‏إظهار الرسائل ذات التسميات نصوص إ. راموني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نصوص إ. راموني. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 دجنبر 2007

السوق في مواجهة الدولة

السوق في مواجهة الدولة
بقلم : إغناسيو راموني
طريقة في النظرـ عدد 91 يناير ـ فبراير 2007


ما هي العولمة ؟ .. إنها المواجهة الكبرى والمركزية في عصرنا ؛ مواجهة السوق للدولة ، ومواجهة القطاع الخاص للخدمات العمومية ، والفرد للجماعة ، والأنانية لصيغ التضامن.
إن السوق تحاول بكل الوسائل توسيع مجال تدخلها على حساب الدولة ؛ وهذا هو السر في أن عمليات الخوصصة تتضاعف في كل مكان تقريبا ، إنها ليست بالفعل إلا عمليات تحويل لأجزاء من الملك العمومي ( مقاولات ـ خدمات ) من القطاع العام إلى القطاع الخاص ، وما كان مجانيا ( أو رخيص الكلفة ) وفي متناول كل المواطنين بدون استثناء أو تمييز ، أضحى حاليا مؤدى عنه وغالي الثمن. وقد طال هذا التراجع الاجتماعي الكبير الشرائح الأكثر تواضعا في المجتمع على الخصوص ، وذلك لأن الخدمات العمومية هي ملك عمومي لأولئك الذين ليست لهم أية أملاك.
العولمة أيضا هي تداخل وتعالق واعتماد متبادل يزداد مثانة في ما بين اقتصادات العديد من الدول عن طريق آليات التبادل التجاري ، وعمليات التصدير والاستيراد تتضاعف وتتزايد كثافتها بشكل منتظم ودائم. غير أن عولمة المبادلات تتعلق على الخصوص بالقطاع المالي ؛ وذلك لأن حرية تنقل الأموال هي كلية ، وهذا ما يجعل هذا القطاع مهيمنا بشكل كبير على العالم الاقتصادي.
إن الأشخاص الذين يتحكمون في نواصي الثروات يجدون أنفسهم في معرض رغبتهم في تنمية رؤوس أموالهم أمام إحدى البديلين التاليين : إما توظيف أموالهم بالبورصة ( في أية بورصة في العالم ، ما دامت الرساميل تتحرك في مجموع العالم بدون حواجز أو عراقيل) ، وإما توظيفها في مشروع صناعي ( إنشاء معمل لصناعة منتجات الاستهلاك ) . في الحالة الثانية تتراوح المردودية المتوسطة ما بين 6% و 8 % بأوربا ، وبالمقابل ، أي في الحالة الأولى ( حالة البورصة ) ، فإن المردودية يمكن أن تلامس مستويات أعلى ( في فرنسا سنة 2006 حققت أسواق البورصة ارتفاعا بـ17,5 % ، وبألمانيا بـ 22 % وبإسبانيا بـ 33,6 % ) .
أمام هذه الفوارق الشاسعة ، لم يعد أصحاب رؤوس الأموال منذ الآن يقبلون استثمار أموالهم في الصناعة ( وهو مجال خلق فرص الشغل ) إلا بشرط واحد وهو أن يضمن هذا الاستثمار مردودية تقارب 15% سنويا .
بيد أننا رأينا أن المردودية المتوسطة لهذا النوع من الاستثمار بأوربا تتراوح ما بين 6 و 8 % . فما العمل إذن ؟ .. إنه بكل بساطة الاستثمار في الصين أو التايلاند على سبيل المثال ، وهي الدول التي يمكن ، بالنظر لرخص كلفة اليد العاملة بها ، أن تضمن مردودا يمكن أن يقارب أو يتجاوز 15 % ، وهذا هو السر في كون عديد من الاستثمارات تتم اليوم بالصين على الخصوص .
وما دام أن غاية هذا التصرف تتمثل في إنتاج مواد بكلفة رخيصة بالبلدان الفقيرة من أجل بيعها بأسعار مرتفعة في الدول الغنية ، فإنه يؤدي إلى شلال من المنتجات المستوردة من البلدان / المصانع كي تباع على سبيل المثال بأوربا. وهنا ، فإنها تنافس بشكل غير شريف البضائع المنتجة بالقارة العجوز ذات اليد العاملة الغالية الكلفة ، وذلك لأن حقوق العمال الاجتماعية بها ـ لحسن الحظ ـ هي ذات أهمية كبيرة.النتيجة هي أن المقاولات الأوربية تفلس ، وتضطر العديد من المصانع لوضع المفتاح تحت الباب وتسريح مأجوريها.
ومن ثمة فإن بعض الباطرونات يضطرون ، ضمانا للبقاء ، إلى اختيار " تهجير " أعمالهم ، أي تحويل مراكزهم الإنتاجية نحو بلدان تتواجد بها يد عاملة رخيصة ، وهو ما يترجم أيضا هنا بإغلاق المصانع وتفشي البطالة .
إن العولمة تتصرف هكذا كآلية للفرز الدائم تحت تأثير التنافسية المعممة ، فهناك تنافس في ما بين الرأسمال والشغل ، وبالنظر إلى أن الرساميل تتحرك بحرية مطلقة ، في حين أن الأشخاص هم أقل حركية من ذلك بكثير ، فالنتيجة هي أن الرساميل هي التي تنتصر وتفوز في نهاية المطاف.
وكما كانت كبريات الأبناك تملي في القرن 19 على العديد من الدول توجهاتها ، أو كما كانت المقاولات المتعددة الجنسيات تفعل ذلك أيضا في ما بين الستينيات والثمانينيات ، فإن الصناديق الخاصة لدى الأسواق المالية تمسك منذ الآن بمصائر العديد من البلدان ، وبمعنى ما أو في مستوى ما ، بالمصير الاقتصادي للعالم .
إن الأسواق المالية هي في مستوى إملاء قوانينها على الدول ، وفي هذا المشهد السياسي ـ الاقتصادي الجديد ، فإن الشمولي ينتصر على الوطني ، والمقاولة الخاصة على الدولة . إنه لم تعد هنالك تقريبا أية عملية إعادة توزيع ، والفاعل الوحيد في التنمية ـ كما يقال لنا ـ هو المقاولة الخاصة ، التي يعترف لها وحدها بأنها تنافسية على المستوى الدولي ، وإذن ، فهي الوحيدة ـ كما يتم تأكيد ذلك لنا ـ التي يجب أن يعاد انتظام الكل حولها.
في الاقتصاد المعولم ، لا يشكل الرأسمال و لا الشغل و لا المواد الأولية في ذاتها العامل الاقتصادي المحدد والحاسم ، إذ المهم هو العلاقة الإيجابية بين هذه العوامل الثلاثة . ولإيجاد هذه العلاقة ، لا تأخذ المقاولة في حسبانها لا الحدود و لا التقنينات ، وإنما فقط الاستغلال الأكثر ربحية للمعلومة ولتنظيم الشغل وتثوير عملية التدبير. وهذا يؤدي في الغالب إلى تحطم وانكسار صيغ التضامن بداخل البلد الواحد ، ونصل إلى حالة طلاق وشرخ في ما بين مصلحة المقاولة ومصلحة المجموعة الوطنية ، في ما بين منطق السوق ومنطق الديمقراطية .
الشركات الشمولية لا تشعر أبدا بأنها معنية بهذا الشرخ ، فهي تنتج وتبيع منتجاتها في العالم بأجمعه ، وتتحدث عن خاصيتها الفوق وطنية التي تمكنها من التصرف بحرية أكبر ، ما دام ليس هناك مؤسسات دولية ذات صبغة سياسية ، اقتصادية أو قانونية ، من شأنها أن تقنن سلوكها بصورة تتسم بالفعالية.
إن العولمة تشكل إذن قطيعة اقتصادية وسياسية وثقافية هائلة ، إنها تخضع المواطنين لأمر واحد ووحيد يقول : " عليكم بالتكيف " واقتلاع كل إرادة فيكم من أجل الخضوع بشكل أفضل للتعليمات المجهولة لدى الأسواق . إنها تشكل المآل الأخير للنزعة الاقتصادية : أي بناء إنسان " عالمي " مفرغ من الثقافة ومن الإحساس والوعي بالآخر ، وفرض الإيديولوجيا النيوليبرالية على العالمين.

عصر جديد من الغزو

عصر جديد من الغزو

بقلم : إغناسيو راموني
طريقة في النظر [ Manière de voir ]

ما هي الحالة الراهنة للعالم ؟ ..إن الظاهرة المركزية فيه هي أنه تم إقحام جميع الدول في ديناميكية العولمة ، ويتعلق الأمر هنا بثورة رأسمالية ثانية ، والعولمة تطال أبعد مكان قصي في الكرة الأرضية متجاهلة بذلك أيضا استقلال الشعوب وتنوع الأنظمة السياسية.وبذلك تعرف الأرض عصر غزو جديد كما كان الحال إبان الاكتشافات الجغرافية أو الحملات الاستعمارية، غير أنه إذا كان الفاعلون الأساسيون في حالات الغزو التوسعي عبارة عن دول ، فإنهم في هذه المرة عبارة عن مقاولات وشركات عملاقة ومجموعات صناعية ومالية خاصة تنوي فرض سيطرتها على العالمين. والملاحظ أنه لم يسبق أبدا أن كان أسياد الأرض بهذه القلة من حيث العدد و لا بهذه القوة . وهذه المجموعات تتموقع بداخل الثلاثي : الولايات المتحدة ـ أوربا واليابان، لكن نصفها يحط رحاله بالولايات المتحدة الأمريكية ، ومن ثمة فهي ظاهرة أمريكية بامتياز.
لقد تسارع تمركز رأس المال والسلطة هذا بشكل عجيب خلال العشرين سنة الأخيرة تحت تأثير ثورة تكنولوجيات الإعلام، وسيتم تحقيق خطوة إلى الأمام انطلاقا من بداية هذه الألفية من خلال أشكال التحكم الجديدة في التقنيات الجينية لتلعيب الحياة والتحكم فيها، وخوصصة الجينوم الإنساني وتعميم إضفاء براءات الاختراع على الكائن الحي تفتح آفاقا جديدة لتوسع الرأسمالية. إن خوصصة كبرى لكل ما يتعلق بالحياة الطبيعية يتم إعدادها مشجعة بذلك فرص ظهور سلطة ربما أكثر إطلاقية من كل ما خبرناه عبر التاريخ بأكمله.
إن العولمة لا تستهدف غزو البلدان أكثر مما تستهدف غزو الأسواق ، والهم الأساسي لهذه السلطة الحديثة ليس هو غزو الأراضي كما كان الشأن إبان الحملات الكبرى أو الفترات الاستعمارية ، وإنما هو وضع اليد على الثروات.
ويصاحب هذا الغزو بأشكال من التدمير هائلة ؛ فصناعات بأكملها تلحقها النكبة بوحشية في كل الجهات والمناطق ، مع كل الآلام الاجتماعية الناجمة عنها : بطالة جماهيرية ، تشغيل متدن ، هشاشة ، إقصاء ، 50 مليونا من الفقراء بأوربا ، ومليار من العاطلين والموسميين بالعالم . . . استغلال متفاحش للرجال والنساء ـ وبشكل فضائحي ـ للأطفال : 300 مليون طفل يتم استغلالهم في ظروف عنف غير مسبوق.
إن العولمة أيضا هي نهب البسيطة؛ فكبريات المجموعات تدمر البيئة بوسائل متجاوزة للحدود ، وهي تستخلص الأرباح من ثروات الطبيعة التي هي ملك مشترك للإنسانية ، وهي تفعل ذلك بدون رادع و لا فرامل ، ويصاحب ذلك أيضا بجرائم مالية مرتبطة بأوساط الأعمال وكبريات الأبناك التي تدر مبالغ تتجاوز 1000 مليار دولار سنويا ، أي أكثر من الناتج الوطني الخام لثلث الإنسانية.
إن التبضيع المعمم للكلمات والأشياء ، للأجساد والأرواح ، للطبيعة والثقافة ، يحدث تعميقا للفوارق؛ فنحن نعرف أن الهوة التي تفصل الأغنياء عن الفقراء تم حفرها خلال عشريتي اللبرالية الفائقة ( 1979 ـ 1999 ) ، لكن كيف يمكن تصور هوة سحيقة كهاته ؟ .. عندما نعلم أن 3 أشخاص من الأكثر غنى في العالم يمتلكون ثروة تفوق حصيلة النتاجات الداخلية الخام PIB (1) في 48 بلدا من البلدان الأكثر فقرا، أي ربع مجوع الدول في العالم. . .
إننا تكتشف أيضا أنه إذا كان " لدى 20% من سكان العالم الذين يعيشون في البلدان الأكثر غنى سنة 1960 عائد أكبر ب 30 ضعفا من عائد 20% من السكان الأكثر فقرا ، وأن هذا العائد كان سنة 1995 أكبر ب 82 ضعفا (2) " ، فإن العائد حسب كل ساكن في أكثر من 70 بلدا هو أقل مما كان عليه قبل 20 سنة .. . وأن قرابة 3 مليار شخص على مستوى البسيطة ـ أي نصف البشرية ـ يعيشون بأقل من 10 فرنكات يوميا.
لقد بلغ تعاظم الخيرات مستويات غير مسبوقة ، لمن عدد أولئك الذين لا سقف لهم و لا شغل و لا ما يكفي من الطعام يتعاظم دون توقف. وهكذا ، فمن بين 4,5 مليار نسمة التي تضمها البلدان المتخلفة، نجد أن ثلثهم يفتقد الماءالشروب وخمس الأطفال لا يلتهمون ما يكفي من الحراريات والبروتينات ، وملياران من الأفراد ـ ثلث البشرية ـ يعانون من مرض فقر الدم.
فهل هذه الوضعية قضاء وقدر ؟ .. لا ؛ لأنه يكفي ـ حسب الأمم المتحدة ـ اقتطاع أقل من 4% من الثروات المراكمة لدى أصحاب أكبر وأضخم ثروات العالم المقدرة ب 225 ثروة ، حتى يتم إشباع حاجات كل سكان الأرض من الغذاء والماء الشروب والتعليم والصحة. إن التوصل إلى الإرضاء الكوني للحاجات الصحية والغذائية الأساسية لن يكلف سوى 13 مليارا من الدولارات ، أي بالكاد ما يصرفه سكان الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي سنويا في مجال استهلاك العطور . . .
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي احتفلنا في ديسمبر 1998 بذكراه الخمسينية يؤكد ما يلي : " لكل شخص الحق في عيش كريم يضمن صحته ورفاهيته وكذا صحة ورفاهية عائلته ، وخاصة التغذية واللباس والسكن والعلاجات الطبية، وأيضا الخدمات الاجتماعية الضرورية"، إلا أن هذه الحقوق أضحت حقوقا يعسر تحقيقها والوصول إليها في أعين الجزء الأعظم من البشرية.
لنتناول على سبيل المثال مثال التغذية، إن الغذاء غير مفتقد ؛ فلم يسبق للمواد الغذائية أبدا أن كانت بهذه الوفرة ، وهي من شانها أن تمكن كل فرد من 6 مليار نسمة على وجه البسيطة من أن يضمن على الأقل 2700 سعرة حرارية يوميا ، إلا أنه لا يكفي إنتاج المواد الغذائية ، إذ يجب أن تتمكن الجماعات الإنسانية التي هي في حاجة إليها من شرائها واستهلاكها ، وهو ما هو غير متحقق بالفعل، لأن 300 مليونا من الأفراد يموتون سنويا بسبب الجوع ، وأكثر من 7800 مليونا يعانون من سوء التغذية المزمن.
وهنا أيضا ليس هناك ما لا يمكن تفاديه . إن الإفلاسات المناخية هي في الغالب حالات متوقعة ، وعندما يكون بإمكان منظمات إنسانية أن تتدخل ، فإن منظمات مثل [ حركة مناهضة الجوع ] يمكنها أن تقضي على مجاعة ناشئة خلال بضعة أسابيع. ومع ذلك ، فغن المجاعة تستمر في القضاء على ساكنات بأكملها.
لماذا ؟ .. لأن الجوع تحول إلى سلاح سياسي كما كتب سيلفي برونيل يقول : " لم تعد الشعوب العدوة ، والشعوب التي هي برسم الغزو هي الشعوب الجائعة ، وإنما هم السكان الذين ينتمي إليهم أولئك الذين يريدون ـ لمصلحتهم الخاصة ـ أن يتحايلوا على هذه الصراعات الجديدة ، التي هي كشافات ضوئية إعلامية مع لوازمها وانطلاق للرأفة العالمية من عقالها، كما أنها منبع لا ينضب للمال والغذاء ومنصات عمومية لعرض مطالبهم ". (3)
إن مسؤولين حكوميين أو زعماء حرب بالصومال ، بالسودان ، بليبريا ، بسيراليون، بكوريا الشمالية أو ببيرمانيا يأسرون الأبرياء ويجوعونهم بغرض تحقيق مراميهم السياسية ، وأخيرا ، فقد أصبح دور المناخ في الجماعات الكبرى دورا هامشيا ، إذ أن الإنسان منذ اليوم هو الذي غدا يجوع الإنسان وليس المناخ.
إن البروفيسور أمارتيا سن ، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1998 ، والمعروف بأعماله التي يبين فيها كيف يمكن لسياسات بعض الحكومات أن تتسبب في المجاعة حتى عندما تكون المنتجات الغذائية متوفرة ، يؤكد ما يلي : " إن إحدى الوقائع الكبرى في تاريخ المجاعة المرعب تتمثل في أنه لم تحدث أبدا أية مجاعة خطيرة في أي بلد يتوفر على صيغة ديمقراطية للحكم وصحافة حرة نسبيا " (4) . وفي سياق معارضته للأطروحات الليبرالية الجديدة ، يعتبر السيد سن أنه يجب أن تسند للدولة وليس للسوق مسؤولية كبرى في مجال النهوض بالعيش الكريم وتوفيره لجميع أفراد المجتمع. ومع ذلك ، وفي لحظتنا الراهنة ، فإن البنيات الدولتية ، كما هو الحال بالنسبة للبنيات الاجتماعية التقليدية ، هي بنيات تم هزمها والتشطيب عليها بصورة مفجعة؛ فالدول تنهار في كل مكان تقريبا ببلدان الجنوب ، ومناطق السيبة والكيانات السديمية غير المحكومة تتطور مفلتة بذلك من أية مشروعية ومعاودة الإغراق في حالة الهمجية التي لا يستطيع أن يفرض القانون في إكارها إلا جماعات النهابين عبر فرض الإتاوات على السكان المدنيين، كما أن مخاطر من نوع جديد بدأت تظهر : الجريمة المنظمة ـ الشبكات المافيوزية ـ المضاربة المالية ـ الفساد الأكبر ـ انتشار أوبئة جديدة ( السيدا ـ إيبولا ـ كروزفيلد جاكوب . . الخ ) ـ أنواع حادة من التلوث وأشكال من التعصب الديني والعرقي ـ ظاهرة الاحتباس الحراري ـ التصحر وانتشار الأسلحة النووية . . . الخ.
وفي الوقت الذي يبدو فيه أن الحرية والديمقراطية قد انتصرا في عالم تخلص إلى حد كبير من الأنظمة السلطوية ، فإن أشكالا من الحظر والتلعيب بصيغ متعددة ومتنوعة تعود لتطفو على السطح من جديد بقوة ؛ أشكال جديدة ومغرية من " أفيون الجماهير " تقترح ضربا من " أفضل العوالم " التي تروح عن المواطنين وتحاول أن تصدهم عن النشاط الحقوقي والمطلبي. في عصر الاستلاب الجديد هذا ، وفي لحظة الثقافة العالمية و " الثقافة الشمولية " والرسائل الكونية ، تلعب تكنولوجيات الاتصال أكثر من أي وقت مضى دورا إيديولوجيا مركزيا من أجل تمليس الفكر وتسطيحه ، وكل هذه التغيرات السريعة والعنيفة تصيب الحكام السياسيين بالدوخة والاضطراب ؛ فهم في غالبيتهم يشعرون بأنهم فوجئوا بعولمة تغير قواعد اللعب وتجعلهم عاجزين جزئيا ، وذلك لأن أسياد العالم الحقيقيين ليسوا هم أولئك الذين يتحكمون في مظاهر السلطة السياسية وما يظهر منها على السطح.
وهذا هو السبب في أن المواطنين يضاعفون حالات التعبئة ضد السلط الجديدة كما رأينا ذلك في بداية دجنبر 1999 بمناسبة قمة المنظمة العالمية للتجارة OMC بسياتل. إنهم يظلون مقتنعين بأن هدف العولمة في العمق ، في غبش الألفية الجديدة هاته ، هو تدمير ما هو جماعي ، والاستحواذ عن طريق السوق والقطاع الخاص على المجال العمومي والاجتماعي . . . . وقد قرر هؤلاء المواطنون أن يتصدوا لذلك.
هوامش :
(1) قيمة مجمل الإنتاج ( خيرات وخدمات ) في بلد ما .
(2) التقرير العالمي حول التنمية البشرية 1998 ، برنامج الأمم المتحدة من أجل التنمية PNUD ، نيويورك ـ شتنبر 1998 .
(3) إقرأ سيلفي برونيل وجان لوك بؤدان " جغرافية الجوع السياسية ، عندما يتحول الجوع إلى سلاح " [ التقرير السنوي لحركة مناهضة الجوع ] 998 PUF .
(4) إيل باييس ، مدريد ، 16 أكتوبر 1998 .

ديمقراطيات على المقاس

ديمقراطيات على المقاس
بقلم : إغناسيو راموني
لوموند ديبلوماتيك ـ مارس 2006
لقد ظلت الديمقراطية لمدة طويلة من الزمن صيغة ناذرة من صيغ الحكم ، وهي التي تم تقديمها في الغالب باعتبارها أفضا النظم السياسية ؛ وذلك لأن أي نظام لم يستطع أن يجسد بشكل كلي المثال الديمقراطي الذي يفترض سلامة طوية مطلقة من قبل الأقوياء اتجاه الضعفاء ، وكذا إدانة جذرية حقيقية لأي شكل من أشكال الشطط في السلطة ، ولأنه أيضا لا بد من احترام المعايير الخمس التي يلزم توفرها في أي نظام لكي يكون ديمقراطيا ، ألا وهي : الانتخابات الحرة ـ المعارضة الحرة والمنظمة ـ الحق الفعلي في التناوب السياسي ـ النظام القضائي المستقل وتوفر وسائل إعلام حرة . وحتى عندما توفرت هذه الشروط في بعض الدول ، فقد ظلت لمدة طويلة ، كما في فرنسا والمملكة المتحدة ، تتنكر لحق النساء في التصويت ، كما كانت هذه الدول ، فضلا عن ذلك ، قوى استعمارية تنال من حقوق المستعمَرين وتخرقها.
ورغم هذه النواقص ، فقد كان لهذا النهج في الحكم نزوع نحو أن يصير كونيا ، وذلك أولا بفضل التفعيل القوي للديمقراطية من قبل رئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسون ( 1856 ـ 1924 ) ، ثم وبشكل خاص عقب انتهاء الحرب الباردة واختفاء الاتحاد السوفييتي ، حيث تم الإعلان حينها عن " نهاية التاريخ" بدعوى أنه لا شيء يقف في وجه كل دول العالم منذ ذلك الحين كي تحقق في يوم من الأيام هدفي السعادة القصوى المتمثلين في : اقتصاد السوق والديمقراطية التمثيلية ، وهما الهدفان اللذان تحولا إلى عقيدة لا يجوز المساس بها .
باسم هذه العقائد قدر السيد جورج بوش أن من المشروع بالعراق اللجوء إلى القوة والسجون السرية المقامة بالخارج ، أي أن من المشروع السماح لقواته المسلحة بممارسة التعذيب ، أو إخضاع السجناء بغوانتنامو لمعاملات غير إنسانية خارج أي إطار قانوني ، كما تم فضح ذلك مؤخرا عن طريق تقرير أعدته لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ، وكذا تقرير آخر صادر عن برلمان الاتحاد الأوربي.
ورغم هذه التجاوزات الخطيرة ، فإن الولايات المتحدة لا تتردد في التصرف على مستوى البسيطة كوصي ديمقراطي على الآخرين ؛ فقد ألفت واشنطن تسفيه خصومها من خلال نعتهم بشكل كلي بأنهم " غير ديمقراطيين " ، إن لم تصفهم بأنهم " دول مارقة " أو دول صعاليك أو بكونها " منابت للإرهاب " ، والشرط الوحيد للإفلات من هذه الوصمة هو تنظيم " انتخابات حرة ونزيهة " .
غير أن كل شيء في هذه الحالة الأخيرة متوقف على النتائج ، أي على نتائج هذه الانتخابات كما تبرهن على ذلك حالة فنزويلا ، حيث تم منذ سنة 1998 ولمرات عديدة انتخاب السيد هوغو تشافيز في إطار ظروف مضمونة من قبل مراقبين دوليين . لكن ذلك لم ينفع في شيء ؛ إذ استمرت واشنطن في اتهام السيد تشافيز بكونه يشكل " خطرا على الديمقراطية " ، بل ذهبت أبعد من ذلك ، أي إلى حد السعي إلى إحداث انقلاب في أبريل 2002 على الرئيس الفنزويلي الذي سيُخضع نفسه من جديد لحكم صناديق الاقتراع في شهر دجنبر المقبل .. .
وهناك أيضا ثلاثة أمثلة أخرى ـ في إيران وفلسطين وهايتي ـ تبرهن على أنه لم يعد كافيا أن يتم انتخابك بشكل ديمقراطي كي تحظى برضا واشنطن. لقد أجمع كل الملاحظين ، بالنسبة لحالة إيران ، على أن انتخابات يونيه 2005 كانت انتخابات رائعة : مشاركة جماهيرية مكثفة ، تعددية وتنوع للمرشحين ( في إطار النزعة الإسلامية الرسمية ) ، وبالخصوص حملة انتخابية باهرة خاضها السيد على أكبر هاشمي رافسنجاني ، وهو المفضل لدى الغربيين والمنتظر فوزه . لا أحد في تلك اللحظة تحدث عن " الخطر النووي " الذي تشكله إيران ، لكن كل شيء تغير بعنف بمجرد فوز السيد محمود أحمدي نجاد ( وهو من اعتبرت تصريحاته فضلا عن ذلك بخصوص إسرائيل تصريحات مستهجنة وغير مقبولة ) . وها نحن نشهد الآن حملة تشبيه إيران بالشيطان الخطير.
حتى ولو أن طهران هي من الدول الموقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية ، ورغم إعلانها عدم نيتها امتلاك القنبلة النووية ، ألم يقدم وزير خارجية فرنسا على اتهام إيران بأنها تجتهد في تنفيذ " برنامج نووي عسكري سري " ؟ .. ألم تطالب السيدة كوندوليزا رايس ، وزيرة خارجية الولايات المتحدة ، إثر النسيان السريع للانتخابات الإيرانية الأخيرة ، الكونغرس الأمريكي بتخصيص 75 مليون دولار لتمويل برنامج إيران " للنهوض بالديمقراطية " ؟..
نفس الوضعية أو تقريبا كذلك تشهدها فلسطين، حيث ترفض الآن كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي ، بعد اشتراطهما تنظيم انتخابات " ديمقراطية فعلية " مراقبة من قبل حشد من المراقبين الأجانب ، يرفضان معا نتائج هذه الانتخابات بدعوى أن المنتصر فيها ، أي الحركة الإسلامية حماس ( المرتكبة لهجمات فظيعة على المدنيين الإسرائيليين ) لا تعجبهما .
وأخيرا بهايتي كان بإمكاننا أن نرى بمناسبة الانتخابات الرئاسية يوم 7 فبراير الأخير كيف أن كل شيء كان في لحظة أولى قد تم إعداده للحيلولة دون انتصار السيد روني بريفال ـ الذي فاز أخيرا رغم كل شيء ـ ، هذا الذي لا ترغب فيه " المجموعة الدولية " بأي ثمن ، وذلك بسبب علاقاته القديمة بالرئيس السابق جان برتراند أريستيد .
" الديمقراطية ـ كما قال ونستون تشرشل ـ هي أقل الأنظمة الأخرى سوءا " ، وما يزعج اليوم هو عدم القدرة على التحديد القبلي لنتائج استشارة انتخابية ما ، وذلك عندما يحب البعض امتلاك القدرة على إقامة أنظمة ديمقراطية على المقاس ، وبنتائج مضمونة سلفا .

بوليفيا

بوليفيا

بقلم : إغناسيو راموني
لوموند ديبلوماتيك ـ عدد نونبر 2003.

لقد كانت ديمقراطية بكل معنى الكلمة ؛ ألم تكن تحترم الحقين الأساسيين التاليين من حقوق الإنسان : أي حرية الصحافة والحريات السياسية ، ولو أن الحق في الشغل والسكن والصحة والتعليم والتغذية وحقوقا إنسانية أساسية أخرى كان يتم المساس بها ، فإن ذلك لا ينتقص فيما يبدو من " الكمال الديمقراطي " لهذه الدولة.
في بوليفيا التي يصل تعداد سكانها بالكاد إلى 8,5 مليون نسمة ، والتي تمتلك من الثروات الباطنية أغناها على مستوى البسيطة ، تسيطر حفنة من الأغنياء على الثروات والسلطة السياسية منذ قرنين من الزمان ، في حين أن 60% من السكان يعيشون تحت عتبة الفقر ؛ فالهنود الأمريكيون ـ وهو الغالبية العظمى من السكان ـ يعانون من الميز ؛ فوفيات الأطفال لديهم تعرف معدلات مهينة ، والبطالة أضحت لديهم شبيهة بالعدوى ، والأمية جاثمة على العقول ، و 51% من السكان لم تصلهم بعد نعمة الكهرباء . لكن هذا لا يغير من جوهر الأمر شيئا ببوليفيا : فالأمر مع ذلك يتعلق بنظام " ديمقراطي " ، وحتى عندما أطلق الجيش الرصاص بالرشاشات على المتظاهرين في 11 و 12 أكتوبر بأمر من الرئيس غونزالو سانشير دو لوزادا ليردي 60 قتيلا ومئات الجرحى ، فإن السيدة غوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأمريكي وهي تتحدث عن هذه الثورة ، موجهة كلامها لأعضاء شركة الصحافة فيما بين دول أمريكا اللاتينية SIP المجتمعين بشيكاغو ، صرحت بأن واشنطن تحذر المتظاهرين (؟) من " أي محاولة لقلب حكومة ديمقراطية منتخبة عن طريق القوة " . ونحن نتذكر كيف أن واشنطن يوم 11 أبريل ، عندما تمت الإطاحة بشكل مؤقت من قبل العسكريين المساندين من قبل الباطرونا وكبريات وسائل الإعلام بالرئيس هوغو تشافيز المنتخب بدوره بشكل ديمقراطي، كانت متسرعة للاعتراف بالانقلابيين بدعوى كاذية تقول إن السيد تشافيز " أطلق الرصاص على شعبه ".
إن الجزار، كما أصبح البوليفيون يسمونه منذ ذلك الحين ، السيد سانشيز دو لوزادا ، بحث بشكل عادي وطبيعي عن ملجأ له بميامي يوم 17 أكتوبر ، وذلك دون أن تفكر الولايات المتحدة في عرضه على أية محكمة كانت بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
فلماذا يا ترى ستقوم بذلك العمل ؟.. فقد أخضع السيد سانشيز دو لوزادا، وزير التخطيط فيما بين 1986 و 1989 ، والمشار عليه من قبل مستشاره الاقتصادي جيفري ساك ، أخضع بلاده " لعلاج عن طريق الصدمة " كما كانت تتمنى ذلك واشنطن ، مع عواقب هذا العلاج الصادم المتمثلة في تسريح عشرات الآلاف من المأجورين بالقطاع العام . ولقد تحول هذا الرئيس الليبرالي المتطرف إبان فترته الرئاسية الأولى ( 1993 ـ 1997 ) إلى أحد أكبر أغنياء بلده ، وقبل دائما تحت ضغط الولايات المتحدة تطبيق برنامج لاقتلاع زراعة الكوكا ، ذلك البرنامج الذي كان هو المسؤول عن خراب مئات الآلاف من الفلاحين الذين انخرطوا منذ ذلك في ثورة دائمة؛ ما داموا لا يملكون أي مورد آخر للرزق والبقاء. كما قام أيضا بخوصصة كل ممتلكات الدولة من سكك حديدية ومناجم وبترول وكهرباء وتلفون وخطوط جوية وماء لصالح الشركات التي هي في غالبيتها أمريكية.
ولقد كان من نتائج خوصصة توزيع المياه بمدينة كوشا بامبا لصالح المقاولة الأمريكية بيكتيل ( أحد كبار المستفيدين من برنامج الخوصصة الكلية التي تجريها الآن سلطات الاحتلال للعراق ) في أبريل 2000 نشوب حركة عصيان انتهت برحيل الشركة وتراجع الحكومة وإعادة تأميم الثروة المائية.
لقد عرف هذان الصراعان: واقعة فلاحي الكوكا وواقعة مدينة كوشا بامبا بروز قائد شعبي استثنائي هو السيد إيفو موراليس ، 42 سنة من هنود آيمار ، عصامي وزعيم نقابي يقود منذ قرابة 20 سنة قطاعا من أكثر القطاعات مطالبة ، وهو قطاع الفلاحين المتضررين من القضاء على زراعة الكوكا.
على صعيد أمريكا اللاتينية ولدى حركة العولمة البديلة ، يعتبر إيفو موراليس وجها بارزا في حركة أهلية تعلن عن ذاتها بقوة كبيرة في كل من الإيكواتور والبيرو والشيلي والباراغواي ، وقد أصبح شخصية تتمتع بشعبية كبيرة. وبمعية زعيم هندي آخر هو فيليب كويسبي من الحركة الأهلية باشاكوتي MIP وتنظيمه المسمى الحركة من أجل الاشتراكية قام هذان الزعيمان بهجوم مضاد على السياسة النيوليبرالية لدى السيد سانشيز دو لوزادا وحليفه الاشتراكي الديمقراطي السيد جيم بازامورا ، وهي السياسة التي استهدفت ، عبر مجموعة من الشركات المتعددة الجنسيات ، سلب احتياطيات البلد من الغاز وتحويلها إلى الولايات المتحدة ، تلك السياسة التي أدت في اللحظات الأخيرة للانفجار.
إن فقدان الصبر لدى الهنود البوليفيين يتأسس على قرون من التجربة التاريخية ؛ فتصدير الثروات الطبيعية ( الفضة ـ الإيتان ـ البترول ) لم يحسن أبدا أوضاع الفقراء ولم يمكن البلد من أي تحديث يذكر. وكما هو الشأن بالإيكواتور في يناير 2000 ضد الرئيس جميل مهواد ، وبالبيرو في نونبر 2000 ضد الرئيس ألبيرتو فوجيموري ، وبالأرجنتين في دجنبر 2001 ضد الرئيس فيرناندو دولاروا ، فإن السكان البوليفيين رفضوا ، من خلال الإطاحة بالسيد سانشيز دو لوزادا ، النموذج الاقتصادي الذي عمق الفساد في كل مكان من أمريكا اللاتينية ، وأصاب السكان بالدمار وعاظم ظاهرة الإقصاء الاجتماعي.

بورتو أليغري

ببورتو أليغري ، في هذه المدينة القديمة بجنوب البرازيل ، انعقد ما بين 25 و 30 يناير 2001 الملتقى العالمي الأول لا من أجل الانعقاد كما حدث بسياتل وواشنطن وبراغ وغيرها ضد كل أشكال الظلم والفوارق والكوارث التي تتسبب فيها ضروب الإفراط في الليبرالية الجديدة ، وإنما لمحاولة اقتراح إطار نظري وعملي جديد يمكن من تصور عولمة من نوع مغاير ، والتأكيد على أن عالما آخر أكثر إنسانية وأكثر تضامنا هو مسألة ممكنة .

بورتو أليغري

بقلم : إغناسيو راموني
لوموند ديبلوماتيك ـ عدد يناير 2002
يبتدئ القرن الجديد ببورتو أليغري، حيث سيجتمع بالفعل كل أولئك الذين ينازعون في العولمة النيوليبرالية أو ينتقدونها بطريقة أو بأخرى ، وذلك ما بين 25 و 30 يناير 2001 . وفي هذه المدينة القديمة بجنوب البرازيل حيث سينعقد الملتقى العالمي الأول، لا من أجل الانعقاد كما وقع بسياتل وواشنطن وبراغ وغيرها ضد كل أشكال الظلم والفوارق والكوارث التي تتسبب فيها ضروب الإفراط في الليبرالية الجديدة تقريبا في كل مكان من العالم ، وإنما وانطلاقا من روح إيجابية وبناءة هذه المرة ، لمحاولة اقتراح إطار نظري وعملي جديد يمكن من تصور عولمة من نوع مغاير، والتأكيد على أن عالما آخر أكثر إنسانية وأكثر تضامنا هو مسألة ممكنة.
إن هذا الضرب من الأممية الثورية ينعقد ببورتو أليغري، في الوقت ذاته الذي ينعقد فيه بدافوس ( سويسرا ) الملتقى الاقتصادي العالمي الذي يضم منذ عشرات السنين أسياد العالم الجدد ، وعلى الخصوص كل أولئك الذين يقودون العولمة بشكل ملموس ، تلك العولمة التي لم يعودوا يكتمون تخوفاتهم اتجاهها ، وقد أخذوا ينظرون إلى احتجاجات المواطنين بشأنها بالجدية اللازمة ، تلك الاحتجاجات التي أخذت من سياتل إلى نيس تنعقد بشكل منتظم إبان كل قمة من قمم كبريات المؤسسات التي تقود العالم بالفعل : المنظمة العالمية للتجارة OMC ، صندوق النقد الدولي FMI ، البنك العالمي BM ، منظمة التنمية والتعاون الاقتصاديين OCDE ، مجموعة السبعة G7 .
لقد سبق لأحداث سياتل في السنة الأخيرة أن زعزعت أصحاب القرار المجتمعين بدافوس بشكل عميـــــق " فكل سنة ، كما أشار إلى ذلك أحد الصحافيين على سبيل المثال ، يشكل موضوع ما أو أحد الشخصيات نجم الملتقى الاقتصادي العالمي ، أما في سنة 2000 فقد كانت أحداث سياتل هي نجم ملتقى دافوس بدون منازع ، وقد تمركز الحديث على الأخص حول سياتل وأحداثها " . ولأنهم واعون بالإفلاس الديمقراطي المصاحب للعولمة ، فإن منافحين آخرين عن النموذج المهيمن والسائد لم يعودوا يترددون في إعلان ما يلي : " سنفكر بشكل جدي في مسألة تغيير معايير وإجراءات اشتغال الشمولية في اتجاه أكثر ديمقراطية " ، وقد أصبح السيد ألان غرينسبان ذاته ، وهو رئيس الاحتياطي الفيدرالي بالولايات المتحدة يؤكد منذ اليوم : " لا يمكن للشركات أن تنجح عندما تعتبر قطاعات هامة وذات دلالة اشتغال هذه الشركات اشتغالا غير عادل ".
إن هذه " القطاعات الهامة وذات الدلالة " التي جاءت من جهات العالم الأربع ، والتي تعارض البربرية الاقتصادية الحالية ، وترفض الليبرالية الجديدة بوصفها " أفقا عصيا على التجاوز " ، ستحاول في إطار مسعى لا بد من وصفه بأنه مسعى تجديدي ، أن ترسي قواعد سلطة مضادة حقيقية ببورتو أليغري.
لماذا سيحدث ذلك في هذا المكان بالضبط ؟ .. لأن بورتو أليغري أضحت منذ بضعة أعوام مدينة رمزا . وبحكم أنها عاصمة ولاية ريو غراندي دو سول ، في أقصى جنوب البرازيل ، على حدود الأرجنتين والأوروغواي ، فهي عبارة عن ضرب من المختبر الاجتماعي الذي ينظر إليه بعض الملاحظين الدوليين بنوع من الافتتان.
فباعتبارها مدينة حكمت بطريقة أصيلة منذ 12 سنة من قبل تحالف يساري تزعمه حزب العمال PT ، فقد عرفت هذه المدينة في عديد من الميادين ( السكن ، النقل العمومي ، السكك الحديدية ، جمع النفايات ، المستوصفات والمستشفيات ، قنوات المياه ، البيئة ، السكن الاجتماعي ، محو الأمية ، المدارس ، الثقافة ، الأمن ... الخ ) تطورا ملحوظا ، فماذا كان السر في نجاح مثل هذا ؟ .. إنه ميزانية المساهمة ، أي الإمكانية التي لدى سكان مختلف الأحياء لكي يحددوا بشكل ملموس وديمقراطي مآل الأموال البلدية ، أي أن يقرروا أي نوع من البنيات التحتية يرغبون في إيجاده وتحسينه ، وكذا إمكانية التتبع اللصيق وعن كثب لتقدم الأشغال ومسار الالتزامات المالية: وبذلك لم تكن هناك أية إمكانية للسطو على هذه الأموال و لا لممارسة الشطط ، وكانت الاستثمارات مستجيبة بالضبط لرغبات أغلبية سكان الأحياء.
وتتم هذه التجربة السياسية ، كما يجب أن نشير إلى ذلك ، في مناخ من الحرية الديمقراطية التامة ، ومن خلال مواجهة واحتكاك مع معارضة سياسية حادة. إن حزب العمال لا يسيطر على كبريات الجرائد اليومية المحلية و لا على الإذاعة و لا حتى على التلفزيون الذي هو في يد كبريات المجموعات الإعلامية المتحالفة مع الباطرونا المحلية المعادية لحزب العمال . وأكثر من ذلك ، فحزب العمال المطالب باحترام الدستور الفيدرالي البرازيلي ، والذي ليست لديه إلا هوامش للاستقلال السياسي الذاتي جد محدودة ، وعلى الأخص في مجال الضريبة ، لا يمكنه أن يتصرف كيفما شاء ، ومع ذلك ، فإشباع حاجات المواطنين هو من التحقق حتى أن مرشح حزب العمال أعيد انتخابه مرة أخرى في أكتوبر 2000 على رأس البلدية بأكثر من 63 % من الأصوات.
في هذه المدينة الفريدة حيث تنتعش ديمقراطية ليست كالديمقراطيات الأخرى ، سيحاول الملتقى الاجتماعي العالمي وضع أسس عولمة مغايرة ، عولمة ليس من شأنها أبدا أن تقصي الشعوب ، فالرأسمال والسوق يرددان منذ عشر سنوات أنهما، وعلى النقيض مما تؤكده اليوتوبيات الاشتراكية ، هما اللذان يصنعان التاريخ وسعادة الناس وليس الشرور والمهالك.
ببورتو أليغري، في هذا القرن الذي انطلق ، سيذكر بعض الحالمين الجدد بالمطلق بأنه ليس الاقتصاد وحده هو الشأن العالمي الوحيد ؛ فحماية البيئة وأزمة الفوارق الاجتماعية والانشغال بحقوق الإنسان هي أيضا قضايا عالمية ، وأن أمر الإمساك بها والتقرير بشأنها هي مسألة تعود في الأول والأخير لمواطني هذه البسيطة.

المراقبة الشاملة

المراقبة الشاملة
" في الماضي لم تكن لدى أية حكومة سلطة إبقاء مواطنيها تحت مراقبة دائمة ، أما اليوم فإن بوليس الفكر يراقب الجميع . . . وبشكل دائم "
جورج أورويل 1984
بقلم : إغناسيو راموني
لوموند ديبلوماتيك عدد غشت 2003
.
كان على أولئك الذين عولوا هذا الصيف على الذهاب إلى الولايات المتحدة أن يعلموا أنه سيتم تقديم معلومات شخصية عنهم للجمارك الأمريكية دون موافقتهم طبقا لاتفاقية موقعة ما بين اللجنة الأوربية والسلطات الأمريكية ، وذلك عن طريق شركة الخطوط الجوية التي سيسافرون على متنها ، ومن ثمة فإن السلطات الأمريكية ، وحتى قبل أن تطأ أقدامهم أرضية المطار، ستعرف أسماءهم وأنسابهم وأعمارهم وعناوينهم وأرقام جوازات سفرهم وبطاقات السلف والحالة الصحية والاختيارات الغذائية ( التي يمكن أن تكشف انتماءاتهم الدينية ) وأسفارهم ورحلاتهم السابقة . . الخ.
إن هذه المعلومات سيتم تقديمها لجهاز للغربلة يسمى CAPPS ( جهاز حاسوب للمراقبة الوقائية ) ، وذلك للكشف عن مشكوك فيهم محتملين؛ حيث سيقوم هذا الجهاز بتقدير درجة خطورة المسافر من خلال التعرف على هويته ومقارنتها بالمعلومات المتوفرة لدى مصالح الشرطة ووزارة الدولة ووزارة العدل والأبناك وتصنيفه ضمن لون معين : الأخضر بالنسبة للمسالمين ، الأصفر في حالة الشك ، والأحمر بالنسبة لأولئك الذين سيتم منعهم من دخول الطائرة . وإذا كان الزائر مسلما أو من منطقة الشرق الأوسط ، فإن اللون الأصفر سيتم إلصاقه به بشكل أوتوماتيكي ، وبرنامج الأمن على الحدود يرخص لرجال الجمارك بأخذ صور للزوار وكذا بصماتهم.
الأمريكيون اللاتينيون هم أيضا مستهدفون ؛ فقد اكتشفنا أن 65 مليون مكسيكي و 31 مليون كولومبي و 18 مليون من دول وسط أمريكا وضعت لهم بطاقات دون علمهم ، وفي كل بطاقة تجد تاريخ ومكان الازدياد والجنس وهوية الأبوين والوصف الفيزيقي والأحوال المدنية ورقم جواز السفر والمهنة المصرح بها.
وفي الغالب تدون بهذه الملفات معلومات سرية أخرى كالعناوين الشخصية وأرقام الهواتف والحسابات البنكية وأرقام السيارات وكذا البصمات . ورويدا رويدا ، وبهذه الطريقة ، سيتم تبطيق كل الأمريكيين اللاتينيين من قبل واشنطن.
" الهدف هو إقامة عالم أكثر أمنا ، ويجب أن نكون على علم بالمخاطر المحتملة التي يمثلها الأشخاص الذين يطأون أرض بلادنا " ، ذاك ما أكده السيد جيمس لي ، وهو أحد مسؤولي مقاولة Choicepoint التي تشتري هذه البطاقات أو الملفات من أجل إعادة بيعها للإدارة الأمريكية (1) ؛ وذلك لأن القانون الأمريكي يحظر تخزين المعلومات الشخصية ، لكنه لا يمنع من مطالبة شركة خاصة بالقيام بذلك لصالح الحكومة. وهذه الشركة التي يتواجد مقرها على مقربة من أتلانتا هي شركة معروفة وغير مجهولة ؛ فإبان الانتخابات الرئاسية بفلوريدا سنة 2000 كانت الدولة قد كلفت فرعها المسمى ( تكنولوجيا قواعد المعلومات Technologie Data Base DBT ) بإعادة تنظيم اللوائح الانتخابية بهذه الولاية . النتيجة هي حرمان آلاف الأشخاص من حقهم في التصويت ، وهو ما أدى إلى تغيير نتيجة الانتخابات التي فاز بها السيد بوش ب 573 صوتا زيادة فقط . . ونحن نتذكر أن هذا النصر الصغير هو الذي مكن بوش من الوصول إلى سدة الحكم (2) .
إن المراقبة الصارمة واللصيقة ليست منصبة على الأجانب وحدهم في أمريكا ؛ فالمواطنون الأمريكيون بدورهم لا يفلتون من البارانويا السائدة حاليا ، لذلك فإن أنواعا جديدة من المراقبة التي يقرها قانون باتريوت Patriot Act تعيد النظر في الحياة الخاصة الشخصية للناس وكذا في سرية المراسلات، أما السماح بالتنصت على الهواتف فهو مسألة لم تعد ضرورية ؛ حيث يمكن للمراقبين الوصول إلى المعلومات الشخصية المتعلقة بالمواطنين دون أخذ إذن بذلك، وهكذا فقد طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI من المكتبات إيفاءه بلوائح الكتب والمواقع الإلكترونية التي يطلع عليها ويرتادها زبناؤها (3) من أجل رسم " بروفيل فكري وثقافي " لكل واحد منهم.
لكن أكثر مشاريع التجسس اللاشرعية هذه هذيانا هو المشروع الذي وضعه البانتاغون تحت عنوان Total Information Awareness (TIA) أي نظام المراقبة الشاملة للمعلومات (4) والذي كلف به الجنرال جون بواندسكتر المتهم في الثمانينيات بكونه كان المحرض في قضية إيران كونترا . ويتمثل المشروع في تجميع ما لا يقل عن 40 صفحة من المعلومات عن كل ساكن من سكان الأرض البالغ عددهم 6 مليارات نسمة ، ومعالجتها وتحليلها عن طريق حاسوب عملاق . والبانتاغون يزمع من خلال تحليل ومعالجة كل المعطيات المتوفرة عن كل شخص رسم صورة أكثر ما تكون تكاملا عنه ـ الأداءات عن طريق البطاقة البنكية ، الاشتراك في وسائل الإعلام ، حركة الحساب البنكي ، المكالمات الهاتفية ، مواقع الأنترنيت المرتادة ، البريد الإلكتروني ، البطاقات البوليسية ، ملفات التأمين ، المعلومات الطبية والمتعلقة بالضمان الاجتماعي.
وكما هو الحال في فيلم ستيفن سبيلبرغ Minority Report ، فإن السلطات تعتقد أن بإمكانها أن تتنبأ بالجرائم قبل وقوعها : " سيتقلص هامش الحياة الشخصية ، لكن مقابل أمن أكثر ، كما يعتقد ذلك السيد جون ب. بيتيرسن ، رئيس معهد إرلينغتون ، وسنستطيع أن نستبق المستقبل بفضل مقارنة كل المعلومات المتعلقة بكم ، وغدا سنعرف كل شيء عنكم (5) " ، وهكذا يجد الأخ الأكبر نفسه متجاوزا . . .
هوامش :
(1) لاخورنادا ، مكسيكو 22 أبريل 2003 .
(2) الغارديان ، لندن ، 5 ماي 2003 .
(3) الواشنطن بوست ، النشرة الوطنية الأسبوعية ، 21 ـ 27 أبريل 2003 .
(4) وقد تم تغيير الإسم نتيجة احتجاجات المدافعين عن حرمة الحياة الشخصية إلى الإسم المذكور (TIA) ، إقرأ أرمان ماتلار " تاريخ مجتمع المعلومة " ، لاديكوفيرت ، باريس ، الطبعة الجديدة ، أكتوبر 2003.
(5) إيل باييس ، 4 يوليوز 2002.

الفكر الأوحد

بقلم : إغناسيو راموني
لوموند ديبلوماتيك
إن المواطنين الأحرار ، وهم منغمسون في الديمقراطيات الحالية ، يتزايد شعورهم أكثر فأكثر بأنهم مستغرقون من طرف عقيدة أخطبوطية ، تحاصر كل محاولة للتفكير مشاغبة ، وتحرمها وتخلخلها وتشلها وتنتهي بخنقها . هذه العقيدة هي الفكر الأوحد المسموح به وحده بواسطة قمع بوليسي للرأي غير مرئي ووحيد الحضور.
منذ سقوط جدار برلين وانهيار الأنظمة الشيوعية والحط من معنويات الاشتراكية ، تزايدت عظمة هذه الإنجيلية الجديدة وقدرتها على التحنيط ، وحازت درجة يمكن معها وصف هذه الغطرسة الإيديولوجية ، بدون مبالغة ، بالدوغماطيقية المعاصرة.
فما هو الفكر الأوحد إذن ؟ .. إنه بألفاظ وعبارات إيديولوجية ترجمة لنزوع كوني لمصالح مجموعة قوى اقتصادية ، وبالخصوص قوى الرأسمالية العالمية التي تمت صياغتها وعملية تحديدها منذ سنة 1944 إبان اتفاقيات بريتون وودز . إن هذه المنابع الرئيسية تتمثل في كبريات المؤسسات الاقتصادية والنقدية : البنك العالمي ـ صندوق النقد الدولي ـ منظمة التنمية والتعاون الاقتصاديين ـ الاتفاقية العامة حول التعريفة الجمركية والتجارة ـ اللجنة الأوربية ـ بنك فرنسا . . . الخ ، التي توظف لخدمة أفكارها على مستوى مجموع الكرة الأرضية مراكز أبحاث عديدة وجامعات ومؤسسات تنمق بدورها هذا الخطاب لصالحها وتعمل على نشره على أوسع نطاق.
ويتم التقاط هذا الخطاب المجهول ويعاد إنتاجه عن طريق كبريات المؤسسات الإعلامية ـ الاقتصادية ، وبالخصوص عن طريق " أناجيل " المستثمرين وأصحاب البورصة ـ صحيفة الوال ستريت ـ التايمز المالي ـ الإيكونوميست ـ مجلة الاقتصاد الغربي ـ وكالة رويتر . . . الخ ، والتي هي مملوكة في الغالب من طرف كبريات المجموعات الصناعية أو المالية .وتتلقف أخيرا في كل مكان تقريبا جامعات للعلوم الاقتصادية وصحفيون ورجال سياسة هذه الوصايا الأساسية المستخلصة من لوائح القانون الجديدة هاته ويعيدون تكرارها عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية ، علما بأن التكرار يساوي ويوازي في مجتمعاتنا المتوسطية عملية برهنة .
إن المبدأ الأول للفكر الوحد هو من القوة بحيث لا يستطيع أبدا ماركسي متساهل إنكاره : وهو سحب الاقتصادي على السياسي وتقديمه عليه ، وبالاستناد والاتكاء على مبدأ كهذا ، وكأداة من الأهمية بمكان في يد المنفذ على سبيل المثال، استطاع بنك فرنسا وبدون اعتراض يذكر إعلان استقلاليته سنة 1994 ، وبمعنى ما أضحى " في منأى عن المخاطر السياسية " .
" إن بنك فرنسا مستقل ، غير مسيس وشفاف " يؤكد مديره السيد جان كلود تريشي الذي يضيف إلى ذلك : " إننا نطالب بإنقاص الاختلالات العمومية " و " نتبع استراتيجية التوازن النقدي (1) " كما لو أن هذين الهدفين ليسا هدفين سياسيين.
وباسم " الواقعية " و " النزعة البراغماتية " التي يصوغها السيد ألان مينك على الشكل التالي : " لا يمكن للرأسمالية أن تنهار ، فهي الحالة الطبيعية للمجتمع ، والديمقراطية ليست هي الحالة الطبيعية للمجتمع ، إنها السوق ". (2)
إن الاقتصاد يتموضع في مكان القيادة ، واقتصاد متخلص من العائق الاجتماعي يخرج منفلتا من العوائق التي يشكل ثقلها سبب النكوص والأزمة.
المفاهيم / المفاتيح الأخرى للفكر الأوحد معروفة : إنها السوق ، المثال أو القدوة التي " تصحح يدها الخفية الاختلالات الوظيفية للرأسمالية وتسويها " ، وبالخصوص ، الأسواق المالية التي " توجه ةتحدد علاماتها الحركة العامة للاقتصاد " ، التنافس والقدرة عليه ، وهي " تنبه وتنشط المقاولات وتقودها نحو عصرنة مجدية ودائمة " ، التبادل الحر وبدون قيود " وهو عامل التنمية المتواصلة للتجارة ، وبالتالي للمجتمعات " ، عولمة الإنتاج ، سواء المانيفاكتوري أو القنوات المالية ، التقسيم الدولي للعمل الذي " يصير المطالب النقابية معتدلة ويحفظ قيم الأجور " ، العملة القوية " وهي عامل الاستقرار " ، الخوصصة ، التحرير . . . الخ ، التقليل الدائم من " تدخل الدولة " في الاقتصاد ، التحكيم الثابت لمصلحة عائدات الرأسمال على حساب عائدات العمل ، وتجاهل وإهمال إزاء الضريبة البيئية.
إن التكرار المتوالي لهذه " النزعة الكاتيشية " (3) في كل وسائل الإعلام من قبل كل رجال السياسة تقريبا ، من اليمين كما من اليسار (4) ، يوفر لها قوة إقناعية يخنق كل محاولة للتفكير الحر ، ويجعل من المحال مقاومة هذه النزعة التعتيمية الجديدة (5) .
ناذرا ما يتم الإلتفات إلى 17,4 مليون عاطل أوربي ومعضلات المجالات الحضرية، الهشاشة المعممة ، الفساد ، الضواحي المحترقة ، التدمير الإيكولوجي ، إحياء النزعات العنصرية لدى الأصوليين الدينيين والمد المتنامي للمهمشين ، ويتم اعتبارها زوابع بسيطة ولحظية ، وأحلاما لليقظة مدانة وشاذة وغير متلائمة مع أحسن العوالم إنجازا وبناء بالنسبة لضمائرنا المخدرة ، أي عالم الفكر الأوحد.
هوامش :
(1) لوموند ، 17 دجنبر 1994.
(2) كامبيو 16 ، مدريد 5 دجنبر 1994.
(3) كمثال نموذجي على هذا الفكر المهيمن : فرنسا سنة 2000 ، تقرير الوزير الأول ، منشورات أوديل جاكوب ، باريس 1994.
(4) نحن نعرف الجواب الشهير للسيد دومينيك ستراوس كاهن ، الوزير الاشتراكي للصناعة بخصوص السؤال : ما الذي سيتغير لو فاز اليمين بالحكم ؟ .. حيث أجاب " لا شيء ، فلن تختلف سياستهم الاقتصادية عن سياستنا " " وال ستريت " صحيفة أوربا 18 مارس 1993.
(5) هل هذا هو السبب الذي حدا بمجموعة من المثقفين من بينهم كي دوبور إلى تفضيل الانتحار في الأسابيع الأخيرة؟ ..

الطفرة العالمية

الطفرة العالمية

بقلم : إغناسيو راموني
لوموند ديبلوماتيك ـ عدد أكتوبر 1997 .

في أكتوبر 1919 كانت عشرة أيام كافية للثورة البولشفية كي "تزعزع العالم" ، وللمرة الأولى تم الإيقاف المطول زمنيا للعجلة الرأسمالية الساحقة.
لقد سبق تنشيط نمو وانطلاق الرأسمالية بفضل أعمال كبار المنظرين ( آدم سميث ـ دافيد ريكاردو ) ، وبفضل أشكال حاسمة من التقدم التكنولوجي ( الآلة البخارية ـ خط السكك الحديدية ) ،وكذا بفعل الاضطرابات والقلاقل الجيوبوليتيكية ( الإمبراطورية البريطانية ـ النهضة الألمانية ـ قوة الولايات المتحدة ). كل هذه العوامل كانت قد أفرزت الثورة الرأسمالية الأولى التي مكنت من توسع هائل ، لكنه طاحن للإنسان كما شهد بذلك كل من شارلزديكنز ، إميل زولا وجاك لندن.
فكيف يمكن إذن استخلاص الربح جماعيا من الغنى الهائل الذي نجم عن التصنيع مع تفادي انسحاق المواطنين ؟ ..ذلك هو السؤال الذي سيجيب عنه ماركس من خلال إنجازه الأساسي " الرأسمال " ( 1876 ) . وكان يتوجب الانتظار خمسين سنة بعد ذلك حتى يظهر استراتيجي عبقري هو لينين ويستطيع الاستيلاء على السلطة بروسيا في خضم آمال ذات ملامح مسيحية بتحرير " بروليتاريا كل البلدان ".
ثمانون سنة بعد ذلك انهار الاتحاد السوفياتي وشهد العالم طفرة أخرى جديدة بمستطاعنا تسميتها الثورة الرأسمالية الثانية. وقد نجمت هذه الثورة ، كما هو شأن الثورة الأولى ، عن حزمة من المعلومات حصلت في ثلاثة حقول أساسية.
في المقام الأول ، في مجال التكنولوجيا ؛ فأعلمة ( من الإعلاميات ) كل قطاعات النشاط ، وكذا ولوج فضاءالترقيم ( إذ الصوت والصورة والنصوص أصبحت تبث منذ الآن بسرعة الضوء وبتوسط سنن وحيد code زعزع عالم الشغل والتربية وأوقات الفراغ . . . الخ.
في المقام الثاني ، في المجال الاقتصادي ؛ فالتكنولوجيا الجديدة تشجع توسع النشاط المالي ، إنها تنمي المناشط الحائزة لأربع حاصيات : خاصية الانتشار على مستوى مجموع البسيطة ، خاصية الدوام ، وخاصية كونها فورية و لا مادية. إن " البيغ بونغ ـ الانفجار الأعظم " للبورصات والتحرير المتبع في الثمانينيات من طرف السيدة مارغريت تاتشر والسيد رونالد ريغان مكن من عولمة الاقتصاد التي شكلت الدينامية المركزية في نهاية القرن ، تلك الدينامية التي ليس بمستطاع بلد كيفما كان أن يفلت من تأثيراتها.
في المقام الثالث ، في المجال السوسيولوجي ؛ فالاضطرابان السابقان جعلا الامتيازات التقليدية للدولة / الأمة في وضع لا تحسد عليه ، كما جعلا تصورا معينا للتمثيلية السياسية وللسلطة يصاب بالإفلاس ، فهذه السلطة التراتبية ، العمودية والسلطوية أمس بدت أكثر فأكثر منبنية في شبكات أفقية وإجماعية ، بفعل التحكم في الألباب الذي توفره وسائل الإعلام الجماهيرية.
بافتقاد المجتمعات للبوصلة الهادية أمست تبحث دون أمل أو رجاء عن معنى وعن نماذج ، وذلك لأن هذه التغيرات الكبرى حصلت بشكل متآن ضاعف من تأثيرات وهول الصدمة.
وفي نفسا الآن تم تعويض أساسيين من الأسس التي نهضت عليها الديمقراطيات المعاصرة ـ التقدم والماسك الاجتماعيان ـ بأساسين آخرين هما ـ الاتصال والسوق ـ اللذين غيرا طبيعة هذه الديمقراطيات.
إن الاتصال ، باعتباره أول خرافة زمنية ، تم اقتراحه علينا باعتباره كفيلا بحل كل المشاكل ، وبالخصوص النزاعات والإشكالات بداخل الأسر والمدارس ، في المقاولة أو الدولة، فالاتصال سيكون أكبر عامل للمسالمة والسلم . إلا أننا بدأنا نشك في أن وفرته وغزارته ذاتها تتسبب في إنتاج صور جديدة من الاستلاب ، وفي أنه بدلا من أن يحرر الفكر يسجنه ويعتقله بفعل ضروب المبالغة فيه.
إن للسوق منذ الآن نزوعا نحو أن تفيض على كل النشاطات الإنسانية وتشكل عامل تقنينها. في السابق ظلت مجالات معينة كالثقافة والرياضة والدين خارج متناولها ، أما الآن ، فقد ابتلعت من طرف جبروتها . إن الحكومات تستسلم للسوق أكثر فأكثر ( بالتخلي عن قطاعات الدولة ، بالخوصصة ) ، في حين أن السوق هي العدو الأكبر للتماسك الاجتماعي ( والتماسك العالمي ) ، ذلك لأن منطقها يشتهي تقسيم المجتمع إلى فريقين اثنين : القادرون على الدفع وغير القادرين عليه ، وهؤلاء الأخيرون لم يعودوا يهمونها في شيء : إنهم حارج اللعبة . لذلك فغن السوق هي التي تفرز ذاتيا صنوف اللاعدل والظلم.
كل هذه التغيرات البنيوية والتصورية المطبقة منذ عقد من الزمن أنتجت انفجارا أصيلا للعالم ؛ فمفاهيم كمفهوم الجيوبوليتيك ومفهوم الدولة والسلطة والديمقراطية والحدود لم تعد لها أبدا نفس الدلالات ، إلى الحد الذي ، إذا ما عاينا الكيفية الحقيقية لاشتغال الحياة العالمية ، لاحظنا أن هذه القطاعات قد تغيرت بعمق.
إن ممثلي أدوار البطولة الثلاث المركزية على مستوى البسيطة ( والذين كانوا يتمثلون في النبلاء والإكليروس ودول العالم الثالث ) أمسوا منذ الآن عبارة عن تجمعات للدول ( الاتحاد الأوربي ـ ألينا ـ ميركوسور ـ التجمع الآسيوي ...الح ) ، مقاولات شمولية وكبريات مجموعات إعلامية أو مالية ، وكذا المنظمات غير الحكومية ONG ( ذات الصبغة والمدى العالميين ( منظمة السلام الأخضر ـ منظمة العفو الدولية ـ وورلد وايد لايف ...الخ ) . إن هؤلاء الفاعلين الثلاثة يتحركون في إطار كوني متحكم فيه من طرف المنظمة العالمية للتجارة OMC أكثر مما هو متحكم فيه من قبل الأمم المتحدة ، هذه المنظمة العالمية للتجارة المعتمدة كحَكَم شمولي جديد ، وتلك علامة على العصر.
ليس للتصويت الديمقراطي أي تأثير على الاشتغال الداخلي لهذه القطاعات الجديدة الثلاث ، وقد برزت هذه الطفرة العالمية للوجود دون أن ننتبه لها أو أن نأخذ حذرنا منها ، ودون أن يكون المسؤولون السياسيون أنفسهم على وعي بها . فهل يستطيع المواطنون أن يظلوا دون رد فعل، في الوقت الذي يفرغ فيه كل هذا الذي يحدث الديمقراطية من المعنى ؟ ..

أرجوحة الديمقراطية



هل الديمقراطية خدعة ؟ .. وهل تتضمن بطبيعتها أو بالقوة إما إمكانات العدالة الاجتماعية أو الظلم والإقصاء الاجتماعيين ؟ .. هل يمكن الحديث في الوضع العالمي الراهن ، الناحي نحو العولمة لكل شيء والمتميز بسيطرة الأسواق المالية عن إرادة " ديمقراطية " بداخل المجتمعات تكبحها وتوجهها الموجهة المعاكسة لطموحات الشعوب في العدالة والديمقراطية " ديكتاتورية " الأسواق المالية التي لا تعرف إلا منطق مصالحها الخاصة ؟ .. هل يتبقى بعد هذه الهيمنة شبه المطلقة هامش للمناورة والفعل يمكن من تحقيق المعادلة الصعبة ؟ .. في المقال التالي نجد توضيحا لهذه المفارقة وبعض الإيحاءات بالجواب.



أرجوحة الديمقراطية

بقلم: إغناسيو راموني

عن: لوموند ديبلوماتيك

انطلاقا من العديد من العلامات والإشارات نلحظ في مجتمعاتنا التي فقدت البوصلة الهادية عودة التساؤل المحير : هل تمت مصادرة الديمفراطية من طرف جماعة صغيرة من المحظوظين ؟ ..

ذلك أن هاجس ضرورة قيام الجمهورية على " عقد اجتماعي " هو الذي قاد ، خلال قرن ونيف ، الاشتراكيين الثوريين ( من ماركس إلى تروتسكي ، مرورا ببلانكو وباكونين ولينين ) باسم الحرية ، إلى مصارعة " الديمقراطية البورجوازية " ، في الوقت الذي قاد فيه اليمين المتطرف إلى محاولة إسقاط " النزعة البرلمانية " ، وبدا كما لو أن اندحار الفاشية سنة 1945 ثم انهيار الأنظمة الشيوعية سنة 1989 قد حل المشكلة ، وأصبح بمقدور أطروحة فرانسيس فوكوياما حول " نهاية التاريخ " أن تنتصر : فالديمقراطية شكلت الأفق المستعصي على التجاوز من قبل أي نظام سياسي، كما أمكن لأي كان التذكير بقولة ونستون تشرشل المشهورة التي تمدح الديمقراطية باعتبارها النظام الأهون شرا بخلاف كل الأنظمة الأخرى.

وبفضل هذا الإطراء انتشرت الديمقراطية في كل مكان ، في أوربا الشرقية وفي الدول المتولدة عن تفكك الاتحاد السوفياتي وأيضا في أمريكا اللاتينية ، وباستثناء وحيد متمثل في العالم العربي انتشرت في إفريقيا وآسيا ، إلى حد أنه غداة الحرب العالمية الثانية ، أضحت النظام السياسي المهيمن إذا استثنينا حالات ناذرة.

ومع ذلك فإن أعداد المشهرين بهذا النظام ، باعتباره خدعة ، تزايدوا يوما بعد يوم ، وفي المقام الأول بأوربا لأنه احتمل ظهور 20 مليونا من العاطلين و 50 مليونا من الفقراء . . . ولأن بعض الدول ( الأوربية ) انتهت إلى قبول نوع من العالمثالثية لمجتمعاتها ؛ فحسب تقارير الأمم المتحدة والبنك العالمي " فإن أشكال الفوارق في ما بين الفقراء والأغنياء بالمملكة المتحدة هي الأهم من نوعها في العالم الغربي ، مقارنة مع تلك القائمة في نيجيريا ، وبشكل أعمق مع تلك التي نجدها على سبيل المثال في جمايكا ، سريلانكا أو إثيوبيا (1) " .

هكذا ( إذن ) يتصدع التماسك الاجتماعي ؛ ففي القمة تتقوى طبقة تغتني أكثر فأكثر ( 10 ÷ من الفرنسيين (مثلا) يستحوذون على 55 ÷ من الثروة الوطنية ) ، في حين ، وفي أسفل القاعدة ، تتسع جيوب الفقر متعاظمة . كما أن من المعروف أن المواطنين المهمشين ليس في مستطاعهم التمتع بالخريات الصورية وضمان ممارسة حقوقهم .

كل هذا يحدث في إطار الغلبة والانتصار فيه للمال : فقيمة المبادلات المالية هو 50 ÷ أعلى من قيمة المبادلات الفعلية للمنافع والخدمات ؛ فالأسواق المالية تفرض إرادتها على القادة السياسيين ، وإذا أمكن القول منذ عهد فريب أن " مائتي عائلة " امتلكت مقادير ومصير فرنسا ، فإننا نستطيع التأكيد راهنا على أن مصير كوكب الأرض متوقف على إرادة " 200 من المدراء " (2) .

لقد عملت الدول على تسريع وتيرة الحركة لتفعيل وضمان ديناميكية لسيرورة العولمة ، وذلك بإلغاء المراقبة على المبادلات وضمان حرية تنقل الرساميل بجعل الأبناك المركزية أبناكا " مستقلة " إلى حد أنها موقعت الأسواق المالية خارج متناول ومراقبة الحكومات التي ذهبت بدورها إلى التخلي عن أي إرادة مهما وهنت لوضع سياسة نقدية مستقلة، وذلك بقبول الخضوع لمنطق المصالح الخارجية المعاكس لمصالح مواطنيها.

إن النظام الديمقراطي ينتشر بدون عوائق على مستوى مجموع الكرة الأرضية جراء خضوع القادة السياسيين لديكتاتورية الأسواق المالية . في السابق مورست مقاومة ضارية لكل مشروع ديمقراطي من طرف الماسكين بناصية الرأسمال المتحالفين في الغالب مع قوات عسكرية : فمن الحرب المدنية الإسبانية (1936 ـ 1939) إلى الإطاحة برئيس الشيلي سالفادور أليندي سنة 1973 لا نعدم الأمثلة عن أنظمة ديمقراطية أقبرت بشكل تراجيدي لأنها تصدت للتفاوتات الطبقية بالتوزيع الأكثر عدالة للخيرات، ولأنها عقدت النية على تأميم القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد . أما اليوم، فإن الديمقراطية متساوقة بشكل متناغم ، بفعل تدمير القطاع العام ، مع أشكال الخوصصة وإعفاء حفنة من المحظوظين . . . الخ . لقد غدا بالإمكان التضحية بأي شيء ( والمكتسبات الاجتماعية في المقام الأول ) رضوخا لإكراهات الاقتصاد المالي، وفي أوربا أضحت معايير التقارب والاندماج المفروضة من قبل معاهدة ماستريخت مطلقات شبه دستورية. فكيف لا ندرك إذا أضفنا إلى كل ذلك قلة حياء القادة الذين يتسابقون بمجرد انتخابهم للإنكار والتنكر لوعودهم الانتخابية ( من السيد فوجيموري في البيرو إلى السيد كلينتون في الولايات المتحدة مرورا بالسيد كالديرا بفنزويلا والسيد شيراك بفرنسا ) ، وكذا الوزن اللامحدود لجماعات الضغط ( اللوبيات ) واستفحال الفساد لدى الطبقة السياسية ، كيف لا ندرك عوامل غياب المصداقية عنها ؟.. كيف لا يمكن الوقوف على أن هذه الديمقراطية المعطلة تمكن في المقام الأول من تنامي وتطور اليمين المتطرف ؟.. (3).

إن كل يوم يوضح كم يفضل المنتخبون، والحكومات بالخصوص ، اللجوء إلى كبريات وسائل الإعلام لمخاطبة المواطنين وعدم إعارة البرلمان أي اهتمام فـ " أن تحكم هو أن تتواصل " يقول لسان حالهم فيما يبدو ، ولكن واقع الأمر ، وبدواخلهم ، فإن التواصل مع المواطنين يعني الكذب عليهم.

كيف لا يمكن أن نتفهم غضب الناس في مجموع الاتحاد الأوربي وهم يتعرضون لمد من أنواع الظلم؟.. وبأي حق ينادي المسؤولون الماسكون بزمام السلطة السياسية ، خوفا من خريف غضب ساخن ، بضرورة السلم الاجتماعي وهم يمارسون الحرب الاجتماعية بشكل يومي ؟.. ذلك السلم الذي لا يمكن ضمانه وتأمينه إلا إذا تحولت الديمقراطية إلى قاعدة وأساس لعقد اجتماعي جديد.

هوامش :

(1) إلباييس ، مدريد ، 16 شتنبر 1996.

(2) " قادة العالم الجدد " طريقة في النظر رقم 28 نونبر 1995.

(3) أنظر كريستيان دوبري " ديمقراطيات بدون صوت " لوموند ديبلوماتيك ـ دجنبر 1992.