيمة هذه الحال التي عرضها ؛ لأنه من البديهي أنهم لم يكونوا أحرارا حتى خلال هذا اليوم من خمس سنوات . لماذا ؟ .. لأنه تم التصويت على مرشحين مقدمين من طرف أحزاب سياسية ، و لم يكن ممكنا التصويت على أي كان . وقد تم التصويت انطلاقا من وضعية واقعية بكاملها مصنوعة من طرف البرلمان السابق الذي طرح المشاكل باستخذام حدود بداخلها أمكن أن تكون هذه المشاكل قابلة للنقاش ، والذي فرض بنفس الوسيلة حلولا ، أو على الأقل بدائل للحلول التي لا تتطابق و لا تتلاءم تقريبا أبدا مع المشاكل الحقيقية .
عموما فإن التمثيلية تعني سلب الممثَّلين سيادتهم ومنحها للممثلين . إن البرلمان غير مراقب .إنه مراقب خلال خمس سنوات من خلال عملية انتخاب ، لكن الجزء الأعظم من الشخصيات السياسية هو عمليا غير قابل للعزل . وهذه الحال هي في فرنسا أقل نسبيا ، وفي أمكنة أخرى أكثر من ذلك ؛ فالسيناتورات في الولايات المتحدة على سبيل المثال هم بالفعل سيناتورات مدى الحياة ، وهذا ما سيحدث بفرنسا أيضا . ولكي يتم انتخابك بالولايات المتحدة تلزمك تقريبا 4 ملاييـن دولار . من ذا الذي سيمنحك هذه الملايين الأربعة ؟ .. ليس العاطلون على كل حال ، إنها الشركات . ولماذا تتبرع الشركات بهذه المبالغ الكبيرة ؟ .. لكي تضمن بعد ذلك قبول ورضا السيناتور على اللوبي الذي تشكله هذه الشركات بواشنطن ومن أجل ضمان التصويت على القوانين التي تستفيد منها ، لا التصويت على القوانين التي تعارض هذه الاستفادة . وهنا نحن أمام المسار التي ستسلكه مجبرة كل المجتمعات المعاصرة .
هذا ما نشهد تشكله بفرنسا رغم كل الإجراءات المزعومة المتخذة لمحاصرة وضبط الفساد . لقد تحول الفساد لدى المسؤولين السياسيين في المجتمعات المعاصرة إلى سمة بنيوية نسقية ، وليس مُزحة أنه مندمج ومنضو في طريقة اشتغال النسق الذي لا يمكن أن يشتغل بشكل آخر مغاير .
ما هو مستقبل مشروع الاستقلال الذاتي هذا ؟ .. إن هذا المستقبل يتوقف على نشاط الغالبية العظمى من الكائنات الإنسانية ؛ فلم يعد بالإمكان الحديث عن طبقة محظوظة هي البروليتاريا الصناعية مثلا ، والتي تحولت منذ أمد بعيد إلى أقلية صغيرة بداخل المجتمع . ويمكن القول بالمقابل ، وهو ما أقوله ، أن مجموع الساكنة ، ما عدا % 3 من المحظوظين في القمة ، ستكون لها مصلحة شخصية في التغيير الراديكالي للمجتمع الذي تعيش في كنفه .
لكن ما نلاحظه منذ خمسين سنة هو انتصار الدلالة المتخيلة الرأسمالية ، أي انتصارا لتوسع لامحدود لتحكم مزعوم عقلاني زعما ، وضمورا وتلاشيا للدلالة المتخيلة الأخرى للأزمنة المعاصرة ، ونعني بذلك غيابا للاستقلال الذاتي .
هل ستتسم هذه الوضعية بالدوام ؟ .. أم ستكون عابرة ؟ .. لا أحد يمكنه أن يجيب عن هذا السؤال ؛ إذ ليس هنالك أنبياء بخصوص أمثال هذه الموضوعات . يقينا أن المجتمع الحالي ليس مجتمعا ميتا ، إننا لا نعيش في بيزنطة أو بروما القرن الخامس ( ق.م ) ، فهناك دائما حركية ، هناك أفكار تنبثق وتتداول ، هناك ردود أفعال . لكنها تظل ناذرة وعبارة عن شذرات بالعلاقة مع المهام العظمى التي تنتظرنا . لكن ما أعتبره يقينيا هو أن الإحراج أو الإشكال الذي صغناه باستخذام عبارات ليون تروتسكي وروزا لوكسمبورغ وكارل ماركس أيام " اشتراكية أو توحش " لا زال محتفظا بمصداقيته ومشروعيته ، بشرط بديهي واضح وهو أن لا يتم خلط الاشتراكية بأشكال الرعب التوتاليتارية التي حولت روسيا إلى حقل من الأطلال ، و لا ب " التنظيم " فاقد المعنى للاقتصاد ، و لا بالاستغلال الجامح للناس ، و لا بالاستعباد الكلي للحياة العقلية والثقافية الذي تحقق في هذا الإطار .
التصويت من أجل شرٍّ أقل
لماذا تعتبر الوضعية الحالية وضعية غير آكدة تماما ؟ .. لأننا نرى أكثر فأكثر في العالم الغربي تبلور شاكلة من الأفراد لم تعد أبدا على شاكلة أفراد مجتمع ديمقراطي ، أو مجتمع يمكن بداخله ممارسة الصراع من أجل مزيد من الحرية ، وإنما هم نوع من الأفراد المخوصصين المنكمشين بداخل وسطهم الشخصي الضيق ، والذين صاروا لامبالين بالمقارنة مع ما هو سياسي .
عندما يصوت الناس ، فإنهم يصوتون بشكل يتسم باللامبالاة ، إنهم لا يؤمنون بالبرنامج المقدم لهم ، لكنهم يعتبرون أن س أو ص أدنى شرا بالمقارنة مع ما كانه ع في المدة السابقة . عديد من الأشخاص سيصوتون لا محالة لصالح ليونيل جوسبان (3) في الانتخابات القادمة ، لا لأنهم يعشقونه أو لأنه دوخهم بأفكاره ، سيكون مذهلا لو حدث ذلك ، وإنما ببساطة لأنهم ملوا الوضعية الحالية . نفس الشيء هو ما حدث سنة 1995 عندما تقزز الأفراد وبرموا من جراء 14 سنة من الاشتراكية المزعومة التي تمثل إنجازها المركزي في تبني الرأسمالية الأكثر جموحا بفرنسا ، والشروع في تقويض وهدم ما كان قائما بوصفه فتوحات اجتماعية في الفترة السابقة .
إن كل مجتمع يتمفصل دائما ، من وجهة نظر التنظيم السياسي ، ضمنيا أو صراحة انطلاقا من ثلاثة أجزاء : 1 ) ما كان يسميه الإغريق oikos ، أي " المنزل " ، الأسرة ، الحياة الخاصة . 2 ) ال " أغورا Agora " : المكان العمومي ـ الخاص ، حيث يلتقي الأفراد ويتناقشون أو يمارسون عمليات تبادل ، وحيث يكوِّنون جمعيات أو شركات ، وحيث تجرى العروض المسرحية ، الخاصة أو الممولة لا يهم . إن هذا هو ما نسميه منذ القرن 18 بلفظ مهيأ للخلط ، المجتمع المدني ، خلط تعمق في الآونة الأخيرة . 3 ) ال ecclesia ، المكان العمومي ـ العام ، السلطة ، المكان الذي تمارس فيه ، أو تتواجد به ، أو حيث السلطة موضوعة.
لا يجب أن تكون العلاقة بين هذه المكونات الثلاث قائمة بشكل ثابث وصلب ، بل يجب أن تكون مرنة متمفصلة . ومن جانب آخر ، لا تقبل هذه المكونات الثلاثة أن تكون منفصلة عن بعضها كلية .
تزعم الليبرالية الحالية أنه بالإمكان فصل المجال العمومي كلية عن المجال الخاص ، في حين أن ذلك مستحيل ، وزعم القدرة على تحقيق ذلك إنما هو كذبة ديماغوجية ؛ فليست هنالك ميزانية لا تتدخل في الحياة الخاصة العمومية ، بل حتى في الحياة الخاصة . وهذا ليس إلا مثالا من ضمن أمثلة أخرى . كما أنه ليس هنالك من سلطة غير ملزمة بسن حد أدنى من القوانين الزجرية ، تقرر على سبيل المثال أن القتل محرم ، أو أنه يتوجب في المجتمع المعاصر تمويل مجالي الصحة العمومية والتعليم . يجب أن ينوجد في هذا المجال نوع من أنواع اللعب في ما بين السلطة العمومية و L’Agora ، أي الجماعـة .
لا يمكننا محاولة إيجاد تمفصل سليم بين هذه المكونات الثلاثة إلا في إطار نظام ديمقراطي حقيقة ، تمفصل يحمي بالحد الأقصى الحرية الخاصة ، ويحمي أيضا بالحد الأقصى حرية الـ Agora ( الجماعة ) ، أي المناشط العمومية المشتركة للأفراد ، ويجعل الجميع يشارك في السلطة العمومية . في حين أن هذه السلطة العمومية هي في ملك أوليغارشية نشاطها سري بالفعل ، ما دامت الفرارات الأساسية والمصيرية تتخذ دائما وراء الكواليس .
**********************************
هـــــوامـــــش :
.1 إقرا روبير ريديكير : " كورنيليوس كاستورياديس ضد التقاليدية المعممة " لوموند ديبلوماتيك ، غشت 1997 .
.2 N.D.L.R : فيلسوف ألماني ( 1856 - 1806 ) مؤلف " الأوحد وملكيته " ( 1845 ) و " تاريخ رد الفعل " ( 1852 ) .
.3 N.D.L.R : هذه الكلمات مؤرخة ب 22 مارس 1997 قبل الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها في ماي ـ يونيه 1997 ، والتي انتهت بفوز السيد ليونيل جوسبان الذي أصبح منذذاك وزيرا أولا
.

الأحد، 11 نونبر 2007

هكذا تكلم دريدا


في آخر حوار معه قبل رحيله:
هكذا تكلم دريدا
انطفأت شمعة
جاك دريدا يوم 9 أكتوبر 2004 ، ولقد كان لفرانز أوليفيي جيسبير حظ الالتقاء مع هذا الفيلسوف اللامع والكبير لمرات متعددة . . .
ومنذ موته يوم السبت الأخير ، لم يعد بإمكان الفرنسيين أن يجهلوا أن جاك دريدا كان الفيلسوف المعاصر الذي عرفت أعماله أكبر قدر من التعاليق والترجمة. لقد التقينا عدة مرات ، وفي أحد الأيام سجلت معه حوارا أردته أن يكون في متناول الجميع ؛ أي ضربا من المدخل العام لأعمال هذا الفيلسوف ، وذلك للتعريف به بشكل أفضل . وفي يوم 29 يونيه ، وهي آخر مرة نتناول فيها طعام الغذاء سوية ، سلمته مسودة الحوار لإدخال تعديلاته عليها ، لكنني لم أتمكن بعدها من لقائه ، فقد كان يعاني كثيرا من مرض السرطان ، كما كان منشغلا بمحاضراته وسفرياته ، لذلك فإنني أنشر هنا ـ وللتاريخ ـ نص الحوار الذي دار بيني وبينه دون تعديل.


لوبوان : إذن فأنت الفيلسوف المعاصر المقروء والمذكور أكثر من غيره

جاك دريدا : ( يضحك ) لست أنا هذا الشخص الذي تتحدث عنه
لوبوان : أتريد أن تقول إنك لست في مستوى ذلك
ج د : بالعكس ، لكنه ليس أنا ؛ فعندما أكتب أو أتحدث إلى الجمهور ، يكون هناك دائما أنا آخر بداخلي يلاحظ ويحلل ، ومن ثم ينتابني نوع من الضيق : أحيانا لا أشتكي من ذلك ، بل أقول لنفسي بأنه علي أن أفعل ما هو مطلوب لكي أغدو ذلك الشخص ، لكنه يتوجب علي بدون توقف، حتىأستمر في العمل والتفكير، التخلص من هذا الشخص الذي تتحدث عنه.
لوبوان : إذن فأنت تسافر كثيرا لكي تفلت من قبضة هذا الشخص؟
ج د : أنا في حاجة للسفر لأفهم ما يحدث في العالم ، لكنيي أعلم أيضا أنه لا يمكن أن أبقى في فرنسا دون أن أشعر بالاختناق.
ل : لماذا ؟ ..
ج د : لأبسط . . . يبدو لي أن المسرح الثقافي والفلسفي في فرنسا يظل رغم بعض الاستثناءات جد محدود وجد محلي ، وهو أيضا أكثر سلبية في علاقته بي أنا خاصة .
ل : إن الأجانب يحبونك ، أما الفرنسيون فيكرهونك ، لماذا ؟ ..
ج د : ( صمت ) هذا ما أحاول فهمه .
ل : ألا تكون غيرة زملائك منك هي سبب ذلك ؟ ..
ج د : تلك ظاهرة كلاسيكية ودائمة العود ، والفلاسفة لا يقرأون في غالب الأحيان في بلدانهم كما يقرِأون خارجها.
ل : أنت بدورك لا تبذل مجهودا كبيرا بهذا الصدد ؛ فأنت أكثر غموضا واستغلاقا على الفهم .
ج د : لو كنت غامضا ومبهما لكان ذلك صحيحا أيضا بالنسبة لكتبي المترجمة إلى اليابانية أو الإنجليزية ، بيد أن الناس يقرأون كتبي هناك كثيرا ... إنني أرفض تهمة الغموض والإبهام ؛ فذاك مبرر ينطوي على سوء نية.
ل : كيف أصبح دريدا ما هو إياه ؟ .. والذي أشعل شرارة موهبتك الفلسفية ؟..
ج د : لقد ترعرعت بالجزائر في كنف أسرة لم يكن ببيتها كتب ، ولم أكتشف جان جاك روسو ونيتشه أولا إلا بالمدرسة ، ثم اكتشفت بعدهما أندريه جيد وفاليري . في البداية لم أكن أميز بين الفلسفة والأدب ؛ فقد كانت لدي على الخصوص رغبة في كتابة روايات أو أشعار، وأن أصير أستاذا للآداب لكسب القوت، ولم أختر الفلسفة إلا عندما كنت داخليا بالجزائر ، مع استمرار اهتمامي بالآداب ، وهذا هوما دفع البعض إلى اتهامي بخلط الأصناف والاهتمامات ، وتلك مشكلة قديمة قدم التاريخ.
ل : ألديك حنين دائم إلى الجزائر ؟ ..
ج د : نعم بطبيعة الحال ، فكل ما يحدث هناك يؤثر في بشكل كبير.
ل : لماذا يحيق بالجزائر إلى هذا الحد ما يمكن أن نسميه الشقاء العربي ؟ ..
ج د : إن التراجيديا الجزائرية تفسر في جزء كبير منها بظاهرة الاستعمار؛ فعندما قرر البلد التحرر من الاستعمار ، كان النموذج الذي وجده أمامه هو نموذج الدولة / الأمة الأوربية الحديثة ، إلى جانب الأسلحة ، أي البدائية باختصار ، ومن هنا التراجع والانحطاط الذي تلا ذلك والذي كان اقتصاديا وإيديولوجيا ودينيا.
ل : هل كنت من أنصار استقلال الجزائر باعتبارك فرنسيا؟ ..
ج د : إنني كنت أتفهم طموحات الجزائريين ، كما كنت في الآن نفسه أتمنى أن يتم إيجاد نوع من التنظيم السياسي يمكن فرنسيي الجزائر من البقاء فيها.
ل : لقد كانت الجزائر تحتاج لرجل شبيه بمانديلا . . .
ج د : إن مانديلا مطلوب في كل مكان وعلى صعيد كل القارات ، وحتى يومنا هذا فالأمور ليست على ما يرام بجنوب إفريقيا.
ل : لقد غادرت الجزائر سنة 1949 لتصبح داخليا بباريس بليسي لويس الأكبر ، فكيف عشت تلك الحقبة من تاريخك ؟ ..
ج د : من الجزائر البيضاء ، وصلت إلى باريس المدينة السوداء ، ولأنني كنت داخليا لأول مرة في حياتي ، فقد شعرت بنفسي كما لو كنت سجينا ، لقد كنت في السابعة عشرة من عمري وكنت أبكي كطفل صغير .
ل : أكانت لديك نماذج ؟ ..
ج د : لقد كنت أقدر سارتر وأحلم بسذاجة بأنني على صورته ؛ أي فيلسوفا يكتب الروايات ، وكنت قد تأثرت في السابق بأندريه جيد الذي قرأته بجنون من كتابه " Paludes " إلى كتابه " اللاأخلاقي " ، وهو بالنسبة لي لم يكن رومانسيا وإنما كان رجل أخلاق ، لقد كان يقول لنا كيف يجب أن نحيا ونعيش ، والفلسفة في العمق كانت دوما تلك طبيعتها من وجهة نظري : أي البحث عن أخلاق وعن نمط للعيش والحياة.
ل : ألديك إحساس بأن الفلسفة تقدمت بالفعل منذ أفلاطون وأرسطو إلى أيامنا هاته ؟ ..
ج د : أصل الفلسفة والتفلسف هما أفلاطون وأرسطو ، وبعدهما لم يحدث سوى أن الفلسفة عرفت تحولات مع كانط أو هيجل ، لكن لا يمكننا الجزم بأنها تراجعت وتقهقرت ، لا بد من الحديث عن التراكم والتركيز والإنجاز . وحتى إذا كان ديكارت قد حاول محو أرسطو ، فنحن نعلم أنه لم ينطلق من الصفر ، إذ يمكن الذهاب إلى أن ديكارت هو وريث أرسطو .
ل : في كتابه " Apories إحراجات " أوضحت أن الفلسفة مجموعة من الإحراجات ، وأن أفضل وسيلة لممارستها تتمثل في مقاومة التناقضات . . .
ج د : لا . . لا يتعلق الأمر بالمقاومة ، بل بالتحمل والجلد ؛ فالإحراجات لا يمكننا مقاومتها لأنها على درجة كبيرة من القوة .
ل : إذن فأنت تتألم كثيرا وتعاني ؟ ..
ج د : (ضحك) أقضي الوقت في المعاناة. إنني لست مازوخيا ، لكنني أجدني دائما محاصرا بإيعازات متنافرة ، فمثلا فيما يتعلق بالحوار الذي نجريه الآن ، أقول لنفسي من جهة إن من واجبي أن أتواصل مع الآخرين ، كما أعتقد من جهة أخرى أنه لا يمكن معالجة موضوعات هي بهذه الدرجة من الأهمية من خلال بضع كلمات : فهذا عمل لا مسؤول . لا بد من محاولة إيجاد التوافق الأقل عرضة للاتهام ، إذن فأنا أتفاوض مع نفسي.
ل : ما الذي يمكن أن تكون عليه مكانة الفلسفة اليوم في المدينة؟ ..
ج د : لقد حاول أفلاطون أن يفرض القانون الفلسفي على ديكتاتور سيراكوس الصغير فعرفت محاولته إخفاقا يدعو للرثاء. إن كل فيلسوف يحلم ومنذ القديم وبدرجات متفاوتة أن يكون مستشارا للأمير فيالظل ، ويجب تصفية الحساب مع هذه المحاولة. لكنني بالمقابل أؤمن كثيرا بالتحالف في ما بين الشأنين السياسي والفلسفي ؛ فبخصوص القضايا الأوربية أو التغيرات التي يعرفها القانون الدولي على سبيل المثال ، يلجأ السياسيون في الغالب إلى الفلاسفة ، ومعهم الحق في ذلك ؛ فالشأن السياسي هو شأن فلسفي في العمق ، كما هو حال الشأن القانوني أيضا ، والتفكيك يساعدنا على التفكير بشكل أفضل في هذه الأمور.
ل : إنك الفيلسوف الذي ابتكر فكرة التفكيك ، أليس ذلك هو سر نجاحك ؟ ..
ج د : إنني أجد في كل مكان أذهب إليه ، في الشرق الأوسط والصين ، في اليابان والولايات المتحدة أن مفهوم التفكيك يلاقي رواجا وإقبالا كبيرين ؛ فنحن بحاجة إليه دون شك كي نفهم عالمنا الذي نعيش فيه بشكل أفضل.
ل : كيف تعرف مفهوم التفكيك ؟ ..
ج د : يتعلق الأمر أولا بتحليل شيء ما تم بناؤه وتشييده ، ومن ثم فهو غير طبيعي ، ثقافة ما أو مؤسسة ما أو نص أدبي أو نظام لتأويل القيم ، وباختصار ببناء Constructum ، والتفكيك ليس هو التدمير ، إذ هو ليس مسعى سلبيا ، وإنما هو تحليل جينيالوجي لبنية ما مبنية ونريد تفكيكها
ل : إن الإنسانية لم تنتظر مجيء دريدا لكي تمارس عملية التفكيك وتتعلمه . . .
ج د : بالفعل ، فقد مارسته على الدوام دون أن تعرف أو تفطن ذلك؛ فمكا إن يقع حدث ما مثلا حتى نجد أن التفكيك يغشى المكان ، إن الحدث ليس قابلا للبرمجة لأنه يأخذنا على حين غرة ، إنه يصيبنا بالاضطراب ، والحدث هو التفكيــك .
ل : ألا يمكننا القول إن التفكيك هو الصيغة الحديثة للفكر النقدي؟ ..
ج د : نعم، بكل تأكيد ، مع إضافة أن التفكيك يتصدى أيضا لفكرة النقد ذاتها ، أنا لست ضد النقد ، بل أعتقد أنه يجب الدفع به إلى أقصى حد ممكن ، لكن هناك دائما لحظة يحدث أن أسائل نفسي فيها عن من أين جاء ، وباختصار ، فإن التفكيك لا يمكن إرجاعه إلى النقد ، فهو ليس سلبيا ، إنه فكرة نعم مؤكدة في التقليد الكبير ، أي التقليد النيتشوي.
ل : ما هو الإجراء الذي نقوم به عندما نقرر ممارسة عملية تفكيك شيء ما ؟ ..
ج د : يجب التوجه في البداية نحو الآخر ، والاعتراف به وفهمه إذا كان الأمر يتعلق بنص ، وأنا عندما أفكك أتساءل دائما عما يشكل فرادة وكلية النص ، عن الشخص أو عن الأمة التي أدرسها ، هذا هو ما يجعل من التفكيك قبل كل شيء إشارة أو علامة على الاحترام والمحبة.
ل : ألا يكون للشخص دائما ، عندما يكون فيلسوفا من فلاسفة التفكيك ، نزوع إلى تقطيع الشعرة إلى أربعة قطع ؟ ..
ج د : أنا لا أفهم لماذا يؤاخذونني بكوني أعقد الأمور ، كما لو أن الأشياء بسيطة ؟ وأنا أعتقد أنني أكون قد بسطتها غاية التبسيط قبلا عندما يتعلق الأمر بآخر ، بك أنت ، بي أنا ، بثقافة ، بلغة أو مؤسسة.
ü ل : وهذا ما يجعلك لا تحب الكلام أمام العموم ..
ج د : نعم ، وقبلا عندما أكتب أكون خائفا من التبسيط ، لكنني عندما أتكلم ، فالأمر يكون أسوأ من ذلك .
ل: هل تقرأ النصوص دائما عندما تقدم محاضرات؟ ..
ج د : نعم ، دائما ، حتى عندما أدرس أيضا
ل : أتعتقد أنه ليس بالإمكان تبليغ الأفكار إلا عن طريق الكتابة ؟ ..
ج د : إنني لا أستطيع أن أفكر دون أن أكتب ، حتى إذا كان يحدث لي غالبا أن أفكر وأنا أتمشى أو أقود سيارتي ، وأنا أكون مرغما على الكتابة إذا كنت أريد أن أنظم خطابي.
ل : هل أنت من الذين يعتقدون أن المكتوب مهدد اليوم ؟ ..
ج د : نعم ؛ فالكتاب مهدد بأشكال أخرى من القراءة ، وأنا لدي تعلق لبيدي وحسي بالكتاب ، إنه يضمن الدقة وكذا عمليتا الذهاب والإياب ، لكنني لا أعترض على ضرورة تطوير أدوات إعلامية أو دعامات أخرى ، كالحاسوب والويب والبريد الإلكتروني التي من فضائلها توسيع حقل الاتصال والتواصل.
ل : إنك تهتم منذ مدة طويلة بما تسميه تكنولوجيا الاتصال عن بعد« Télétechnologie » .
ج د : نعم ، غير أن بنية " الاتصال " قديمة قدم الإنسان ؛ إن الكتابة هي ذاتها "اتصال" ما دام هدفها ، كما يشير إلى ذلك روسو ، هو الاتصال عن بعد ، وما يحدث اليوم ، مع وساعة الاتصال هو أنه يمكننا أن نتواصل في أي مكان وفي اللحظة ذاتها.
ل : هل تقلقك العولمة المتسارعة لمجتمعاتنا ؟ ..
ج د : إن ما يقلقني هو إضفاء التجانس والنمطية على الثقافات وأشكال الهيمنة التي تتستر خلفه ، غير أنني أهنئ نفسي على أن مجتمعات جد منغلقة بدأت اليوم تنفتح وتتحرر بفضل العولمة ، و لا يمكن للمرء أن يكون ضد ذلك.
ل : من بين الظواهر التي تتعولم اليوم هناك ظاهرة التوبة ، فكيف تفسر الظاهرة وأنت من درسها لمدة طويلة ؟ ..
ج د : أولا بظهور مفهوم قانوني جديد على المسرح العالمي هو مفهوم الجريمة ضد الإنسانية ، ثم بفعل ما يمكن تسميته بحق تمسيح العالم (من المسيحية).
ل : إن الجميع يقول بأنهم يتخلصون من المسيحية !..
ج د : بالعكس ؛ حتى إذا كانت المسيحية في تراجع من جهة الدعوات الربانية وزيارة المعابد ، فإن وجهة نظرها هي في طريقها لتفرض ذاتها في كل مكان ، حتى بالبلدان التي لم يكن فيها أبدا أي تأثير يذكر للمسيحية . إن هذا الخطاب الأوربي حول الحق ، والذي أصبح مهيمنا وسائدا ، هو حامل لثقافة إبراهيمية ـ يهودية وإسلامية ، ولكنها مسيحية على الأخص ، وذلك لأن الصفح والتسامح هو أولا وقبل كل شيء مفهوم مسيحي . عندما يطلب وزير ياباني الصفح ، فهو يتحدث المسيحية ، والديبلوماسية والجغرافيا السياسية والشأن الإنساني أو القانون الدولي هي اليوم ، وبشكل واضح وجلي ، ذات استلهام مسيحي.
ل : إنك تقول هذا في الوقت الذي أضحت فيه الكنيسة هدفا بدل أن تكون مرجعا ! ..
ج د : الكل يعرف منذ زمن لوثر أن النزعة المعادية للمسيحية قابلة للتشبيه بالمسيحية ، لقد كان لوثر يدعي أنه يشتغل على التدمير ، وهي الفكرة التي تلقفها بعده هايدغر ، لكن الأمر كان يتعلق فعلا بالتفكيك وليس بالتدمير.
ل : كيف تفسر أننا نجد في زمن التوبة الكاملة بلدا مسيحيا، مثل الولايات المتحدة، يقوم بشكل كثيف وبضمير مرتاح، بإعدام المحكومين لديه بالإعدام؟ ..
ج د : إن الكنيسة لم تقم في يوم من الأيام بإدانة الحكم بالإعدام ، أما في فرنسا فقد تم ذلك سنة 1978 من خلال إعلان أصدره بعض رجال الدين ، لكن الفاتيكان امتنعت بالكامل عن القيام بذلك ، ولو نظرنا إلى المسألة تاريخيا ، لوجدنا أن الكنيسة كانت على الدوام مؤيدة للحكم بالإعدام.
ل : أين تموقع نفسك في إطار الجدل الفلسفي الكبير والمتعاظم الدائر حول حقوق الحيوانات ؟ ..
ج د : إن العلاقة بين الإنسان والحيوان هي أيضا في طريقها للتغير ، غير أنني لا أعتقد أن ذلك سيتحقق عبر القانون والحقوق ؛ فمن يتكلم عن الحقوق يتكلم عن الواجبات ، و لا أتصور حيوانات تحترم واجباتها . . .
ل : وأنت ، هل أنت عاشب أم لاحم ؟ ..
ج د : ليس بالمعنى الدقيق ، فحتى عندما يكون لديك نزوع لأكل أقل ما يمكن من اللحم ، فأنت تأكله على الأقل رمزيا . . .
ل : ماذا تعني ؟ ..
ج د : إن علاقتنا بالآخر هي دائما علاقة آكل لحوم البشر بفريسته ، والرغبة هي عملية أكل للحم البشري ، والكلام أيضا ، لكنه يبدو لي أن ما نفعله بالدجاج والخراف والخنازير في المزارع وفي المجازر هو بشع تماما ، وسأحاول أن أدرس في الشهور المقبلة الأسس السياسية للعنف اتجاه الحيوانات. لقد كانت الحيوانات في العصر الوسيط تحاكم ويتم إعدام الخنازير في الساحات العمومية وتصدر الأحكام على الذباب بالنفي، أما اليوم فيتم قتل الحيوان دون محاكمته. لقد قال ثيودور أدورنو إن الطريقة التي يتحدث بها الفلاسفة عن الحيوانات هي جوهر الفاشية ذاته ، وهو يرى أن الشتائم الموجهة للحيوانات هيمن نفس طبيعة الشتائم التي نكيلها للماديين واليهود أو النساء.
ل : لقد كتبت في مكان ما قائلا إننا لا نستطيع أن نتفلسف دون تحليل نفسي ، لكن هل يمكننا أن نتفلسف بدون أديان ؟ ..
ج د : لا بطبيعة الحال ، أنا لست متدينا و لا أمارس شعائر أي دين ، لكنني أنظر إلى ظواهر الإيمان بجدية فائقة.
ل : هل أنت مؤمن بالله ؟ .. بشكل دائم أم أحيانا . . .؟
ج د : أنا بداخلي ربما هنالك طفل لا زال يؤمن بالله ، لكن هذه ليست حال الفيلسوف البالغ.
ل : ألم يحدث لك أن صليت ؟ ..
بلى ، إنني أصلي طيلة الوقت ، لكن بطريقتي الخاصة ، وفي كل الأحوال غالبا ما أصلي ، لكنني، وبطبيعة الحال ، لن أصلي في الكنائس و لا في معابد اليهود .
ل : هل يتعلق الأمر بصلوات أم بتراتيل ؟ ..
ج د : لنقل إن الأمر يتعلق بتراتيل لا تماثل الطقوس والشعائر القائمة.
ل : طقوس تتوجه نحو كائن أعلى وأكبر من كل الموجودات ؟ ..
ج د : لا ، هي طقوس تروم كائنا تتوجه نحوه ، إن المسألة ليست مسألة حشمة أو حياء ، غير أنه يصعب علي أن أقول أكثر مما قلت.
ل : هل تشعر بأنك يهودي ؟ ..
ج د : هنا أيضا يصعب علي أن أجيب عن سؤال كهذا ببضع كلمات ، لقد ولدت يهوديا في كنف أسرة تحترم الشعائر والطقوس ، بما فيها طقس الختان، لكن بدون ثقافة يهودية عميقة ، وبالفعل ، فأنا أشعر بأنني يهودي ولست يهوديا على الإطلاق ، حتى إذا كان بالإمكان اعتباري يهوديا قحا بفعل محبتي للأسفار التي ليست لها أية علاقة بيهوديتي ؛ فأنا أكن الحب لجذوري : الجزائر أو اللغة الفرنسية ، وأنا مزدوج اللغة وجد فرانكفوني.
ل : ما هي الأشياء التي تحترمها اليوم ؟ ..
ج د : أحب أن أحترم ؛ فكل الأشخاص الذين أتحدث عنهم في كتاباتي ، حتى عندما يتعلق الأمر بنصوص متقطعة ، هم أشخاص يجب أن أعترف بأنني أحترمهم.
ل : بعض الأسماء . . .
ج د : هيلين سيسكو مثلا ، فهي كاتبة كبيرة ، غير أنني وددت أن أحترم أيضا بعض الشخصيات السياسية ، لكنني وجدت ذلك صعبا علي .
ل : هناك بطبيعة الحال بعض الاستثناءات . . .
ج د : نعم بطبيعة الحال ، مانديلا ، دوغول خصوصا ، حتى عندما كنت مناهضا للدوغولية في الستينيات ، فقد كنت مأخوذا بشخصية دوغول الذي عرف كيف يزاوج بين كل الأشياء ، المنظور والحساب ، المثالية والتجريبية ، لقد استطاع بفعل حذقه ، ككل السياسيين الماهرين ، أن يربطها كلها بأفكاره العظيمة واكتشافاته اللفظية وإنجازاته المسرحية في ندواته الصحفية.
ل : وميتيران ؟ ..
لقد التقيته عدة مرات وقد أثار إعجابي ، حتى ولو أن لديه وجهات نظر ضيقة نسبيا بخصوص الأدب أو الفلسفة ، فقد كان رجلا مغرما بالكتب ، وقد كنت أود أن أحترمه.
ل : ألا زلت تضع مسافة بينك وبين السياسة ؟ ..
ج د : لم يكن بمستطاعي أبدا أن أمارس هذه المهنة ؛ ففي كل مرة اقتربت فيها من الوزراء ، فابيوس ، شوفينمان أو لانج في الثمانينيات مثلا ، استطعت أن ألاحظ أن لا أحد من الناس يعاني من قلة الحرية مثلما يعاني هؤلاء ؛ إنهم "عبيد" تطوقهم آلة ضخمة ،
ويرتعدون من
الخوف أمام أسيادهم غير المرئيين.