الثلاثاء، 22 يناير، 2008

الباحثون ، علم الاقتصاد والحركة الاجتماعية




الباحثون ، علم الاقتصاد والحركة الاجتماعية

لقد كانت حركة ديسمبر 1995 الاجتماعية حركة غير مسبوقة بفعل مداها وأهدافها الخاصة . وإذا كانت قد اعتبرت جد هامة من قبل جزء كبير من الساكنة الفرنسية والساكنة العالمية أيضا فلأنها على الخصوص اعتمدت أهدافا جديدة كليا في مجال الصراعات الاجتماعية . بارتباك وغموض ، وبخصوص نمط المخطط الإجمالي فقد جاءت بمشروع مجتمعي حقيقي مصادق عليه جماعيا وقادر على مجابهة المشروع المجتمعي المفروض من طرف السياسة المهيمنة ومن طرف الثوريين المحافظين الذين هم حاليا في السلطة وبداخل المؤسسات السياسية ومؤسسات إنتاج الخطاب .وبتساؤلي عن ما يمكن للباحثين أن يضيفوه لمقاولة شبيهة بالحالات العامة اقتنعت بضرورة حضورهم المكتشف للبعد الثقافي والإيديولوجي الخالص لهذه الثورة المحافظة . وإذا كانت حركة ديسمبر حركة موافقا عليها بالأغلبية الساحقة بشكل جد واسع فذلك لأنها بدت كدفاع عن المكتسبات الاجتماعية لا لفئة اجتماعية خاصة ـ حتى ولو كانت فئة اجتماعية خاصة هي عود ثقاب هذه الحركة لأنها مست بشكل خاص أكثر من غيرها ـ وإنما لمجتمع بأكمله ، بل حتى لعدد من المجتمعات : وتتعلق هذه المكتسبات بالشغل ، بالتعليم والنقل العموميين ، وبكل ما هو عمومي ، ومن ثمة فهي تتعلق بالدولة ؛ هذه المؤسسة التي ليست بالضرورة ـ بعكس ما يراد لنا أن نعتقد ـ بدائية ورجعية . وإذا كانت هذه الحركة قد ظهرت بفرنسا ، فإن ذلك ليس وليد الصدفة ؛ فهناك أسباب تاريخية ، لكن ما يمكن أن يثير الملاحظين هو أنها تتواصل بصيغة تناوبية ؛ بفرنسا بصيغ مختلفة وغير متوقعة ـ حركة السائقين ، فمن كان ينتظر وقوعها بهذا الشكل ؟ .. ـ وأيضا بأوربا ؛ بإسبانيا حاليا ؛ باليونان منذ بضعة سنوات ؛ بألمانيا حيث استلهمت الحركة من الحركة الفرنسية وأعلنت بشكل صريح عن صلتها بها ؛ بكوريا ـ وهو ما يعتبر أيضا جد هام لأسباب رمزية وعملية . إن هذا الضرب من الصراع التناوبي هو في ما يبدو لي في بحث عن وحدته النظرية والعملية خاصة . ويمكن أن تعتبر الحركة الفرنسية طليعة صراع عالمي ضد الليبرالية الجديدة وضد الثورة المحافظة الجديدة التي يتخذ البعد الرمزي ضمنها أهمية كبيرة جدا . إلا أنني أعتقد أن إحدى نقط ضعف الحركات التقدمية يتمثل في كونها قللت من شأن هذا البعد ، ولم تنحث دائما أسلحة ملائمة لمقاومته ومصارعته . إن الحركات الاجتماعية متخلفة عن عديد من الثورات الرمزية بالمقارنة مع خصومها الذين يعتمدون مستشارين في الاتصال ومستشارين في التلفزة .. الخ . تعلن الثورة المحافظة أنها ليبرالية جديدة مضفية على ذاتها الهالة العلمية والقدرة على العمل بوصفها نظرية ، وإحدى الأخطاء النظرية والعملية لكثير من النظريات ـ ابتداء بالنظرية الماركسية ـ تمثلت في نسيان الأخذ بعين الاعتبار لفعالية النظرية ، وليس من حقنا أن نرتكب هذا الخطأ . إننا في مواجهة خصوم مسلحين بنظريات ؛ ويتعلق الأمر في ما يبدو لي بمقارعتهم بأسلحة فكرية وثقافية ، ولممارسة هذا الصراع ، وبفعل تقسيم الشغل ، فإن البعض من الناس مسلح بشكل أفضل من الآخرين ؛ وذلك لأن تلك مهنتهم ، وعدد معين من بينهم مستعد للانهماك في العمل ، فبماذا يمكنهم أن يساهموا ؟ .. أولا بسلطة معينة . فماذا سمي الأشخاص الذين ساندوا حكومة ديسمبر ؟ .. لقد سموا خبراء ، في حين لم تكن تلك بالنسبة لهم كلهم ربع بداية البداية لاقتصادي ما . يجب أن يواجه تأثير السلطة هذا بتأثير سلطة أخرى للسلطة . لكن هذا ليس كل شيء ؛ فقوة السلطة العلمية الممارسة على الحركة الاجتماعية ، وحتى أعماق ضمائر العمال قوة كبيرة جدا ؛ إنها تحدث شكلا من أشكال تثبيط العزائم ، وأحد أسباب قوتها يتمثل في أنها تمارس من طرف أناس يبدو عليهم أنهم على وفاق في ما بينهم ـ فالتوافق هو بشكل عام علامة على الحقيقة ، ولأنها أيضا تستند وتتكئ على الأدوات التي يمتلكها اليوم هذا الفكر ، والتي يبدو ظاهريا أنها الأعتى قوة ، أي على الرياضيات بشكل خاص . إن دور ما نسميه الإيديولوجيا المهيمنة هو دور قائم اليوم عن طريق استخدام معين للرياضيات ( وتلك مبالغة فيها إفراط ، ولكنها طريقة لإثارة الانتباه لمسألة أن فعل العقلنة ـ أي مسألة تقديم أسباب لتبرير أشياء لا تقبل التبرير غالبا ـ وجد اليوم في علم الاقتصاد الرياضي أداة جد قوية ) . ومن الأهمية بمكان معارضة هذه الإيديولوجيا التي تلبس فكرا محافظا خالصا رداء العقل الخالص بأسباب وحجج وتفنيذات وبراهين ؛ أي بممارسة العمل العلمي . إحدى نقاط قوة الفكر الليبرالي الجديد تتمثل في كونه يفرض ذاته باعتباره ضربا من " سلسلة الوجود الكبيرة " كما كان الحال في الاستعارات الثيولوجية القديمة التي نجد الله في أحد طرفيها ، ثم نمضي بعد ذلك حتى نبلغ الحقائق الأكثر تواضعا عبر سلسلة من الحلقات . وفي سديم الليبرالية الجديدة ومكان الله في أعلى عليين هناك رياضي ، وفي الأسفل هناك إيديولوجي للفكر لا يعرف الشيء الكثير عن الاقتصاد ، ولكنه يستطيع أن يوهم الناس بأنه يعرف منه القليل بفضل بعض التلميع القاموسي التقني . ولهذه السلسلة القوية جدا تأثير سلطوي . هناك شكوك حتى في أوساط المناضلين الذين ينتجون من جانب عن القوة ، القوة الاجتماعية أساسا ، وعن النظرية التي تضفي السلطة على كلام السيد تريشي أو السيد تيتماير رئيس البونديسبانك أو لهذا أو ذاك من كتاب المقالات . إن هذه ليست سلسلة من البراهين ، وإنما هي سلسلة من السلطات ذاهبة من الرياضي إلى البنكي ، ومن البنكي إلى الفيلسوف ـ الصحافي ، ومن كاتب المقالات إلى الصحافي . إنها أيضا قناة يتحرك فيها المال وكل أنواع الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية ، الدعوات العالمية والاعتبار والتبجيل . نستطيع نحن السوسيولوجيين ، وبدون أن نمارس التشهير ، أن نقوم بتفكيك هذه الشبكات وبيان كيف أن دوران الأفكار هو مسنود بدوران السلطة ؛ فهناك الأشخاص الذين يبادلون خدمات إيديولوجية مقابل مواقع بالسلطة . يتوجب أن نقدم الأمثلة ، ولكن يكفينا أن نقرأ باهتمام لائحة الموقعين على " عريضة الخبراء " الذائعة الصيت . وما هو مهم بالفعل هو أن روابط مستترة في ما بين الأشخاص الذين يعملون عادة بشكل مستقل ـ حتى ولو كنا نراهم في الغالب يظهرون مثنى مثنى في مناظرات مغلوطة بالتلفزة ـ وفي ما بين معاهد وجمعيات ومجلات ..الخ يماط عنها اللثام من خلالها في واضحة النهار .هؤلاء الناس يستعملون جماعيا ، وعلى قاعدة موضة التوافق ، خطابا قدريا يتمثل في تحويل النزوعات الاقتصادية إلى قدر . بيد أن القوانين الاجتماعية والقوانين الاقتصادية ..الخ ، لا تشتغل إلا على المستوى الذي ندعها تؤثر فيه . وإذا كان المحافظون من جانب دعه يعمل ، فذلك لأن هذه القوانين النزاعة تحافظ ، وهي في حاجة لدعه يعمل من أجل أن تحافظ . إن قوانين الأسواق المالية خاصة ، تلك التي يحدثوننا عنها باستمرار ، هي قوانين للمحافظة في حاجة لدعه يعمل من أجل أن تنجز . يتوجب أن نبلور ونحاج ونعبر عن دقائق أفكارنا ، وألتمس العذر للجانب التبسيطيي لما أتيت على قوله . وأما ما يتعلق بالحركة الاجتماعية ، فبإمكانها أن تكتفي بالوجود ؛ فهي بذلك تخلق ما يكفي من المتاعب ، ولن نطالبها زيادة على ذلك بتقديم المبررات . أما بخصوص المثقفين الذين ينضمون للحركة الاجتماعية ، فإننا نسألهم على الفور : " لكن ما ذا تقترحون ؟ .. " ونحن لسنا في حاجة للسقوط في فخ البرنامج ، فهناك ما يكفي من الأحزاب والأجهزة من أجل ذلك ، وما نستطيع عمله هو أن نخلق لا برنامجا مضادا ، وإنما هيئة وترتيبا للبحث الجماعي في ما بين الأنظمة وعالمي يضم باحثين ومناضلين وممثلين للمناضلين .. الخ ، وكذا الباحثين بالنظر لدورهم المحدد : فهم يستطيعون المشاركة بصورة فعالة بشكل خاص في فرق عمل وتفكير ، وذلك لأن تلك مهنتهم ، بشراكة مع أفراد هم داخل الحركة . وذاك ما يستثني في الحال عددا معينا من الأدوار : فالباحثون ليسوا رفاق الطريق ؛ أي الأسرى والضامنين ، الآنية الخزفية الصينية والأعذار الذين يوقعون العرائض والذين نتخلص منهم حالما ننتهي من استخدامهم ؛ إنهم ليسوا أيضا جدانوفيون يأتون لكي يمارسوا بداخل الحركات الاجتماعية للسلطات ذات المظهر الفكري التي لا يستطيعون ممارستها بداخل الحياة الفكرية ؛ وهم ليسوا حتى خبراء مضادين للخبراء ، وليسوا أيضا أنبياء سيجيبون على كل الأسئلة بخصوص الحركة الاجتماعية وبخصوص مستقبلها . إنهم الأشخاص الذين يستطيعون المساعدة على تحديد وظيفة هيئات مثل هذه ، أو التذكير بأن الأشخاص الذين هم هنا ليسوا حاضرين هنا بوصفهم ناطقين باسم جهات يمثلونها ، وإنما بوصفهم مواطنين جاءوا إلى فضاء للمناقشة والبحث وهم يحملون أفكارا وحججا ، تاركين بمستودع الملابس لغات الخشب والسقوف المسطحة وعادات الجهاز ، وذلك ليس بالهين ولا باليسير دائما . ومن بين عادات الجهاز التي يتهددنا خطر عودتها من جديد هناك تكوين اللجان واقتراحات التركيبات المعدة سلفا في الغالب ..الخ . إن السوسيولوجيا تعلمنا كيف تشتغل الفرق وكيف نستفيد من القوانين التي تشتغل وفقها الفرق من أجل محاولة إبطال هذه القوانين . يجب أن نبتكر صيغا جديدة للتواصل في ما بين الباحثين والمناضلين ، أي تقسيما جديدا للعمل في ما بينهم . وإحدى المهام التي يستطيع الباحثون إنجازها أفضل من أي شخص آخر ربما تتمثل في مقاومة المَطرقة الإعلامية . إننا نسمع طيلة النهار جملا معدة بعناية وإتقان ، ولم نعد نستطيع فتح المذياع دون أن نسمع من يتحدث عن " القرية الكونية " وعن " العولمة " ..الخ ، إنها كلمات لا شكل لها ، ولكنها كلمات تمر عبرها فلسفة ونظرة للعالم بأكملها تفرز النزعة القدرية والتركيع . إننا يمكننا أن نناهض هذه المطرقة الإعلامية من خلال انتقاد الكلمات ومن خلال مساعدة غير المختصين على التزود بأسلحة خاصة للمقاومة ، وذلك من أجل مقاومة التأثير السلطوي لسلطان التلفزيون الذي يلعب بشكل مطلق دورا مركزيا ؛ فلا يمكننا أن نخوض اليوم صراعات اجتماعية دون التوفر على برامج صراع نوعية مع وضد التلفزيون ، وأحيل على كتاب باتريك شامباني " صنع الرأي " الذي يجب أن يكون نوعا من كتاب المصارع السياسي المختصر (1) . إن المعركة في هذا الصراع ضد المثقفين الإعلاميين معركة هامة . ومن جهتي ، فإن هؤلاء الأشخاص لا يذهبون النوم عن عيني و لا أفكر فيهم مطلقا عندما أكتب ، لكن لهم من زاوية النظر السياسية دورا في غاية الأهمية ، والمأمول أن تقبل شريحة من الباحثين اقتطاع جزء من وقتها ومن طاقتها وتخصيصه للبحث في الطريقة النضالية الكفيلة بمناهضة تأثيرهم .هدف آخر ؛ ويتمثل في ابتكار صيغ جديدة للفعل الرمزي . وأعتقد بخصوص هذه النقطة أن الحركات الاجتماعية ، مع بعض الاستثناءات التاريخية ، هي حركات متأخرة . إن باتريك شامباني يعرض في كتابه كيف يمكن لبعض أشكال التعبئة الكبرى أن لا تظفر على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة إلا بأماكن أقل من أماكن مظاهرات ضئيلة الحجم ولكنها منظمة بشكل يجعلها تثير اهتمام الصحافيين . و لا يتعلق الأمر بطبيعة الحال بمصارعة الصحافيين الرازحين بدورهم تحت ضغط إكراهات الهشاشة ، مع كل تأثيرات الرقابة التي تفرزها هذه الهشاشة على مستوى كل مهن الإنتاج الثقافي . لكن من الأساسي أن نعرف أن جزءا كبيرا مما يمكننا قوله أو عمله ستتم غربلته ، أي في الغالب إبطاله من خلال ما سيقوله عنه الصحافيون ، بما فيه ما سنفعله هنا ، وهذه ملاحظة لن يعيدوا إنتاجها في تقاريرهم … ولكي أنهي كلامي أقول بأن إحدى المشاكل تتمثل في أن تكون تأمليا ـ وهذه كلمة ثقيلة ولكنها لم تستعمل مجانيا ؛ فأمامنا كهدف لا فقط ابتكار صيغة جديدة لتنظيم فعل الاحتجاج والمنازعة وتنظيمهما ، وصيغ جديدة للفعل النضالي . وما يمكننا أن نحلم به نحن الباحثين هو إمكان أن يكون جزء من أبحاثنا نافعا للحركة الاجتماعية بدل أن يضيع كما هو الحال اليوم في الغالب ، وذلك لأنه ملتقط ومشوه من طرف صحافيين أو مؤولين معادين ..الخ . إننا نتمنى في إطار فرق مثل فرقة " بواعث التحرك Raisons d'agir " ابتكار صيغ تعبير جديدة تمكن من إيصال مكتسبات البحث الأكثر تقدما للمناضلين ، لكن هذا يفترض من جانب الباحثين تغييرا للغة ولحال الفكر . وحتى نعود للحركة الاجتماعية أعتقد كما قلت ذلك منذ قليل أننا بصدد حركات دوارة للصراع ـ كان بإمكاني أيضا ذكر إضرابات الطلبة والأساتذة ببلجيكا ، والإضرابات بإيطاليا ..الخ ـ ضد إمبريالية الليبرالية الجديدة ؛ صراعات لا يعرف بعضها البعض الآخر في الغالب الأعم ( والتي يمكن أن تتخذ صيغا ليست مسالمة دائما كبعض صيغ الأصولية ) . يجب إذن على الأقل توحيد الإعلام العالمي والعمل على نشره وإيصاله . يجب إعادة ابتكار النزعة الأممية التي تم التقاطها وتحويل مسارها من طرف الإمبريالية السوفياتية ؛ أي ابتكار صيغ التفكير النظري وصيغ الفعل العملي القادرة على التموقع في المستوى الذي يمكن أن تحدث فيه المعركة . وإذا كان صحيحا أن أغلب القوى الاقتصادية المهيمنة تتحرك على المستوى العالمي وعبر الأوطان ، فصحيح أيضا أن هناك مكانا فارغا وهو مكان الصراعات العابرة للأوطان ، مكان فارغ نظريا وذلك لأنه غير مفكر فيه ، وهو غير مشغول عمليا لغياب تنظيم عالمي حقيقي للقوى القادرة على مناهضة الثورة المحافظة الجديدة ، على المستوى الأوربي على الأقل .
باريس ، نونبر 1996
****************

(1 ب. شامباني ، " صنع الرأي " ، باريس ، منشورات مينوي ، 1993 .

أسطورة العولمة


أسطورة " العولمة " والدولة الاجتماعية الأوربية *

بقلم : بيير بورديو
عن كتاب : نقيض ـ نار

نسمع اليوم كلاما يقال في كل مكان ، ــ وذاك هو ما يشكل قوة هذا الخطاب المهيمن ــ ، مفاده أن لا شيء يمكن أن يقف موقف المعارض للمنظور النيوليبرالي الذي نجح في أن يقدم نفسه كمنظور بديهي لا بديل له أو عنه . وإذا كان لهذا المنظور كل هذا الانتشار ، فلأن هنالك مجهودا بكامله للغرس والترسيخ الرمزي ساهم فيه بفعالية كل من الصحافيين أو المواطنين العاديين ، وخاصة وبنشاط ، عدد معين من المثقفين . ضد هذه السيطرة المفروضة دوما ، المخاتلة والمخادعة ، والتي تنتج عن طريق التشرب والاختراق اعتقادا حقيقيا ، يبدو لي أن للباحثين دورا يلعبونه في هذا الإطار ؛ فهم يستطيعون أولا تحليل كيفية إنتاج وتغلغل هذا الخطاب : وهنالك انشغال متزايد أكثر فأكثر بإنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا بالوصف الدقيق للإجراءات التي يتم وفقها إنتاج وترويج هذه النظرة للعالم ، وعن طريق سلسلة من التحاليل التي تنسحب في نفس الآن على النصوص والمجلات التي تم نشر هذا الخطاب وفرضه بها رويدا رويدا باعتباره مشروعا ، وكذا عبر الخصائص المميزة لكتابها واللقاءات التي يجتمع من خلالها هؤلاء الأخيرون من أجل إنتاجه . . الخ ، فإن هذه الأشغال أوضحت ، بإنجلترا وفرنسا ، كيف تم إنجاز عمل دائم أشرك لهذا الغرض مثقفين ، صحافيين ورجال أعمال ، من أجل فرض منظور نيو ليبرالي يبدو كما لو أنه ينطلق من ذاته ، منظور يُلبِس من حيث الجوهر العقلنات الاقتصادية الافتراضات الأكثر كلاسيكية للفكر المحافظ لكل الأزمنة ولكل البلدان . إنني أعني بهذا دراسة حول دور مجلة Preuves تم ترويجها ، وهي الممولة من طرف الـ CIA ، من طرف كبار المثقفين الفرنسيين ، والتي خلال ما بين 20 إلى 25 سنة ــ إذ يحتاج الأمر إلى وقت حتى تتحول بعض الأشياء الخاطئة إلى أشياء سليمة ــ أنتجت بدون هوادة ، وضد التيار في البداية ، أفكارا تحولت رويدا رويدا إلى أفكار واضحة (1) . ونفس الشيء حدث بإنجلترا ؛ فالنزعة التاتشرية لم تعرف ميلادها مع السيدة تاتشر ، بل تم إعدادها منذ مدة طويلة من طرف جماعات من المثقفين الذين كانت لديهم ، في غالبيتهم ، منابر بكبريات الجرائد (2) . وأول مساهمة كانت ممكنة للباحثين تمثلت في العمل على نشر هذه التحليلات بصيغ يمكن للجميع الوصول إليها والاطلاع عليهــا .
إن عملية فرض هذه الأفكار التي ابتدأت منذ مدة طويلة لا زالت مستمرة إلى اليوم ؛ فيمكننا أن نلاحظ بانتظام في كل الجرائد الفرنسية ، بشكل متعاقب كل بضعة أيام ، مع بعض التنويعات المرتبطة بموقف كل جريدة على حدة في عالم الجرائــد ، وكما ولو أن الأمر يتعلق بمعجزة ، معاينات وإفادات حول الوضعية الاقتصادية المبهرة للولايات المتحدة وإنجلتـــرا . هذا الضرب من القطرة ـ قطرة الرمزي الذي تساهم فيه النشرات المكتوبة والمتلفزة بصورة كثيفة ــ بشكل لاشعوري في الجزء الأعظم منه لأن غالبية الناس الذين يكررون معطياته يقومون بذلك بشكل برئ ــ يُحدث تأثيرات عميقة الغور ، وهكذا ، وفي نهاية المطاف تقدم الليبرالية الجديدة ذاتها تحت يافطة ما لا يمكن تحاشيه وما ليس منه بد .
ما يتعلق الأمر به هنا هو مجموع من الافتراضات يتم فرضها باعتبارها تنطلق من ذاتها : حيث يتم الاعتراف بأن النمو الأقصى ، وإذن الإنتاجية والمنافسة ، هما الحد النهائي والأوحد للنشاطات البشرية ؛ الحد الذي لا يمكن عنده مقاومة القوى الاقتصادية ، أو أيضا ، وهو افتراض يؤسس كل افتراضات الاقتصاد ، عنده يتم إحداث قطيعة راديكالية في ما بين ما هو اقتصادي وما هو اجتماعي ، هذا المتروك على الهامش والمتخلى عنه للسوسيولوجيين كشكل من أشكال البقايا والمهملات . افتراض مهم آخر يتمثل في المعجم اللغوي الذي يجثم علينا ، القاموس الذي نمتصه حالما نفتح جريدة ما ، حالما نستمع لمحطة إذاعية ، والمصنوع في جوهره من نزعة تلطيف الكلام .
إنني للأسف لا أمتلك مثالا يونانيا ، لكنني أعتقد بأنكم لن تجدوا عناء في العثور عليه . على سبيل المثال بفرنسا لم نعد ننطق أبدا كلمة " الباطرونا " ، إذ نقول بدل ذلك " القوى الحية للأمة " ؛ و لا نتحدث عن عمليات طرد من العمل ، وإنما عن " dégraissage " إزالة الشحم والترهل باستخدام مماثلة رياضية ( فجسم قوي صلد لا بد أن يكون نحيفا ) . وللإعلان عن أن مقاولة ستوظف 2000 شخصا فإن الحديث سيدور عن " برنامج اجتماعي جرئ تنجزه شركة ألكاتيل " . هناك أيضا لعبة بكاملها من المعاني الضمنية والترابطات في ما بين كلمات مثل مرونة ، ليونة وطواعية وخروج عن المألوف التي تنحو نحو جعلنا نعتقد أن الرسالة الليبرالية الجديدة رسالة للتحرير كونية النزعة .
يتوجب في ما يبدو لي أن ندافع عن أنفسنا ضد هذه الدوكسا بإخضاعها للتحليل ومحاولة فهم ميكانيزماتها التي أنتجت وفرضت بها . لكن ذلك لا يكفي ولو أنه في غاية الأهمية ، إلا انه يمكننا أن نقابلها بعدد معين من المعاينات الأمبريقية . في حالة فرنسا ، شرعت الدولة في التخلي عن عدد معين من ميادين العمل الاجتماعي . النتيجة هي كم هائل من الآلام من جميع الأصناف والألوان لم يمسس فقط الأشخاص الذين ألم بهم الفقر المدقع وحدهم . ويمكننا أن نبين أن في جذر المشاكل الملاحظة في ضواحي المدن الكبرى سياسة ليبرالية جديدة للسكن أحدثت بتطبيقها في السبعينيات ( المساعدة " للفرد " ) ميزا اجتماعيا ببروليتاريته السفلى من جهة ، المكونة في جانب هام منها من المهاجرين ، والتي ظلت في كبريات المجموعات جماعية ، ومن جهة أخرى بالعمال الدائمين الحائزين لأجر قار والبورجوازية الصغرى اللذين يشكلان مكونا من مكونات هذه الطبقة في منازل فردية صغيرة اشتروها بقروض أحدثت لديهم إكراهات كبرى . إن هذه القطيعة الاجتماعية تم إقرارها بواسطة إجراء سياسي .
بالولايات المتحدة نشهد ازدواجية للدولة ، دولة تؤمن من جهة ضمانات اجتماعية ، لكن بالنسبة للمحظوظين المطمئنين كفاية بتأمينات وضمانات ، ودولة قمعية بوليسية بالنسبة للشعب . إن ولاية كاليفورنيا ، وهي إحدى أغنى ولايات الولايات المتحدة ــ وقد اعتبرت في لحظة معينة من قبل بعض السوسيولوجيين الفرنسيين جنة لكل الحريات ــ وأكثرها محافظة أيضــــا ، ولاية متمتعة بجامعة هي بدون شك من أكبر الجامعات في العالم ، وميزانية السجون بها هي أعلى منذ سنة 1994 من ميزانية كل الجامعات مجتمعة . في هذه الولاية لم يعرف سود غيتو شيكاغو من الدولة إلا رجل الأمن ، القاضي ، حارس السجن و le parol officier الناطق الرسمي ؛ أي ضابط تنفيذ العقوبات الذي يتوجب الحضور أمامه دائما بانتظام تحت طائلة العودة إلى السجن . إننا هنا بحضرة ضرب من ضروب إنجاز حلم المهيمنين ؛ دولة تتقلص كما أوضح ذلك لويك فاكانت أكثر فأكثر ويتم اختزالها إلى حد ممارسة وظيفتها البوليسية وحدها .
إن ما نراه بالولايات المتحدة وما ترتسم خطوطه الكبرى بأوربا هو سيرورة الانحطاط . عندما ندرس ميلاد الدولة في المجتمعات التي تشكلت لديها قبل غيرها كفرنسا وإنجلترا نلاحظ أولا تمركزا للقوة الفيزيائية وتمركزا للقوة الاقتصادية ـ الإثنان ينطلقان كزوج ؛ فلابد من المال للقدرة على خوض الحروب وللقدرة على ممارسة المهمة البوليسية . . الخ ، و لا بد من وجود قوة البوليس للقدرة على استخلاص الأموال . ثم لدينا تمركز للرأسمال الثقافي ، ثم تمركز للسلطة . إن هذه الدولة بالإيقاع الذي تتقدم به تحوز الاستقلال الذاتي وتضحي جزئيا مستقلة عن القوة الاجتماعية والاقتصادية المهيمنة . وتشرع الدولة في التحول نحو أن تصبح قادرة على تشويه إرادات المهيمن عليهم وتأويلها والإيحاء بالسياسات وإملائها أحيانا .
إن سيرورة نكوص الدولة تجعلنا نرى أن مقاومة عقيدة وسياسة الليبراليين الجدد هي أقوى بكثير في البلدان التي كانت فيها التقاليد الدولتية أقوى وأعمق ، وهذا يفسر بكون الدولة وجدت بصيغتين أو شكلين : وجدت في الواقع الموضوعي على صورة مجموع من المؤسسات كمؤسسات التنظيم والتقنين والمكاتب والوزارات . . الخ ، ووجدت في الأذهان أيضا ، فمثلا في حضن البيروقراطية الفرنسية غداة إصلاح تمويل السكن صارعت الوزارات الاجتماعية الوزارات المالية للدفاع عن السياسة الاجتماعية في مجال السكن . لقد كانت لهؤلاء الموظفين مصلحة في الدفاع عن وزاراتهم ومواقعهم ، ولكن أيضا لأنهم كانوا يؤمنون بها ولأنهم كانوا يدافعون عن قناعاتهم . إن الدولة في كل البلدان هي في جانب معين العلامة الواقعية للفتوحات الاجتماعية ، إن وزارة الشغل هي على سبيل المثال فتح اجتماعي تحول إلى واقع ، حتى إذا كان يمكن أن تكون في بعض الظروف والملابسات أيضا أداة قمع . والدولة توجد أيضا في أذهان الشغالين على صورة الحق الذاتي ( " هذا حقي " ، " لا يمكن أن تعاملوني هكذا " ) ، على صورة التشبث ب " المكتسبات الاجتماعية " . . الخ . مثلا ، أحد أكبر الاختلافات في ما بين فرنسا وإنجلترا يتمثل في كون الإنجليز المتتشرين ( نسبة للسيدة تاتشر ) اكتشفوا أنهم لم يقاوموا بالشكل الذي كان بإمكانهم أن يقاوموا في جزئهم الأعظم لأن عقدة الشغل كانت عقدة ودية Common Low وليس كما هو الشأن في فرنسا اتفاقا مضمونا من طرف الدولة . واليوم بشكل مفارق ، وفي اللحظة التي يتم فيها بأوربا القارية مدح النموذج الإنجليزي ، في اللحظة ذاتها ينظر الشغالون الإنجليز إلى القارة فيكتشفون أنها توفر أشياء لا يوفرها لهم تقليدهم العمالي ، أي حق وقانون الشغل .
إن الدولة في الحقيقة واقع ملتبس . ولكن يمكن الاكتفاء بالقول إنها أداة في خدمة المهيمِنين . ليست الدولة بدون شك محايدة كليا ، مستقلة كليا عن المهيمنين ، لكن لها استقلالا ذاتيا هو من الكبر بقدر ما هو عريق ، بقدر ما أنها أقوى وأنها سجلت مدوِّنةً في بنياتها فتوحات اجتماعية أكثر أهمية . . الخ . إنها فضاء الصراعات ( على سبيل المثال في ما بين الوزارات المالية والوزارات المستهلِكة المكلفة بالمشاكل الاجتماعية ) . ولمقاومة انحطاط الدولة ؛ أي مقاومة نكوص الدولة وتراجعها صوب أن تصير دولة عقابية مكلفة بالقمع ومضحية رويدا رويدا بالوظائف الاجتماعية ؛ التعليم ، الصحة ، المساعدة . . الخ ، تستطيع الحركة الاجتماعية أن تجد دعما من لدن المسؤولين عن الملفات الاجتماعية المكلفين بتقديم المساعدة للعاطلين لمدة طويلة ، الذين يقلقون من القطائع التي تلحق التماسك الاجتماعي ومن البطالة . . الخ والذين يعترضون على رجال المال الذين لا يريدون الاعتراف إلا بإكراهات " الشمولية " ومكانة فرنسا في العالم .
لقد تحدثت عن " الشمولية " ، وهي أسطورة بالمعنى التام للكلمة ، خطاب قوي ، " فكرة ـ قوة " ، فكرة لها قوة اجتماعيــة ، فكرة استطاعت جعل الناس يؤمنون بها ؛ إنها السلاح المركزي في الصراع ضد مكتسبات Welfar State : فالشغالون الأوربيون ، كما يقال ، عليهم أن يعادوا الشغالين الأقل حظوة في بقية مجموع العالم ، ويُقدَّمُ للشغالين في هذا الإطار مثال البلدان التي يعتبر الأجر الأدنى بها غير موجود إطلاقا ، وحيث يشتغل العمال 12 ساعة يوميا مقابل أجور تتراوح ما بين ¼ و 1/15 من الأجر الأوربي ، وحيث لا وجود للنقابات ، وحيث يتم تشغيل الأطفال . . الخ . وباسم مثال أو نموذج كهذا يتم فرض المرونة ، وهي كلمة /مفتاح آخر لليبرالية ؛ أي العمل الليلي والعمل في نهاية الأسبوع ( أيام العطل ) وساعات العمل غير المنتظمة ، وكثير من الأشياء المرسومة منذ الأبد في أحلام الباطرونا . وبشكل عام فإن الليبرالية الجديدة تستعيد من خلال المظاهر الخارجية لرسالة أكثر تأنقا وأكثر حداثة أكثر الأفكار قدما لأقدم أصناف الباطرونا ، ( وقد عرضت مجلات بالولايات المتحدة لائحة هؤلاء الباطرونات المثيرين الذين صُنِّفوا ورتبوا ، كما هو شأن أجورهم بالدولار ، تبعا لعدد الأشخاص الذين كانت لديهم شجاعة تسريحهم من أعمالهم ) . تلك سمة خاصة بالثورات المحافظة ، ثورات الثلاثينيات بألمانيا ، وثورات أتباع تاتشر ، ريغان وآخرين ، تتمثل في تقديم الإصلاحات باعتبارها ثورات . وتتخذ الثورة المحافظة اليوم شكلا غير مسبوق : ولا يتعلق الأمر ، كما في أوقات سابقة ، باستدعاء ماض مؤمثل عبر الإشادة بالأرض والدم ، وهي الموضوعات المهجورة للميثولوجيات الأرضية القديمة . إن هذه الثورة المحافظة من النمط الجديد تطالب بالتقدم ، بالعقل وبالعلم ( الاقتصاد بالمناسبة ) لتبرير الإصلاح ، وتحاول أن تحيل على النسيان الفكر والنشاط التقدميان . إنها تؤسسُ على شكل معايير لكل النشاطات العملية ، وإذن على شكل قواعد مثالية الانتظامات الحقيقية للعالم الاقتصادي المتروك لمنطقه ، للقانون المسمى سوقًا‍ ، أي قانون الأقوى . إنها تقر وتنتصر لسيادة ما يسمى الأسواق المالية ؛ أي عودةً لنوع من الرأسمالية الجذرية بدون أي قانون آخر ما عدا قانون الربح الأقصى ، رأسمالية بدون فرامل ولا مساحيق ، وإنما هي معقلنة ومدفوعة إلى حدود فعاليتها الاقتصادية عبر إدماج الصيغ الحديثة للهيمنة كالتسيير الإداري وتقنيات المعالجة كالبحث عن الأسواق ، الماركيتينغ والإشهار التجاري .
وإذا كان من الممكن لهذه الثورة المحافظة أن تخدعنا ، فلأنه لم يعد لها ظاهريا شيء من الغابة ـ السوداء البدوية القديمة للثوريين المحافظين زمن الثلاثينيات ؛ إنها تتزين بكل علامات ومساحيق الحداثة . ألم تأت من شيكاغو ؟ ..منذ قال جاليلي إن عالم الطبيعة مكتوب بلغة رياضية ؟ ... اليوم يراد التمكن من جعلنا نعتقد أن العالم الاقتصادي والاجتماعي هو الذي يصاغ على شكل معادلات ، وأنه بالتسلح بالرياضيات ( والسلطة الإعلامية ) أصبحت النيوليبرالية الشكل الأعلى والأقصى ل sociodicée للتبرير النظري المحافظ التي يعلن عن ذاته منذ ثلاثين سنة تحت عنوان " نهاية الإيديولوجيات " ، أو بشكل أكثر قربا زمنيا تحت عنوان " نهاية التاريخ " .
من أجل مقاومة أسطورة " العولمة " التي تتحدد وظيفتها الأساس في جعلنا نقبل إصلاحا يعيد بعث الروح في ما كان، ينجز عودة لرأسمالية متوحشة ، لكنها معقلنة و لاأخلاقية ؛ تعتبر العودة للوقائع واجبة . وإذا ما ألقينا نظرة على الإحصائيات فإننا سنلاحظ أن المنافسة التي يتحملها الشغالون الأوربيون هي في جوهرها ما بين ـ أوربية . وحسب المصادر التي أستعملها فإن % 70 من المبادلات الاقتصادية للأمم الأوربية تقوم مع بلدان أوربية أخرى . وبإلقاء وتسليط الضوء على التهديد الخارج ـ أوربي تم إخفاء أن الخطر المركزي يتشكل من خلال المنافسة الداخلية للبلدان الأوربية وما يسمى أحيانا الإغراق الاجتماعي le sociale dumping : تستطيع البلدان الأوربية ذات الحماية الاجتماعية الضعيفة والأجور المنخفضة أن تستفيد من مزاياها في إطار المنافسة ، لكن بجر بلدان أخرى نحو القاع ، هذه البلدان المكرهة أيضا ، من أجل ضمان البقاء ، على التخلي عن المكتسبات الاجتماعية ، وهو ما يستلزم أنه للإفلات من هذه الدوامة الحلزونية ، فإن لشغالي البلدان المتقدمة مصلحة في الانضمام لشغالي البلدان الأقل تقدما من أجل الحفاظ على مكتسباتهم ومن اجل إنجاح تعميمها على كل الشغالين الأوربيين ( وهو ما ليس هينا بفعل الاختلافات في مجال التقاليد الوطنية ، وبالخصوص في وزن النقابات بالمقارنة مع الدولة وفي مجال أنماط تمويل الحماية الاجتماعية ) .
لكن هذا ليس كل شيء ؛ هناك أيضا تأثيرات السياسة النيوليبرالية التي يمكن لكل واحد منا أن يعاني منها . وهكذا ، فإن عددا معينا من البحوث الإنجليزية أوضحت أن السياسة التاتشرية تطلبت غيابا كبيرا للإحساس بالأمان وشعورا بخطر محدق وكاسح ، أولا لدى الشغالين اليدويين ، ولكن أيضا في أوساط البورجوازية الصغيرة . ويلاحظ بالضبط نفس الشيء بالولايات المتحدة حيث نجدنا بحضرة تعدد لمناصب الشغل المؤقتة والمتدنية الأجر ( والتي تخفض بشكل مصطنع معدل البطالة ) . إن الطبقات الأمريكية الوسطى التي يجثم عليها التهديد بالتسريح المفاجئ تعرف انعداما رهيبا للأمان ( وتجعلنا بذلك نكتشف أن المهم في منصب شغل ليس هو العمل والأجر فقط اللذين يوفرهما وإنما الأمان والطمأنينة اللذين يضمنهما ) . إن نسبة الشغالين المؤقتين في كل البلدان تتعاظم بالمقارنة مع الساكنة العاملة الرسمية والدائمة . إن الهشاشة ، أي جعل العمل هشا ومرنا تؤدي إلى فقدان المزايا الضعيفة ( الموصوفة غالبا بكونها امتيازات ل " الفقراء " ) التي من شأنها أن تعوض الأجور الضعيفة ؛ كالعمل الدائم وضمانات الصحة والتقاعد . وتقود الخوصصة من جهتها نحو فقدان المكتسبات الاجتماعية ؛ في حالة فرنسا على سبيل المثال ¾ من الشغالين المستخدمين حديثا تم تشغيلهم بصفة مؤقتة ، والربع فقط من الـ ¾ هذه سيتحولون إلى شغالين دائمين . وبديهي أن هؤلاء الشغالين الجدد هم شباب ، وهو ما يجعل أن انعدام الأمان هذا يضرب أول ما يضرب فئة الشباب ، يحدث ذلك بفرنسا ــ ( وقد عاينا ذلك أيضا في كتابنا بؤس العالم ) وبإنجلترا أيضا حيث الرهاب لدى الشباب يصل إلى القمة ، إلى جانب نتائج وتبعات كالانحلال والإجرام وظواهر أخرى جد مكلفة .
لهذا ينضاف اليوم تدمير القواعد الاقتصادية والاجتماعية للمكتسبات الإنسانية الناذرة . إن الاستقلال الذاتي لعوالم الإنتاج الثقافي إزاء السوق الذي لم يتوقف عن التعاظم بفضل صراعات وتضحيات كتاب وفنانين وعلماء هو اليوم مهدد أكثر فاكثر . إن سيادة " التجارة " و " التجاري " تفرض ذاتها كل يوم أكثر على الأدب ، خصوصا عبر تمركز أكبر يتم إخضاعه مباشرة أكثر فاكثر لإكراهات الربح الفوري ، كما تفرض هذه السيادة ذاتها على النقد الأدبي والفني المتروكين لأكبر خدام مجال النشر انتهازية ــ أو للمتواطئين معهم عبر عمليات التسريح بواسطة المصاعد ــ وعلى السينما خاصة ( ويمكننا أن نتساءل عن ما سيتبقى خلال عشر سنوات من سينما للبحث الأوربي إذا لم يتم فعل أي شيء من أجل تمكين المنتجين الطليعيين من وسائل الإنتاج وخصوصا ربما من وسائل التوزيع ) ، بدون أن نتحدث عن العلوم الاجتماعية المحكوم عليها بالخضوع الاستعبادي للتعاليم التي تخدم المصالح المباشرة لبيروقراطيات المقاولات أو الدولة أو تلك الناجمة عن موت مراقبة السلطات التي يحل محلها المال أو ذوي المصالح الانتهازية .
وإذا كانت الشمولية قبل كل شيء أسطورة للتبرير ، فهناك حالة تعتبر فيها واقعية تماما ، وهي حالة الأسواق المالية ؛ فبفضل خفوت عدد معين من أشكال المراقبة القانونية وتحسن وسائل الاتصال الحديثة التي تقود نحو انخفاض كلفة الاتصال ، فإن التوجه الآن هو توجه نحو سوق مالية موحدة ، وهو ما لا يعني أنها منسجمة . وهذه السوق المالية مهيمن عليها من طرف اقتصادات معينة ؛ أي من طرف البلدان الأغنى ، وبخاصة البلدان التي تستعمل عملتها كعملة احتياط عالمية ، تلك التي تستحوذ تبعا لذلك بداخل هذه الأسواق المالية على هامش حرية أرحب . إن السوق المالي حقل يحتل فيه المهيمنون ؛ أي الولايات المتحدة في هذه الحالة الخاصة ، موقعا هو من النفاذ بحيث يتمكن هؤلاء المهيمنون من تحديد قواعد لعب هذه الأسواق في جانبها الأعظم . إن هذا التوحيد للأسواق المالية حول عدد معين من الأمم الحائزة لموقع الهيمنة يحدث إقلالا من الاستقلال الذاتي للأسواق المالية الوطنية . إن رجال المال الفرنسيين ومفتشي المالية الذين يقولون لنا بأنه يتوجب الخنوع والخضوع للضرورة ، ينسون أن يخبرونا بأنهم شركاء هذه الضرورة وبأن الدولة الوطنية الفرنسية هي التي تستقيل من مهامها عبرهم وبواسطتهم .
وباختصار ، فليست الشمولية تحقيقا للتجانس ، وإنما هي على العكس من ذلك امتداد لنفوذ وسلطان عدد صغير من الأمم المهيمنة على مجموع المواقع المالية الوطنية (في الأوطان ) . وينتج عن ذلك إعادة تحديد جزئية لتقسيم العمل الدولي يتحمل الشغالون الأوربيون نتائجها ، إلى جانب تحويل الرساميل والصناعات على سبيل المثال نحو البلدان ذات اليد العاملة الرخيصـة . إن سوق رأس المال العالمي هذه تنحو نحو الإنقاص من الاستقلال الذاتي لأسواق الرأسمال الوطني ، ونحو فرض الحظر بشكل خاص على التحكم من طرف الدول الوطنية في معدلات الصرف ونسب الفائدة التي يتم تحديدها أكثر فأكثر من قبل سلطة ممركزة في أيدي عدد قليل من البلدان . إن السلطات الوطنية معرضة لخطر هجمات المضاربة من قبل وكالات مزودة بأموال طائلة قادرة على إحداث إنقاص في قيمة العملة ، وحكومات اليسار هي بداهة مهددة بشكل خاص ، وذلك لأنها تستثير حذر وريبة الأسواق المالية ( إن حكومة يمين تمارس سياسة متطابقة نسبيا مع مُثل صندوق النقد الدولي FMI معرضة لخطر أقل من حكومة يسارية حتى ولو مارست سياسة متطابقة تماما مع مثل هذا الصندوق ) . إن بنية الحقل العالمي هي التي تمارس إكراها بنيويا ، وهو ما يضفي على الميكانيزمات مظهرا قدريا ، والسياسة الخاصة لدولة ما هي محددة بشكل واسع من قبل وضعيتها بداخل بنية توزيع الرأسمال المالي ( الذي يحدد بنية الحقل الاقتصادي العالمي ) .
فما الذي يمكن فعله في حضرة هذه الميكانيزمات ؟ .. يتوجب التفكير أولا في الحدود الضمنية والمستترة التي تقبلها النظرية الاقتصادية ، والنظرية الاقتصادية لا تأخذ في الحسبان ، في إطار تقدير تكاليف سياسة ما ، ما ندعوه التكاليف الاجتماعية . إن السياسة السكنية التي قررها جيسكار ديستانغ على سبيل المثال سنة 1970 استلزمت تكاليف اجتماعية على المدى الطويل لم تبد مظهريا حتى كذلك ، وذلك لأننا لا نجد ، باستثناء السوسيولوجيين ، من يتذكر ذلك بعد عشرين سنة من هذا الإجراء . فمن يتذكر ذلك ؟ .. ومن أعاد ربط فتنة سنة 1990 بضاحية من ضواحي ليون بقرار سياسي يعود لسنة 1970 ؟ .. إن الجرائم تظل بدون عقاب لأن النسيان يقبرها . يتوجب أن تلح كل القوى الاجتماعية النقدية على عدم الفصل والتهميش في الحسابات الاقتصادية للتكاليف الاجتماعية للقرارات الاقتصادية . كم سيكلف ذلك على المدى الطويل من فساد وآلام وأمراض وحالات انتحار وإغراق في الكحول واستهلاك للمخدرات ، ومن عنف بداخل الأسر . . الخ . وكثير من الأشياء التي تكلف غاليا ماليا ومعاناة وآلاما أيضا ؟ .. اعتقد أنه يجب ، حتى ولو بدا ذلك لاأخلاقيا بالمرة ، أن نقلب ضد الاقتصاد المهيمن أسلحته الخاصة ذاتها ، وأن نتذكر أن السياسة المحض اقتصادية ليست بالضرورة بداخل منطق الربح المتضمن فيها طبعا اقتصادية ــ في مجال أمن الأشخاص والممتلكات ، وإذن في مجال التمدن والتحضر . . الخ . وبدقة أكبر يتوجب أن نضع موضع التساؤل بشكل جذري المنظور الاقتصادي الذي يفردن كل شيء ، الإنتاج كما العدالة أو الصحة ، التكاليف كما الأرباح ، والذي ينسى أن الفعالية التي يمنحها تعريفا ضيقا ومجردا بجعلها تُماهي ضمنيا المردودية المالية ، تتوقف بطبيعة الحال وبداهة على غايات يتم قياسها ، مردودية مالية بالنسبة للمساهمين والمستثمرين كما هو الحال اليوم ، أو إشباعا وإرضاء للزبناء والمستعملين ، أو بشكل واسع إشباعا ومتع حياة للمنتجين والمستهلكين ، وهكذا من جيب إلى جيب آخر لأكبر عدد ممكن . في مواجهة هذا الاقتصاد الضيق والقصير النظر ، يجب أن نقيم " اقتصادا للسعادة " يأخذ علما بجميع الأرباح ، فردية كانت أم جماعية ، مادية أم رمزية مرتبطة بالنشاط (كالأمان مثلا ) ، وأيضا بكل التكاليف المادية والرمزية المرتبطة بالعطالة وانعدام النشاط أو الموسمية ( مثلا، استهلاك الأدوية : حيث تحقق فرنسا رقما قياسيا في استهلاك المهدئات ) . لا يمكننا أن نتحايل على " قانون الحماية من العنف " : فكل عنف يُؤدَّى ثمنه ؛ العنف البنيوي الذي تمارسه الأسواق المالية على سبيل المثال بأشكال من الفساد والخلاعة والموسمية ، نجد مقابله على المدى الطويل نسبيا على صورة انتحارات و انحرافات ، جرائم ومخدرات ، إغراقا في الكحول وأشكال عنف يومية كبيرة كانت أم صغيرة .
يجب على الصراعات النقدية لدى المثقفين والنقابات والجمعيات ، في الحالة الراهنة ، أن تتصدى كأولوية لذبول وتحلل الدولة ؛ فالدول الوطنية ملغومة من الخارج من قبل القوى المالية ، وهي ملغومة من الداخل من قبل أولئك الذين يجعلون من أنفسهم شركاء متواطئين مع هذه القوى المالية ؛ أي رجال المال وكبار موظفي المالية . . الخ . وأعتقد أن للمهيمن عليهم مصلحة في الدفاع عن الدولة ، الدفاع بالخصوص عن بعدها الاجتماعي . و لا يتم استلهام هذا الدفاع عن الدولة من النزعة الوطنية . وإذا كان من الممكن مصارعة الدولة الوطنية ، فإن الدفاع عن الوظائف " الكونية " التي تؤديها ، والتي يمكن أن تتم تأديتها ربما بشكل أفضل من طرف دولة فوق ـ وطنية . وإذا كان لا يراد أن يكون البونديسبانك هو الذي يحكم السياسات المالية لمختلف الدول عبر معدل الفائدة ، فهلا يتوجب الصراع من أجل بناء دولة فوق ـ وطنية مستقلة ذاتيا نسبيا بالمقارنة مع القوى الاقتصادية العالمية والقوى السياسية الوطنية ، وقادرة على تنمية البعد الاجتماعي للمؤسسات الأوربية ؟ .. فلن تأخذ على سبيل المثال الإجراءات المستهدِفة للإنقاص من مدة الشغل كامل معناها إلا إذا تم اتخاذها من طرف مؤسسة أوربية وكانت قابلة للانسحاب على مجموع الأمم الأوربية .
لقد كانت الدولة تاريخيا قوة للعقلنة ، لكنها وضعت في خدمة القوى المهيمنة . ولتحاشي أن تكون كذلك لم يكن كافيا التمرد على تكنوقراطيي بروكسيل . لقد توجب ابتكار أممية جديدة ، على الأقل على المستوى الجهوي لأوربا ، استطاعت أن توفر بديلا للنكوص الوطني الذي هدد بفعل الأزمة ، قليلا أو بما فيه الكفاية ، كل البلدان الأوربية . لقد تعلق الأمر ببناء مؤسسات من شأنها أن تكون قادرة على مراقبة وضبط قوى السوق المالي ذاك ، وإقرار ما يعبر عنه الألمان بلفظة عجيبة هي regrezionsverbot ، أي إقرار تحريم للنكوص والتراجع عن المكتسبات الاجتماعية على المستوى الأوربي . ولهذا الغرض ، فمما لا يمكن التخلي أو التقاعس عنه هو أن تتحرك المنظمات النقابية فاعلة على هذا المستوى الفوق ـ وطني ؛ وذلك لأن القوى التي تحاربها تتحرك في هذا المجال . إذن ، فمحاولة خلق القواعد التنظيمية لأممية نقدية حقيقية قادرة على الاعتراض الحقيقي على النيوليبيرالية هي محاولة واجبة ولا مناص منها .
نقطة أخيرة وهي : لماذا نجد المثقفين غامضين بخصوص كل هذا ؟ .. إنني لا أنوي إعادة تناول المسألة لأن ذلك سيحتاج لوقت طويل وسيكون عملا وحشيا تعداد جميع صور الاستقالة ، أو ما هو أفظع من ذلك ، جميع صور التواطؤ . سأستدعي فقط مناظرات الفلاسفة الذين نعتوا أنفسهم بالحداثيين أو ما بعد الحداثيين ؛ أولئك الذين عندما لا يكتفون بترك الحبل على الغارب للأمور وهي تجري ، ينشغلون بكونهم ، بفعل لعبهم المدرسي ، ينغلقون بداخل عمل دفاعي لفظي للعقل وللحوار العقلاني ، أو أفدح من ذلك ، يقترحون تنويعا يسمى ما بعد الحداثة ، هو بالفعل " جذرية متأنقة " لإيديولوجية نهاية الإيديولوجيات ، إلى جانب إدانة روايات الوقائع الكبرى أو التشهير العدمي بالعلم .
وبالفعل ، فإن قوة الإيديولوجية النيوليبيرالية تتمثل في كونها تستند إلى ضرب من ضروب الداروينية الاجتماعية الجديدة : ف " أفضل الناس وأكثرهم ذكاء " هم الذين ينتصرون كما يقال بهارفارد ( بيكر ، جائزة نوبل في الاقتصاد : طور الفكرة التي مؤداها أن النزعة الداروينية هي أساس الكفاية في الحساب العقلاني التي تعيرها لرجال الاقتصاد ) . خلف النظرة العالمية النزعة لأممية المهيمنين هناك فلسفة للكفاءة حسبها يعتبر أن من يحكم هم أكثر الناس كفاءة ، وهم الذين يحوزون عملا ، وهو ما يلزم عنه أن أولئك الذين ليس لديهم عمل هم أناس غير أكفاء . هناك الناجحون les winners ، وهناك الفاشلون les losers ، هناك النبالة ؛ وهي ما أسميه نبالة الدولة ؛ أي هؤلاء الأشخاص الذين تتجمع لديهم كل خصائص النبالة بالمعنى القروسطي للفظ ، والذين يدينون بسلطتهم لتربيتهم وتعليمهم ؛ أي يدينون من وجهة نظرهم للذكاء المتصور هنا كما لو كان هبة من السماء ، وهو الذي نعرف عنه أنه يوزع في الواقع من طرف المجتمع ، كما نعرف أن أشكال التفاوت في الذكاء هي أشكال تفاوت اجتماعية . إن إيديولوجيا الكفاءة صالحة تماما لتبرير تعارض يشبه قليلا تعارض السادة والعبيد : من جهة بمواطنين كاملي المواطنة ، يتمتعون بكفاءات ومناشط جد ناذرة وباهظة الأجر ، هم في مستوى اختيار مشغليهم ( في حين أن الآخرين يُختارون من طرف مشغليهم في أفضل الحالات ) ، وهم في مستوى الحصول على أكبر مدخول في سوق الشغل العالمي ، وهم مشغولون بالزائد رجالا ونساء( وقد قرأت دراسة إنجليزية جد رائعة حول هؤلاء الأزواج من الأطر المجانين الذين يقطعون العالم طولا وعرضا وينطون من طائرة لأخرى وينعمون بمداخيل تصيب بالهلوسة والدوار ، مداخيل لا يحلمون حتى بصرفها خلال أربع حيوات . . الخ ) ثم ، ومن جهة أخرى ، حشد من البشر منذور لمناصب شغل مؤقتة أو للبطالة .
لقد قال ماكس فيبر إن المهيمنين هم في حاجة دائما ل " théodicé مزاياهم " أي تبريرها إلهيا ( أي اعتبار الفوارق بين الناس راجعة لعدالة إلهية لا تقبل المراجعة ـ المترجم ) أو أفضل من ذلك هم في حاجة ل sociodicé هذه الامتيازات ، أي لتبرير نظري لواقع أنهم محظوظون . إن الكفاءة اليوم توجد في قلب هذه ال sociodicé المقبولة بطبيعة الحال من طرف المهيمنين ـ فتلك مصلحتهم ـ ولكنها مقبولة أيضا من طرف الآخرين . في خضم فقر المقصيين من الشغل ، في خضم بؤس العاطلين لمدة طويلة ، هناك شيء زائد عما كان في الماضي . إن الإيديولوجية الأنجلو ـ ساكسونية الموسومة بالوعظية دائما بعض الشيء ، تميز الفقراء اللاأخلاقيين عن les deserving-poor ــ الفقراء المستحقين ـ الذين تجوز فيهم الصدقة . لهذا التبرير الأخلاقي جاء لينضاف أو ينوب تبرير ثقافي ( فكري ) ؛ فليس الفقراء فقط لاأخلاقيين ، متعاطيي كحول وفاسدين ؛ إنهم أغبياء وغير أذكياء أيضا . في خضم المعاناة الاجتماعية يتدخل في جزئه الأعظم فقر العلاقة بالمدرسة الذي لا يرسم فقط المصائر الاجتماعية وإنما أيضا الصورة التي يكونها الناس عن هذا المصير ( وهو ما يساهم بدون شك في تفسير ما نسميه انفعالية ـ أو مفعولية ـ المهيمن عليهم وصعوبة تعبئتهم . . الخ ) . لقد كان لأفلاطون منظور للعالم الاجتماعي يشبه منظور تكنوقراطيينا ، فهذا العالم مكون من الفلاسفة والحراس ثم الشعب . وهذه الفلسفة مدونة ومندرجة ، في حالتها الضمنية ، في النظام المدرسي . وبوصفه جد قوي فهو مستوعب ومستبطن بشكل جد عميق . لماذا انتقلنا من المثقف الملتزم إلى المثقف " المستقيل " ؟ .. جزئيا لأن المثقفين ممسكون بالرأسمال الثقافي ، ولأنهم ولو أنهم مهيمن عليهم ضمن المهيمنين ، فهم جزء من المهيمنين ؛ ذاك أحد أسس اجتماع الضدين فيهم وأحد أسس التزامهم الملطف في خضم الصراعات . إنهم يساهمون بشكل غير واضح في إيديولوجيا الكفاءة هاته ، وعندما يثورون ، فإن ذلك يشبه مرة أخرى ما حدث سنة 1933 بألمانيا ، وذلك لأنهم يقدرون أنهم لن يحصلوا على ما يستحقونه بالنظر لكفاءتهم المضمونة من طرف ديبلوماتهم .

أثينا ، أكتوبر 1996 .
---------------------------------------------
(1)ب.جريموان ، Preuves ، مجلة أوربية بباريس ، باريس ، جوليار 1989 و " ذكاء نقيض الشيوعية " ، المؤتمر من أجل حرية الثقافة بباريس ، باريس ، فايار ، 1995 .
(2) ك. ديكسون : " Les évangilistes du marché " ليبر ، 32 شتنبر 1997 . ص ص 6-5 ؛ س.باش و س.بينيريس : " Les premiers pas de la société du Mont-Pélerin ou les dessous chics du neoliberalisme " الحوليات ( إنشاء العلوم الاجتماعية كمباحث أكاديمية ) . 8 .1997 . ص ص 216-191 .
(3) cf . ب . بورديو : " عنصرية الذكاء " في أسئلة السوسيولوجيا ، باريس ، منشورات مينوي ، 1980 ، ص ص : 268 - 264 .

الليبرالية الجديدة واليوتوبيا



الليبرالية الجديدة ، يوتوبيا (في طريقها للتحقق )لاستغلال بدون حدود

بـقلم : بيير بورديو


عـــن : نقيض ـ نار [ نصوص للمساهمة في مناهضة المد النيوليبرالي ]
ماي 98 .

هل عالم الاقتصاد حقيقة ، كما يريده الخطاب المهيمن ، نظام خالص ومتسم بالكمال ، مروج باقتدار تام لمنطق نتائجه المتوقعة وعاجل في كبث كل أشكال النقص والخصاص عن طريق التدابير والعقوبات التي يفرضها سواء بطريقة أوتوماتيكية أو ، بشكل أكثر استثنائية ، عن طريق ذراعه المسلحة المتمثلة في الـ FMI أو الـ OCDE والسياسات القاسية التي يفرضانها ، والمتمثلة في تخفيض كلفة اليد العاملة والإنقاص من المصاريف العمومية وجعل الشغل مرنا ؟ .. ماذا لو لم يكن في الواقع إلا التطبيق العملي ليوتوبيا معينة ؛ فالليبرالية الجديدة تحولت أيضا إلى برنامج سياسي ، إلا أنها يوتوبيا توصلت إلى الاعتقاد ، بمساعدة النظرية الاقتصادية التي تعلن عنها وتطالب بها ، بأنها وصف علمي للواقع ؟ ..
إن هذه النظرية الواصية هي محض خيال رياضي مؤسس من الأصل على تجريد تام ( لا يقبل الاختزال كما يريد أن يعتقد ذلك الاقتصاديون المنافحون عن حق التجريد الذي لا مناص منه إلى التأثير المؤسس لكل مشروع علمي ، ولبناء الشيء ( الموضوع ) كاستيعاب أو إدراك اختياري مقصود للواقعي ) : ذاك الذي يتمثل باسم تصور ضيق كما هو صارم للعقلنة المشبهة تماما بالعقلنة الفردية ، في وضع الشروط الاقتصادية والاجتماعية للإجراءات العقلانية بين قوسين ( وبالخصوص الإجراء الحسابي المطبق على الأشياء الاقتصادية الذي هو في أساس المنظور الليبرالي الجديد ) وللبنيات الاقتصادية والاجتماعية التي هي شرط ممارسته ، أو بدقة أكبر ، شرط إنتاج وإعادة إنتاج إجراءاته وبنياته . يكفي أن نفكر ، حتى نعطي صورة عن مقدار التغييب والإهمال ، في نظام التعليم وحده الذي لم يؤخذ في الحسبان أبدا بوصفه كذلك ، في الوقت الذي يلعب فيه دورا محددا وأساسيا سواء في مجال إنتاج الخيرات والخدمات أو في مجال إنتاج المنتجين . من هذا الضرب من الخطيئة الأصلية ، المدونة في الأسطورة الوالراسية لـ " النظرية الخالصة " ، تنحدر كل نواقص وعيوب المبحث الاقتصادي و العناد والتصلب القدري الذي بفعله يتشبث بالتعارض التعسفي الذي يوجده بفعل مجرد وجوده وتواجده في ما بين المنطق الاقتصادي الخالص المؤسس على المنافسة والحامل للفعالية ، والمنطق الاجتماعي المخضع لقاعدة الإنصاف .
معنى هذا أن لدى هذه " النظرية " المفرغة من محتواها الاجتماعي منذ الأصل ، وكذا من بعدها التاريخي اليوم أكثر من أي وقت مضى ، وسائل تحويل ما تريده وترغب فيه إلى حقيقة وقابلا للتحقق تجريبيا . وبالفعل ، فالخطاب الليبرالي الجديد ليس خطابا كالخطابات الأخرى ؛ فعلى طريقة الخطاب التحليلي ـ النفسي في المعزل l'asile حسب إرفينغ گوفمان ، هو " خطاب مثين " ليس بهذه القوة وصعوبة المقاومة إلا لأنه يحوز كل قوى عالم من موازين القوى التي تسهم في جعله كما هو ، وبخاصة من خلال توجيه الاختيارات الاقتصادية لأولئك الذين يهيمنون على العلاقات الاقتصادية ، ومن ثمة بإضافة قوته الذاتية المحض رمزية لموازين القوى تلك (1) . وباسم هذا البرنامج العلمي للمعرفة المحول إلى برنامج سياسي للفعل يتم إنجاز " عمل سياسي " هائل وشاسع (مستنكر ما دام ذا مظهر سلبي خالص ) يستهدف خلق شروط تحقيق واشتغال " النظرية " ؛ برنامج تدمير منهجي للجماعات ( فالاقتصاد الكلاسيكي الجديد لا يريد أن يعترف إلا بالأفراد سواء تعلق الأمر بمقاولات أو نقابات أو أسر ) .
إن التحرك نحو يوتوبيا ليبرالية جديدة لسوق خالصة وكاملة ، والذي أضحى ممكنا بفعل سياسة التحرير المالي ، يُنجز عبر النشاط المحول ، ويجب أن نقول ، عبر النشاط " التدميري " لكل الإجراءات السياسية ( والتي يعتبر l'AMI [ الاتفاق المتعدد الأطراف حول الاستثمار ] أقربها زمنيا ، وهو المخصص والموجه لحماية المقاولات الأجنبية واستثماراتها من الدول الوطنية ) المستهدفة لأن تضع موضع التساؤل كل البنيات الجماعية الكفيلة بوضع عائق أمام منطق السوق الخالصة ، والمتمثلة في : " أمة " لم يتوقف هامش تحركها عن التناقص ، وعلى سبيل المثال " فرق عمل " مع فردنة الأجور والمناصب تبعا للكفاءة الفردية وتشتت العمال الناجم عنه ، " جماعات الدفاع " عن حقوق العمال ، نقابات ، جمعيات ، تعاونيات ؛ " أسر " حتى ، تلك التي تفقد جراء تشكيل الأسواق حسب فئات الأعمار جزءا من سيطرتها على الاستهلاك . ولكون البرنامج الليبرالي الجديد يمستمد قوته الاجتماعية من القوة السياسية والاقتصادية لأولئك الذين يعبر عن مصالحهم ؛ مساهمين ، فاعلين ماليين ، صناعيين ، رجال سياسة محافظين أو اجتماعيين ديمقراطيين متحولين إلى الاشتغالات المطمئنة لدعه يعمل ؛ كبار موظفي المالية الأكثر تهالكا بنفس القدر لفرض سياسة مشيدة بثمن النتائج احتمالا ، فإن هذا البرنامج ينحو شموليا أو كليا نحو تغليب القطيعة في ما بين الاقتصاد والحقائق الاجتماعية ، وكذلك نحو البناء في الواقع لنظام اقتصادي مطابق للتوصيف النظري ، أي نوعا من آلة منطقية تفرض ذاتها كما لو كانت سلسلة من الإكراهات التي تقود الفاعلين الاقتصاديين رغما عنهم .
إن عولمة الأسواق المالية منضافة إلى تقدم تقنيات الإعلام تضمن حركية غير مسبوقة للرساميل وتوفر للمستثمرين ( أو المساهمين ) المهمومين بمصالحهم الفورية ، أي بمردودية استثماراتهم على المدى القصير ، إمكانية المقارنة في أية لحظة لمردوديات كبريات المقاولات ومعاقبة حالات الفشل بالتالي بالعلاقة معها . والمقاولات ذاتها الرازحة تحت تهديد دائم كهذا مطالبة بالتكيف والتلاؤم بطريقة أكثر فأكثر سرعة مع مطالب وإكراهات السوق ، وذلك تحت طائلة " فقدان ثقة الأسواق كما يقال عادة " ، وفي نفس الآن فقدان دعم المساهمين الذين هم قادرون أكثر فأكثر بوصفهم مهمومين بالحصول على مردودية في أقصر مدة ، على فرض إرادتهم على " المسيرين " وإملاء المعايير عبر التوجيهات المالية ، وعلى توجيه سياساتهم في مجال التشغيل والتوظيف والأجور . هكذا تتشيد سيادة المرونة المطلقة من خلال التوظيف بعقود ذات مدى زمني محدد حيث فترات الإنابة و " المخططات الاجتماعية " المتكررة وإعمال المنافسة في حضن المقاولات ذاتها في ما بين الفروع المستقلة ذاتيا ، وفي ما بين فرق العمل المكرهة على أن تكون قابلة لممارسة أي عمل متعدد المهام ، وأخيرا في ما بين الأفراد من خلال فردنة العلاقة الأجرية : تحديد أهداف فردية ؛ وإنجاز مقابلات فردية للتقييم ؛ وزيادة في الأجور حسب الأفراد أو الحصول على علاوات تبعا للكفاءة والاستحقاق الفردي ؛ أوضاع شغل مفردنة ؛ واستراتيجيات " للتحسيس بالمسؤولية " تنحو نحو ضمان الاستقلال الذاتي لبعض الأطر الذين ولو أنهم مجرد مأجورين مندرجين ضمن تبعية تراتبية قوية يعتبرون في نفس الآن مسؤولين عن مبيعاتهم ومنتجاتهم و فروعهم ومحلاتهم التجارية . . الخ على طريقة " المستغلين " ، وهو مطلب من مطالب " الضبط الذاتي " يوسع " توريط " المأجورين وفق تقنيات " التدبير الإسهامي " في ما وراء مهام الأطر بكثير ، بكثير من تقنيات الإخضاع والقهر العقلانية التي تساهم وهي تفرض الاستثمار أو الاستغلال الزائد في العمل وليس فقط في مناصب المسؤولية والعمل في آجال مستعجلة ، في إضعاف أو اجتثاث معالم ومرجعيات وأشكال التضامن الجماعية (2) .
إن التأسيس العملي لعالم دارويني يجد نوابض انخراطه في المهمة والمقاولة في انعدام الأمان والمعاناة والقلق (3) لا يمكنه بدون شك أن ينجح بشكل تام إلا إذا كان قد توفر له تواطؤ أشكال التطبع على الهشاشة التي يولدها انعدام الأمان وتواجد " جيش احتياطي من اليد العاملة المطوعة والخانعة بفعل الهشاشة " وبفعل التهديد الدائم بالبطالة على كل مستويات التراتبية ، حتى العليا منها من بين الأطر خاصة . إن الأساس الأخير لكل هذا النظام الاقتصادي الموضوع تحت يافطة الدعوة لحرية الأفراد يتمثل بالفعل في " العنف البنيوي " للبطالة وللهشاشة و " الخوف " الناجم عن التهديد بالتسريح : فشرط الأداء " المتناغم " للنموذج الميكرو ـ اقتصادي الفرداني ومبدأ " التحفيز " الفردي للعمل يقيم في نهاية التحليل في ظاهرة جماهيرية تتمثل في وجود جيش احتياطي من العاطلين ، جيش لم يوجد فضلا عن ذلك لوحده ، ما دامت البطالة تعزل وتشتت وتفردن ، تعدم الحركية والتضامن .
إن هذا العنف البنيوي ينيخ أيضا على ما ندعوه عقد الشغل ( المعقلن بمهارة ودراية والمفرغ من إمكانية التحقق الفعلي بفعل " نظرية العقود " ) . لم يتحدث خطاب المقاولة يوما بهذا القدر عن الثقة وعن التعاون وعن الولاء وعن ثقافة المقاولة إلا في الفترة التي يتم فيها التمكن من إدماج كل لحظة من لحظات العمل ، مع العمل على اختفاء كل الضمانات الوقتية ( فثلاثة أرباع التوظيفات هي توظيفات ذات مدد زمنية محدودة ، ونصيب الوظائف المؤقتة لا يتوقف عن التعاظم ، والتسريح الفردي ينزع نحو أن لا يتم إخضاعه لأي تقنين ) . هو إشراك لا يمكن أن يكون فضلا عن ذلك إلا إشراكا غير مؤكد وملتبس ، لأن الهشاشة والخوف من التسريح يمكنه كالبطالة أن يحدث الرعب ويحطم المعنويات أو النزعة التقاليدية ( وعديد من المفاسد التي تعاينها الثقافة التسييرية وتأسف لها ) . في هذا العالم بدون عطالة ، بدون مبدأ محايث للاستمرارية يوجد المهيمن عليهم في وضع مخلوقات موجودة في عالم ديكارتي ( كارتيزياني ) : إنهم مرهونون بالقرار الاعتباطي لسلطة مسؤولة عن " الخلق المستمر " لوجودهم ـ كما يشهد على ذلك ويذكر به التهديد بإغلاق المعمل وإيقاف الاستثمار وتغيير المــوطن ( التهجير ) .
إن الشعور العميق بانعدام الأمان واللايقين في المستقبل وفي الذات الذي يصيب كل الشغالين والموسميين أيضا يعود تلوينه الخاص إلى واقعة أن مبدأ القسمة والتمييز في ما بين أولئك الذين طوح بهم وألحقوا بجيش الاحتياط ، وأولئك الذين يشتغلون يبدو مقيما في " الكفاءة المضمونة مدرسيا " ، والتي هي أيضا في أصل مبدأ التقسيمات الأخرى في حضن المقاولة " التي أضفي عليها الطابع التقني بالكامل " في ما بين الأطر أو " التقنيين " ومجرد العمال أو les os parias الجدد للنظام الصناعي . إن تعميم الإلكترونيك والإعلاميات وإكراهات الجودة التي ترغم كل المأجورين على امتلاك معرفة جديدة بأنواع من المهن ، وتؤبد بداخل المقاولة ما يعادل الامتحانات والاختبارات بالمدارس ، تنحو نحو مضاعفة الشعور بانعدام الأمان بفعل شعور عدم الأهلية المتناول بدراية وتعالم من قبل التراتبية . إن النظام المهني ، وعلى مستوى مجموع النظام الاجتماعي يبدو مؤسسا على قاعدة نظام " الكفاءات " أو أفدح من ذلك ، على نظام " ضروب الذكاء " . وكلما زادت ربما أكثر الفبركات التقنية لعلاقات العمل والاستراتيجيات المدبرة بشكل خاص بغاية تحقيق الخضوع والطاعة اللذين يشكلان موضوع انتباه لا ينقطع وإعادة ابتكار دائمة ، كلما زاد أكثر الاستثمار الضخم للأشخاص والوقت والبحث ، وزاد العمل الذي يفترضه الابتكار المتصل والمستمر لصيغ جديدة من صيغ تدبير اليد العاملة وتقنيات القيادة الجديدة ، فالاعتقاد والإيمان بتراتبية القيم المضمونة مدرسيا هو الذي يؤسس النظام والانضباط بداخل المقاولة الخاصة ، وأكثر فأكثر أيضا بداخل الوظيفة العمومية : المكرهتان على تصور الذات والتفكير فيها بالمقارنة مع نبالة المدرسة الكبرى المنذورة لمهام القيادة ، وبالمقارنة مع النبالة الصغرى للمستخدمين والتقنيين المقتصرين على مهام التنفيذ وهي دائما مؤجلة ، وذلك لأنهم بوصفهم مكرهين دوما على إثبات جدارتهم ، فإن العمال المحكوم عليهم بالموسمية وانعدام الأمان بخصوص منصب شغل هو معلق بدون توقف ومهدد بالحذف وبالسقوط في حمأة البطالة لا يمكنهم أن يكونوا إلا صورة مخيبة للآمال ، حتى عن ذواتهم ذاتها باعتبارهم أفرادا وعن جماعتهم أيضا التي كانت في ما مضى موضوع فخر واعتزاز ومتجذرة في التقاليد وقوية بإرث تقني وسياسي بأكمله ، أي صورة جماعة العمال التي إذا ما وجدت ولا تزال تتواجد أيضا على تلك الحال ، فهي منذورة لانهيار المعنويات وفقدان القيمة وفقدان الأوهام السياسية التي تعبر عن ذاتها في أزمة النزعة النضالية ، أو أفدح من ذلك ، في الاصطفاف اليائس في أطروحات نزعة التطرف الفاشي .
إننا نرى بذلك كيف تنزع اليوتوبيا النيوليبرالية إلى التجسد في الواقع على شكل آلة جهنمية تنفرض ضرورتها على المهيمنين ذاتهم ـ المخترقين أحيانا كالسيد جورج سوروس أو هذا الرئيس أو ذاك من رؤساء صناديق المعاش من طرف التخوف من التأثيرات المدمرة للإمبراطورية والسطوة التي يمارسونها ، والمحمولين على أفعال تعويضية مستلهمة من نفس المنطق الذي يريدون القضاء عليه كحالات كرم وأريحية السيد بيل جيتس . وكالماركسية في أزمنة أخرى ، والتي لها معها في هذا الإطار الكثير من القواسم المشتركة ، فإن هذه اليوتوبيا تخلق إيمانا هائلا ، la free trade faith ، لا فقط لدى أولئك الذين يتعيشون منها ماديا كرجال المال وباطرونات كبريات المقاولات . . . الخ ، وإنما أيضا لدى أولئك الذين يستخلصون منها مبررات وجودهم ككبار الموظفين والسياسيين الذين يقدسون سلطة الأسواق باسم الفعالية الاقتصادية ، ويشترطون إزاحة ورفع الحواجز الإدارية أو السياسية التي من شأنها أن تزعج مالكي رؤوس الأموال في مسعاهم الفرداني الخالص لمضاعفة الأرباح المعتبر نموذجا للعقلانية وتضخيمها إلى حدها الأقصى ، والذين يريدون الأبناك المركزية أبناكا مستقلة ، والذين يستعجلون إلحاق الدول الوطنية بإكراهات واشتراطات الحرية الاقتصادية من أجل أسياد الاقتصاد ، مع إلغاء كل التقنينات على مستوى كل الأسواق ، ابتداء من سوق الشغل ، وتحريم وحظر الإفلاسات والتضخم ، وإقرار الخوصصة المعممة للخدمات العمومية ، والإنقاص من النفقات العمومية والاجتماعية .
إن لدى الاقتصاديين حتى دون أن يتقاسموا بالضرورة مع المؤمنين الصادقين مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية ما يكفي من المصالح الخاصة بهم ( النوعية ) في حقل العلم الاقتصادي ، وذلك من أجل تقديم مساهمة حاسمة كيفما كانت حالات الوعي ( الفكر ) لديهم بخصوص التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لليوتوبيا التي يلبسونها لباس العقل الرياضي ، وإنتاج وإعادة إنتاج الإيمان باليوتوبيا النيوليبرالية . إنهم بوصفهم معزولين عن العالم الاقتصادي والاجتماعي كما هو بفعل نمط وجودهم بكامله ، وبفعل مجموع تكوينهم الفكري بكامله ، ذاك الذي هو في الغالب مجرد بشكل خالص ، كتبي ونظري النزوع ، فهم كما هو الحال من وقت لآخر في مجال الفلسفة ، ميالون خاصة لخلط أشياء المنطق مع منطق الأشياء . ولأنهم واثقون من نماذج لم تتوفر لهم الفرصة عمليا أبدا لوضعها على محك الاختبار التجريبي ، ومحمولون على النظر من أعلى لمكتسبات العلوم التاريخية الأخرى ، والتي لا يتعرفون بداخلها على النقاء والشفافية البلورية لألعابهم الرياضية ، والذين هم في الغالب الأعم غير قادرين على فهم ضرورتها الحقيقية وتعقدها العميق ، فإنهم يساهمون ويشاركون في تغير اقتصادي واجتماعي هائل ، ذاك التغير الذي حتى ولو أن بعض نتائجه المصيبة إياهم بالرعب ( فهم يستطيعون أن يساهوا مشتركين في الحزب الاشتراكي ويقدموا نصائح فطنة لممثليه في محافل السلطة ) لا يمكن أن لا يروقهم كلية ما دام أنه ، وكمجازفة لدى بعض الفاشلين ، معزو بالخصوص إلى ما يسمونه ب " فقاعات المضاربة " ، فإنهم ينزعون نحو إضفاء صفة الحقيقة على اليوتوبيا المنطقية والمقنعة تماما ( كبعض حالات الجنون ) التي يكرسون لها حياتهم .
ومع ذلك فالعالم هناك بالنتائج المنظورة فورا ومباشرة لتنفيذ وإعمال اليوتوبيا النيوليبرالية الكبرى : لا فقط فقر ومعاناة شريحة متعاظمة أكثر فأكثر من المجتمعات الأكثر تقدما اقتصاديا ، والتعاظم الاستثنائي للفوارق في ما بين المداخيل ، والاختفاء التدريجي لعوالم الإنتاج الثقافي وللسينما والنشر . . . الخ ، ومن ثمة في النهاية للمنتجات الثقافية ذاتها بفعل التسرب المتعاظم للاعتبارات التجارية ، وإنما أيضا وبالخصوص تدمير كل المؤسسات الجماعية القادرة على المجابهة والتصدي لتأثيرات الآلة الجهنمية ، وعلى رأسها الدولة التي هي المؤتمنة على كل القيم الكونية المرتبطة بفكرة الجمهور ، والفرض في كل مكان من المراتب العليا للاقتصاد والدولة ، أو في حضن المقاولات ، لهذا الضرب من الداروينية الأخلاقية التي تجعل بفعل التعلق والولع بالناجح Winner المكون بالرياضيات العليا والقفزات المطاطية ، صراع الكل ضد الكل وقلة الحياء والوقاحة معايير لكل السلوكات والممارسـات . وهذا النظام الأخلاقي الجديد المؤسس على الإطاحة بكل القيم يتأكد بداخل الفرجة المبثوثة بمجاملة وملاطفة من طرف وسائل الإعلام ، تلك الفرجة التي يقدمها هؤلاء الممثلون السامون للدولة الذين يحطون من كرامتهم المرتبطة بمراكزهم وينزلونها إلى مستوى مهمة مضاعفة انحناءات التبجيل أمام باطرونات الشركات المتعددة الجنسيات ؛ دايوو أو تويوتا ، أو التنافس على توزيع الابتسامات وعلامات الذكاء أمام شخص إسمه بيل جيتس .
هل يمكننا أن نتوقع أن تكون كثافة المعاناة التي ينتجها نظام سياسي ـ اقتصادي كهذا في يوم من الأيام في مبدأ حركة قادرة على إيقاف التسابق نحو الهاوية ؟ .. إننا هنا بالفعل أمام مفارقة عجيبة : ففي الوقت الذي يتم فيه اعتبار العوائق الملاقاة في طريق إنجاز هذا النظام الجديد ؛ أي نظام الفرد الواحد ، لكن الحر ، عوائق معزوة إلى ضروب من الصرامة والبدائية ، ولمسألة أن كل تدخل مباشر وواع ، على الأقل عندما يأتي من الدولة كيفما كانت دوافعه ، هو تدخل فاقد للمصداقية بدعوى أنه موحى به من طرف موظفين خاضعين لمصالحهم الخاصة و لا يعرفون إلا بشكل مشوش مصالح العملاء الاقتصاديين ، ومن ثمة فهو منذور للانمحاء لصالح ميكانيزم خالص ومجهول الإسم وهو السوق ( الذي يتم إغفال أنه بدوره مكان ممارسة المصالح ) ، فإن ما هو في الطريق إلى التحلل والانمحاء في الحقيقة هو الدوام والبقاء على قيد الحياة لمؤسسات ووكلاء النظام القديم والمجهود الكامل لكل شرائح وأصناف العمال الاجتماعيين ، وأيضا لكل أشكال التضامن الاجتماعية والأسرية أو غيرها التي تحول دون النظام الاجتماعي والانهيار والغرق في السديم والعماء رغم الحجم المتزايد للساكنة المعوزة . إن الانتقال والمرور إلى الليبرالية يتحقق بطريقة غير محسوسة ، وإذن غير قابلة للإدراك ، كجنوح القارات مخفية بذلك عن الأنظار تأثيراتها الأكثر إزعاجا على المدى الطويل ؛ تأثيرات تجد ذاتها مستورة ومخفاة بشكل مفارق بفعل أشكال المقاومة التي تفرزها ، منذ الآن ، عن أعين أولئك الذين ينافحون عن النظام القديم بالاغتراف من الموارد التي احتواها ، ومن النماذج القانونية أو العملية للإسعاف والتضامن التي اقترحها ، ومن العادات التي شجعها ( لدى الممرضين ، والمساعدات الاجتماعية . . الخ ) . وباختصار ، من احتياطات الرأسمال الاجتماعي التي تحمي جزءا من النظام الاجتماعي الحالي بكامله من السقوط في الفوضى ( وهو رأسمال منذور للتلاشي إذا لم يتم تجديده وإعادة إنتاجه ، إلا أنه نظام لن يعرف الاستنفاذ غدا ) .
إلا أن نفس هذه القوى " المحافظة " ، والتي من السهولة بمكان اعتبارها ونعتها بأنها قوى محافظة ، هي أيضا من زاوية أخرى قوى " لمقاومة " ترسيخ النظام الجديد يمكنها أن تصبح قوى هدامة ـ بشرط أساسي هو أن يعرف أصحابها كيف يقودون الصراع الرمزي الخالص ضد العمل الدائب " للمفكرين " النيوليبراليين من أجل إسقاط المصداقية وإقصائها عن موروث الكلمات والعادات والتمثلات المتعلقة والمرتبطة بالفتوحات التاريخية لحركات الماضي والحاضر الاجتماعية ، بشرط امتلاك القدرة أيضا على الدفاع عن المؤسسات المقابلة لها ؛ الحق في الشغل ، الرعاية الاجتماعية ، الضمان الاجتماعي . . الخ ، ضد إرادة إحالتها أو إلحاقها ببدائية ماض متجاوز ، أو أفدح من ذلك ، اعتبارها مزايا لا جدوى منها أو غير مقبولة . إن هذه المعركة ليست سهلة ، وليس من الناذر أن نجدنا مكرهين على مباشرتها على جبهات معكوسة . ومسترشدين بنية مفارقة هي للتدمير موجهة للحفاظ والتكريس ، فإن للثوريين المحافظين إمكانية تحويل ردود الأفعال الدفاعية المستحثة من قبل الأفعال المحافظة التي يعتبرونها ثورية إلى أشكال مقاومة رجعية وإدانتها باعتبارها دفاعا بدائيا ومنحطا عن " امتيازات " المطالب أو الثورات التي تنغرس بداخل التوسل بالحقوق المكتسبة ، أي في ماض مهدد بالانحطاط أو بالتدمير بفعل الإجراءات الرجعية ـ التي تعتبر نماذجها العليا تسريح النقابيين أو بشكل أكثر جذرية تسريح القدماء ، أي المحافظين على تقاليد الجماعة .
وإذا كنا نستطيع إذن الحفاظ على بعض الأمل المعقول ، فذلك لأنه لا زال موجودا في المؤسسات الدولتية وأيضا في تدابير الوكلاء ( وبخاصة أكثرهم التصاقا بهذه المؤسسات كنبالة الدولة الصغرى ) ، القوى التي هي ، تحت ظاهر أنه تدافع فقط ، كما ستتم مؤاخذتها على ذلك فورا ، عن نظام اختفى ، وعن " الامتيازات " التي تقابله ، مطالبة بالفعل ، حتى تصمد أمام الاختبار ، بالعمل على ابتكار وبناء نظام اجتماعي لن يكون قانونه الوحيد هو البحث عن المصلحة الأنانية والرغبة الفردية في الربح ، قانون سيفرد مكانا للجماعات الموجهة نحو السعي العقلاني وراء غايات منحوتة جماعيا ومصادق عليها . وضمن هذه الجماعات والجمعيات والنقابات والأحزاب كيف لا نفرد مكانا خاصا للدولة ، للدولة الوطنية أو أفضل من ذلك للدولة الفوق ـ وطنية ، أي الأوربية ( وهي خطوة نحو الدولة العالمية ) القادرة على أن تراقب وتفرض الضريبة بفعالية على الأرباح المحققة على مستوى الأسواق المالية ، والقادرة أيضا وخاصة على التصدي للنشاط التدميري الذي تمارسه هذه الأخيرة على سوق الشغل بإقرار المصلحة العامة والدفاع عنها يدا في يد مع النقابات ، تلك المصلحة التي أردنا أم لم نرد لن تخرج أبدا ، حتى بثمن بعض الأباطيل في الكتابة الرياضية ، من نظرة المحاسب ( في زمن آخر كنا سنقول عن نظرة " البقال " ) التي يقدمها الإيمان الجديد كما لو كانت الصورة الأسمى للإنجاز الإنساني .
باريس ، يناير 1998 .
(1) جوفمان ، المعازل ، دراسات حول الظروف الاجتماعية للمرضى العقليين ، باريس ، منشورات مينوي ، 1968 .
(2) لقد أمكن إجراء استطلاع عن كل هذا في عددين اثنين من أعمال البحث في العلوم الاجتماعية المخصصة لـ " أشكال الهيمنة الجديدة في مجال الشغل " ( 1 ، 2 ) 114 ، شتنبر 1996 و 115 ، ديسمبر 1996 ، وبخاصة في مدخل جابرييل بالاز وميشال بيالو ، " أزمة شغل وأزمة سياسة " ، 114 ، ص ص 3 ـ 4 .
(3) س . دوجور ، معاناة بفرنسا ، امتهان العدالة الاجتماعية ، باريس ، منشورات سوي ، 1997 .

أفكار السيد تيتماير


أفكار السيد تيتماير

بقلم : بيير بورديو

عن : نقيض ـ نار
لم أرد أن أكون متواجدا هنا للمساهمة ب " دفعة روحية " ؛ فقطع وشائج التماسك الاجتماعي الذي تطالب الثقافة بتجديدها هي النتيجة المباشرة لسياسة اقتصادية معينة ، وينتظر غالبا من السوسيولوجيين إصلاح الأقداح التي كسرها رجال الاقتصاد . وإذن ، بدل أن أكتفي باقتراح ما ندعوه بالمستشفيات العلاجات المهدئة والملطفة أردت أن أحاول وضع سؤال المساهمة التي يقدمها الطبيب للمرض . لقد أمكن بالفعل أن تكون " الأمراض " الاجتماعية التي نأسف ونحزن لها ، في جانبها الأعظم ، من إنتاج الطب الذي هو عنيف غالبا ، والذي نطبقه على أولئك الذين ننوي معالجتهم .
ولهذا ، وبعد أن قرأت بالطائرة التي كانت تقلني من أثينا نحو زوريخ استجوابا لرئيس البنك الألماني الذي تم تقديمه بوصفه " أسقف الدوتش مارك الكبير " لاأقل ولا أكثر ، أريد هنا بهذا المركز المعروف بتقاليده في مجال التأويل الأدبي ، الانكباب على ضرب من التحليل الهيرمينوطيقي لنص تجدونه بكامله في صحيفة لوموند ليوم 17 أكتوبر 1996 .
هاك ما يقوله " الأسقف الكبير للدوتش مارك " : " إن الرهان اليوم يتمثل في خلق الشروط الكفيلة بإحداث تنمية قابلة للدوام ولضمان ثقة المستثمرين . يتوجب إذن ضبط الميزانيات العمومية " ــ أي ــ ، وسيكون ذلك أكثر صراحة في الألفاظ الموالية ــ إقبار الدولة في أسرع وقت ممكن ، ومن بين أشياء أخرى أيضا ، إقبار سياساتها الاجتماعية والثقافية الباهظة الثمن من أجل طمأنة المستثمرين الذين يحبون أكثر أن يتكلفوا هم أنفسهم باستثماراتهم الثقافية . إنني متأكد من أنهم يحبون كلهم الموسيقى الرومانتيكية والرسم التعبيري ، وأنا مقتنع بدون أن أعرف أي شيء عن رئيس بنك ألمانيا بأنه في ساعاته الضائعة ، كما هو حال مدير بنكنا الوطني ، يقرأ الشعر ويمارس رعاية للآداب والعلوم والفنون . أعود من جديد للموضوع فأقول إن معنى أنه " تتوجب السيطرة على الميزانيات العمومية ، تخفيظ مستوى الضرائب والرسوم إلى الحد الذي يمكن من احتمالها على المدى البعيد " هو : تخفيظ مستوى الرسوم والضرائب المفروضة على المستثمرين إلى حد إحالتها محتملة على المدى البعيد من طرف هؤلاء المستثمرين أنفسهم ، وبذلك يتم تحاشي الفت في عضدهم وتشجيعهم على تحويل استثماراتهم للخارج . أستمر في قراتي : " إصلاح نظام الحماية الاجتماعية " معناه إقبار le walfare state الدولة الاجتماعية وسياساتها المتعلقة بالحماية الاجتماعية المعدة بإتقان لتدمير ثقة المستثمرين وإشعال حذرهم المشروع وهم المتيقنون من أنها مكتسباتهم الاقتصادية بالفعل ، ــ يتحدث عن مكتسبات اجتماعية ، ويمكن الحديث عن مكتسبات اقتصادية ــ ، أعني بذلك أن رساميلهم ليست متوافقة مع المكتسبات الاجتماعية للعمال ، وأنه يجب أن تكون هذه المكتسبات الاقتصادية بداهة محمية بأي ثمن ، وذلك بتدمير المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية الضئيلة للغالبية العظمى من مواطني أوربا المستقبلية ، أولئك الذين تمت الإشارة إليهم كثيرا في ديسمبر 1995 بوصفهم مرفهين ومحظوظين .
السيد هانس تيتماير مقتنع بأن مكتسبات المستثمرين الاجتماعية ؛ وأعني بذلك مكتسباتهم الاقتصادية لن تضمن البقاء أمام ديمومة لنظام الحماية الاجتماعية . إن هذا النظام إذن هو ما يجب إصلاحه باستعجال ؛ وذلك لأن مكتسبات المستثمرين الاقتصادية لا يمكن أن تنتظر أكثر . وللبرهنة لكم على أنني لا أبالغ ، فإنني أستمر في قراءة السيد هانس تيتماير ؛ وهو مفكر من أعلى مستوى ، يندرج في إطار المناصرين الكبار للفلسفة المثالية الألمانية : " تتوجب إذن السيطرة على الميزانيات العمومية وتخفيظ مستوى الرسوم والضرائب إلى الحد الذي يجعلها محتملة على المدى الطويل ، إصلاح نظام الحماية الاجتماعية ، تقويض وهدم ضروب الصرامة على مستوى سوق الشغل بالشكل الذي يجعل من غير الممكن من جديد تحقيق مرحلة جديدة من النمو إلا إذا ما نحن بذلنا مجهودا من أجل ذلك " ــ إن " نحن " هذه عجيبة ــ " إلا إذا ما نحن بذلنا مجهودا مؤثرا على السوق من أجل إحالته مرنا " ، وقد تم ذلك . لقد تم إطلاق الكلمات الكبرى والسيد م. هانس تيتماير ، في إطار التقليد الكبير للمذهب المثالي اللماني ، يعطينا مثالا رائعا عن بلاغة التلطيف اللفظية euphémisme الرائجة اليوم بالأسواق المالية : فبلاغة التلطيف اللفظي لا محيد عنها كي تستحث بشكل دائم ثقة المستثمرين ــ والتي سنفهم عنها أنها الألف والياء لمجموع النظام الاقتصادي ، الأساس والهدف النهائي ، le telos أوربا المستقبل ــ مع تحاشي إثارة تحدي أو يأس العمال الذين يجب إزاءهم أن نأخد في الحسبان رغم كل شيء ، إذا كنا نريد بلوغ تلك المرحلة الجديدة من النمو التي نمنيهم بها ، من أجل الحصول على مجهودين لا محيد عنهما ، وذلك لأن هذا المجهود هو مجهود منتظر منهم هم أنفسهم رغم كل شيء ، حتى ولو أن السيد م. هانس تيتماير ، باعتباره الأستاذ الفعلي لبلاغة التلطيف اللفظية ، قال : " تقويض وهدم ضروب الصرامة على مستوى سوق الشغل بالشكل الذي يجعل من غير الممكن من جديد تحقيق مرحلة جديدة من النمو إلا إذا ما نحن بذلنا مجهودا مؤثرا على السوق من أجل إحالته مرنا " ، وذاك إنجاز بلاغي هائل يمكن أن يترجم كالتالي : تشجعوا يا عمال ! ولنبذل معا كلنا مجهود المرونة المطلوب منكم ! بذل أن نضع سؤالا رزينا حول التعادل والتكافؤ الخارجي للأورو ، لعلاقاته مع الدولار والين ، فإن صحافي جريدة لوموند المهموم هو أيضا بعدم إحباط المستثمرين الذين يقرأون صحيفته والذين هم مصدر ممتاز لإشهارات الجريدة ، استطاع أن يلتمس من السيد م. هانس تيتماير الكشف له عن المعنى الذي يعطيه للكلمات /المفاتيح في لغة المستثمرين : الصرامة على مستوى سوق الشغل كذا المرونة . إن العمال إذا ما قرأوا جريدة جدية بشكل لا يقبل الجدل كجريدة لوموند ، فإنهم سيفهمون فورا ما يجب فهمه من ذلك ، أي : العمل ليلا ، العمل خلال أيام العطل ، ساعات العمل غير المنتظمة ، ضغوط متعاظمة ، التوتر العصبي . . الخ . إننا نرى أن جملة " على مستوى ــ سوق ــ الشغل " هذه تشتغل كشكل من أشكال النعت الهوميري ( نسبة إلى هوميروس ) كفيلة بأن يتم إلصاقها بعدد معين من الكلمات ، ويمكن أن تتم محاولتها لقياس مرونة لغة السيد م. هانس تيتماير للتحدث على سبيل المثال عن المرونة أو الصرامة على مستوى الأسواق المالية . إن غرابة هذا الاستعمال في لغة الخشب لدى السيد م. هانس تيتماير تسمح بافتراض أنه في لا يتعلق الأمر ب " تفكيك ضروب الصلابة على مستوى الأسواق المالية " ، أو " نحن بذلنا مجهودا على مستوى الأسواق المالية لجعلها مرنة " . وما يسمح بالاعتقاد بأنه وخلافا لما يمكن أن تجعلنا كلمة " نحن " نعتقده في جملة السيد م. هانس تيتماير " إذا ما نحن بذلنا مجهودا " وهو أن العمال والعمال وحدهم هم الذين يطلب منهم مجهود المرونة هذا ، وأنهم أيضا هم الذين يوجه إليهم التهديد ، القريب الشبه بالابتزاز ، والمتضمن في الجملة : " بالشكل الذي يجعل من غير الممكن بلوغ مرحلة جديدة من النمو إلا إذا ما نحن بذلنا مجهودا مؤثرا على مستوى سوق الشغل لجعله مرنا " . وبالواضح : تخلّوا ـ أيها العمال ـ عن مكتسباتكم الاجتماعية من أجل تحاشي فقدان ثقة المستثمرين باسم النمو الذي سيوفره لنا ذلك غدا . وهذا منطق جد معروف من طرف العمال المعنيين الذين يقولون من أجل تلخيص سياسة المشاركة التي قدمتها لهم الدوغولية في وقت سابق : " أعطني ساعتك اليدوية ، وسأخبرك كم الساعة " .
أعيد مرة أخرى ، بعد هذا التعليق قراءة نص السيد م. هانس تيتماير : " إن الرهان اليوم يتمثل في خلق الشروط الملائمة لنمو دائم ولثقة المستثمرين ، يتوجب إذن . . . " ــ لاحظوا " إذن " هاته ــ " السيطرة على الميزانيات العمومية ، تخفيظ مستوى الرسوم والضرائب إلى الحد الذي يجعلها محتملة على المدى الطويل ، إصلاح أنظمة الحماية الاجتماعية ، تقويض ضروب صلابة أسواق الشغل بالشكل الذي يجعل من غير الممكن مجددا بلوغ مرحلة جديدة من النمو إلا إذا نحن بذلنا مجهودا على مستوى أسواق الشغل لجعلها مرنة " . إذا كان نص بهذا القدر من الروعة ورائع بشكل رائع معرضٌ لعدم إثارة الانتباه ولمعرفة نفس المصير العابر للكتابات اليومية عما هو يومي فذلك لأنه مضبوط بشكل دقيق على قدر " أفق انتظار " الغالبية العظمى من قراء ما هو يومي الذين هم نحن . وذلك يضع سؤال معرفة كيف تم إنتاج ونشر " أفقِ انتظارٍ " هو بهذا الاتساع والانتشار ( وذلك لأن الحد الأدنى الذي يجب إضافته لنظريات التلقي ، التي لست أحد مريديها ، يتمثل في التساؤل عن من أين جاء هذا " الأفق " ) . إن ذلك الأفق هو نتاج عمل اجتماعي ، أو بشكل أفضل ، نتاج عمل سياسي . إذا كانت كلمات خطاب السيد م. هانس تيتماير مفهومة ببساطة ويسر فلأنها رائجة في كل مكان . إنها في كل مكان وعلى كل الألسنة ، إنها تروج كعملة رائجة ، ونحن نقبلها بدون تردد كما نقبل بالضبط تناول عملة ، عملة مستقرة ، قوتها بطبيعة الحال هي من الاستقرار ومن الجدارة بالثقة والتصديق والاعتماد تماما كالدوتش مارك : " نمو دائم " " ثقة المستثمرين " ، ميزانيات عمومية " ، نظام الحماية الاجتماعية " " صرامة " ، " سوق الشغل " ، " مرونة " ، يجب أن نضيف إليها " شمولية " ( وقد علمت عن طريق جريدة أخرى كنت أقرأها بداخل الطائرة التي كانت تقلني من أثينا إلى زوريخ أن الطباخين ، وتلك علامة على انتشار واسع ، يتحدثون أيضا عن " الشمولية " من أجل الدفاع عن الطبخ الفرنسي . . . )، " إحالة الشغل متسما بالمرونة " " تخفيظ النسب ، ــ بدون تعيين لهذه النسب ــ ، " التنافسية " ، " الإنتاجية " . . . الخ .
لا يمكن لهذا الخطاب ذي الطبيعة الاقتصادية أن يروج في ما وراء دائرة منعشيه إلا بمساهمة حشد من الناس ، رجال سياسة ، صحافيين ، مواطنين عاديين ذوي صبغة اقتصادية كافية من أجل القدرة على المساهمة في الرواج المعمم لكلمات كتاب مقدس اقتصادي معير بشكل سيء . مؤشر واحد على التأثير الذي ينتجه التكرار الإعلامي يتمثل في أسئلة الصحافي الذي يذهب نوعا ما إلى مُقَدَّمِ وواجهة انتظارات السيد م. تيتماير : فهو مشرب ومعبأ مقدما كفاية بالأجوبة التي يمكن أن يقدمها له . ، وإنه عبر تواطؤات منفعلة كهاته جاء رويدا رويدا ليفرض ذاته منظور يسمى المنظور النيوليبرالي ، منظور محافظ بالفعل يتأسس على إيمان عصر آخر وبداخل قدرية تاريخية لامهرب منها مؤسسة على أولية القوى المنتجة بدون أي تقنينات أخرى ما عدا الإرادات المتنافسة لدى المنتجين الأفراد . وليس صدفة ربما أن ينتقل عدد كبير من أفراد جيلي وبدون عناء من نزعة قدرية ماركسية إلى قدرية نيوليبرالية : فالنزعة الاقتصادية في كلتا الحالتين تعفي من المسؤولية وتُفشل التعبئة بإلغاء ما هو سياسي ، وبفرض سلسلة بأجمعها من الغايات لاتقبل النقاش : تنمية في حدها الأقصى ، تنافسية وإنتاجية . إن اعتبار رئيس بنك ألمانيا كما لو كان خادما من خدام الفكر يعني القبول والرضا بفلسفة كهاته . وما يمكن أن يفاجئنا هو أن الرسالة القدرية تضفي على ذاتها مظاهر رسالة تحريرية عبر سلسلة بكاملها من الألعاب المعجمية تدور حول فكرة الحرية والتحرير وإعدام التقنين ، . . . الخ ، عبر سلسلة بكاملها من أشكال التلطيف اللفظي ، أو لعب مزدوج بالكلمات ــ كالكلمة " إصلاح " على سبيل المثال ــ يستهدف تقديم إحدى عملياته كما لو كانت ثورة حسب منطق هو منطق كل الثورات المحافظة .
لنعد حتى ننتهي إلى الكلمة/ المفتاح في خطاب هانس تيتماير ألا وهي ثقة الأسواق فهي تمتلك استحقاق الإضاءة الكاملة للاختيار التاريخي الذي أمامه توضع كل السلط : فما بين ثقة الأسواق وثقة الشعب يجب ممارسة فعل الاختيار . غير أن السياسة التي تروم الحفاظ على ثقة الأسواق تعرض ذاتها لفقدان ثقة الشعب . وحسب قياس حديث للرأي بخصوص استجلاء مواقف الناس إزاء رجال السياسة أعرب ثلثا الأشخاص المستجوبين عن مؤاخذة تتمثل في اعتبارهم رجال السياسة غير قادرين على الاستماع والأخذ بعين الاعتبار لآراء الفرنسيين ، وهي مؤاخذة تتكرر بشكل كبير خاصة لدى مناصري الجبهة الوطنية FN ــ والتي يرثى فضلا عن ذلك لصعودها الذي لايقاوم بدون أن نفكر أو ننوي ولو للحظة واحدة إقامة علاقة ترابط في ما بين الجبهة الوطنية FN و صندوق النقد الدولي FMI . ( فقدان الأمل هذا بخصوص رجال السياسة هو فقدان ملحوظ بخاصة لدى الشبان الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و 34 سنة ، ولدى العمال والمستخدمين وايضا لدى المتعاطفين مع الحزب الشيوعي PC والجبهة الوطنية FN . وبوصفه مرتفعا نسبيا لدى مناصري كل الأحزاب السياسية فإن معدل الحذر والريبة هذا يصل إلى % 64 لدى المتعاطفين مع الحزب الاشتراكي PS ، وهو ما لا يعني أيضا غياب أية علاقة لذلك مع صعود نجم الحركة الوطنية FN ) . وإذا ما أقمنا علاقة في ما بين ثقة الأسواق المالية التي يراد إنقاذها بأي ثمن ، وحذر المواطنين ، فإننا سنرى ربما بشكل واضح وأفضل أين يكمن أساس العلة . إن الاقتصاد مع بعض الاستثناءات هو علم مجرد قائم على القطيعة غير المبررة مطلقا بين البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي الذي يحدد ويعرف النزعة الاقتصادية . إن هذه القطيعة هي في مبدأ فشل كل سياسة لا تعرف غاية أخرى غير غاية الحفاظ على " النظام والاستقرار الاقتصاديين " ، هذا الجديد المطلق الذي جعل منه السيد م. تيتماير كاهنا ورعا هو فشل يقود نحوه العماء السياسي لدى بعضهم ونؤدي نحن جميعا ثمنه .

فريبورغ ، أكتوبر 1996 .

من أجل أممية جديدة


من أجل أممية جديدة*
بـقـلــــم : بيير بورديو
من كتابه: نقيض ـ نار

توجد شعوب أوربا اليوم في منعطف من منعطفات تاريخها ؛ وذلك لأن فتوحات قرون عدة من الصراعات الاجتماعية والثقافية والسياسية من أجل كرامة العمال هي الآن مهددة بشكل مباشر . إن الحركات التي يمكن معاينتها هنا وهنالك ، هنا ثم بعد ذلك هنالك في مجموع أوربا وحتى خارجها ، حتى كوريا ، هذه الحركات التي تتوالى بألمانيا وفرنسا ، باليونان وإيطاليا . . الخ ظاهريا بدون تنسيق حقيقي ، هي في مجموعها ثورات مناهضة لسياسة تتخذ صيغا متعددة حسب المجالات وحسب البلدان ، سياسة مستلهمة دائما ، على الأقل ، من نفس النزوع والتوجه ؛ ألا وهو تدمير المكتسبات الاجتماعية التي هي ، رغم كل ما يقال عنها ، من بين الفتوحات الأكثر سموا للحضارة ؛ فتوحات يتعلق الأمر بجعلها كونية وتمديدها على مستوى مجموع الكرة الأرضية وعولمتها بدل اتخاذ " العولمة " ومنافسة البلدان الأقل تقدما اقتصاديا واجتماعيا مبررا لوضعها موضع التساؤل وإعادة . ليس هناك شيء أكثر طبيعية ومشروعية من الدفاع عن هذه المكتسبات التي يحلو للبعض أن يقدمها كما لو كانت تمثل شكلا من أشكال نزعة المحافظة أو البدائية ، فهل يمكن أن ندين بتهمة المحافظة عملية الدفاع عن المكتسبات الاجتماعية التي أتحدث عنها والمتمثلة في الحق في الشغل والضمان الاجتماعي التي عانى منها ومن أجلها صارع رجال كثيرون ونساء كثيرات هي أيضا مكتسبات سامية وثمينة ، مكتسبات لا تستمر ، من جهة أخرى ، في الوجود والبقاء فقط في المتاحف والمكتبات والأكاديميات ، وإنما هي حية فاعلة في حياة الناس وتحكم وجودهم اليومي . وهذا هو السبب في أنني لا أستطيع منع نفسي من الإحساس بشيء ما شبيه بشعور الغضب إزاء أولئك الذين بوصفهم يجعلون من أنفسهم حلفاء للقوى الاقتصادية الأعتى عنفا ، يدينون أولئك الذين بدفاعهم عن مكتسباتهم الموصوفة أحيانا بكونها " امتيازات " ، يدافعون عن / ويحمون مكتسبات كل الرجال والنساء بأوربا وخارجها .
إن النداء الصادر منذ بضعة أشهر عن السيد تيتماير لم يتم فهمه غالبا بشكل جيد ؛ وذلك لأنه تم فهمه باعتباره جوابا عن سؤال موضوع بشكل سيئ ، ولكونه وضع بالتحديد في سياق منطق معين هو المنطق النيوليبرالي الذي يطالب به السيد تيتماير . ضمن هذا المنظور يتقرر بأن الاندماج النقدي المرموز له من خلال وضع عملة الأورو هو الخطوة الأولى الإجبارية والشرط الضروري للاندماج السياسي بأوربا . وبعبارات أخرى يتم التشبث بأن الاندماج السياسي بأوربا سينحدر ضرورة وبشكل لا مناص منه من الاندماج الاقتصادي ، وهو ما يلزم عنه أن الاعتراض على سياسة الاندماج النقدي وعلى المنافحين عنها ، كالسيد تيتماير ، هو اعتراض صارخ على الاندماج السياسي . وباختصار ، فإن معناه هو أن تكون " ضد أوربا " .
بيد أن الأمر لا يتعلق بذلك أبدا ؛ فما هو موضوع السؤال هو دور الدولة ( أدوار الدول الوطنية الموجودة حاليا أو دور الدولة الأوربية التي يتعلق الأمر بإحداثها ) ، وبالخصوص في مجال حماية الحقوق الاجتماعية ؛ أي دور الدولة الاجتماعية القادرة وحدها على التصدي للميكانيزمات المتصلبة للاقتصاد المتروك لذاته . يمكن أن يكون المرء ضد أوربا كما هي في تصور السيد تيتماير ستستخدم كامتداد للأسواق المالية مع بقائه في نفس الآن بجانب أوربا ستشكل ، بفعل سياسة متوافق حولها ، عائقا في وجه عنف هذه الأسواق الذي لا يعرف حدودا . لكن لا شيء يمنحنا الأمل في سياسة كهاته لأوربا البنكيين التي يتم تهييئها وإعدادها لنا ؛ فنحن لا يمكن أن ننتظر من الاندماج النقدي أن يضمن اندماجا اجتماعيا ، بل العكس تماما : فنحن نعرف بالفعل بأن الدول التي تريد الحفاظ على تنافسيتها في حضن منطقة الأورو على حساب شركائها، لن يكون لها ملجأ آخر غير تخفيض التكاليف الأجرية بالإنقاص من التكاليف الاجتماعية ؛ فالإغراق الاجتماعي dumping socialوالأجري ، و " إحالة سوق الشغل مرنا " ستكون هي الملجأ الأخير المتروك للدول المفرغة من إمكانية اللعب على معدلات الصرف . وسيأتي كي ينضاف لتأثير هذه الميكانيزمات بدون شك ضغط " السلطات النقدية " كالبونديسبانك ومسيريه المتسرعين دوما للوعظ والنصح ب " التقشف في الأجور " . وحدها دولة اجتماعية أوربية فقط ستكون قادرة على عرقلة الفعل المضاد للاندماج الذي هو سمة للاقتصاد النقدي . غير أن السيد تيتماير والنيوليبراليين لا يريدون لا دولا وطنية يرون فيها مجرد عوائق للاشتغال الحر للاقتصاد ، و لا ، بالأحرى ، دولة فوق ـ وطنية يودون تحويلها إلى مجرد بنك . وواضح أنه إن كانوا يريدون التخلص من الدول الوطنية ( أو من مجلس وزراء دول المجموعة الأوربية ) بإفراغها من سلطاتها ، فليس ذلك بداهة من أجل خلق دولة فوق ـ وطنية من شانها أن تفرض عليهم وبسلطة متنامية الإكراهات والإلزامات في ميدان السياسة الاجتماعية خاصة ، تلك التي يريدون التحرر منها بأي ثمن .
ويمكن أن يكون المرء معاديا أيضا للاندماج الأوربي المؤسس على العملة الموحدة وحدها بدون أن يكون أبدا معاديا للاندماج السياسي لأوربا ، بل على العكس تماما بالدعوة لخلق دولة أوربية قادرة على السيطرة على البنك الأوربي ، وبتدقيق أكبر ، قادرة على السيطرة عن طريق الاستباق ، على التأثيرات الاجتماعية للاتحاد المقزم إلى بعده النقدي الصرف حسب الفلسفة النيوليبرالية التي تنوي العمل على محو كل آثار الدولة ( الاجتماعية ) باعتبارها عوائق تقف في وجه الاشتغال المتناغم للأسواق .
أكيد أن المنافسة الدولية ( خاصة في ما بين بلدان أوربا ) هي عائق أمام الوضع موضع التنفيذ " في بلد واحد " لما نسميه " تحريم التراجع والنكوص " ؛ وذلك ملحوظ بشكل واضح في مجال الإنقاص من مدة الشغل أو الاستنهاض الاقتصادي ( رغم واقعة أن الإنقاص من مدة الشغل تمول نفسها ذاتيا جزئيا بفعل الارتفاع المحتمل للإنتاجية وأنها تمكن من استرجاع المبالغ الهائلة التي صرفت من أجل مساندة البطالة ) .
وقد فهمها جيدا جون ميجور الذي قال بسخرية : " ستكون التكاليف الاجتماعية همكم ، وسيكون همنا الشغل " . كما فهمها أيضا الباطرونات الألمان الذين شرعوا في تهجير بعض المقاولات نحو فرنسا التي يعتبر تدمير الحقوق الاجتماعية بها أكثر " تقدما " نسبيا . وبالفعل ، فحقيقي أن المنافسة هي في جوهرها منافسة في ما بين بلدان أوربا وأن الشغالين الفرنسيين هم الذين يسرقون عملهم من العمال الألمان ، والعكس بالعكس بشكل متبادل ـ كما هو الحال ، ما دام قرابة ثلاثة أرباع المبادلات الخارجية في البلدان الأوربية تتم داخل حدود الفضاء الأوربي ـ ، نرى أن تأثيرات إنقاص من مدة الشغل بدون إنقاص من الأجر ستكون خفيفة بشرط أن يتخذ قرار كهذا وينفذ على المستوى الأوربي .
ونفس الشيء في ما يتعلق بسياسات إعادة تنمية الطلب أو الاستثمار في مجال التكنولوجيات الجديدة ، التي هي مستحيلة أو مدمرة كما يردد ذلك أنصاف ـ الحذاق ، كلما تم الأخذ بها لمدة طويلة في بلد واحد فإنها ستضحي معقولة على مستوى القارة . ونفس الشيء أيضا ، وبشكل أعم ، في ما يتعلق بأي نشاط موجه من قبل مبادئ اقتصاد حقيقي للسعادة ، قادر على أن يثبت في محضر كل الأرباح وكل التكاليف ، مادية كانت أم رمزية ، وكل السلوكات الإنسانية وبخاصة النشاط والعطالة . وباختصار ، يعتبر ضروريا في مواجهة أوربا نقدية مدمرة للمكتسبات الاجتماعية إيجاد أوربا اجتماعية مؤسسة على تحالف في ما بين شغالي وعمال مختلف البلدان الأوربية ، قادر على تحييد التهديدات التي يسلطها عمال كل بلد من بلدان أوربا على حدة على عمال البلدان الأخرى عبر الإغراق الاجتماعي خاصة .
في أفق كهذا ، وللخروج من دائرة برنامج مجرد ، فإن الأمر يتعلق بإبداع أممية جديدة ، وهي المهمة الملقاة في المقام الأول على عاتق التنظيمات النقابية . بيد أن أممية ما وراء تلك التي فقدت مصداقيتها في صيغتها التقليدية بفعل تبعيتها للإمبريالية السوفياتية تصطدم بعوائق كبرى بفعل أن البنيات النقابية بنيات وطنية ( مرتبطة بالدولة ومُنتجَةٌ في جانب منها من قبلها ) ومنفصلة عن بعضها البعض بفعل عادات وتقاليد تاريخية متباينة : ففي ألمانيا على سبيل المثال هناك استقلال ذاتي قوي للشركاء الاجتماعيين ، في حين أن بفرنسا تقليدا نقابيا ضعيفا في مواجهة دولة قوية ، وأيضا ، فإن الحماية الاجتماعية متنوعة بشكل كبير في هذه الأشكال والصيغ التنظيمية بدءا من إنجلترا حيث هي ممولة عن طريق الضريبة إلى ألمانيا وفرنسا حيث هي مدعومة عن طريق الاشتراكات والمساهمات ، ولا يوجد على المستوى الأوربي أي شيء تقريبا من ذلك . إن ما ندعوه " أوربا الاجتماعية " التي لم يعد يهتم أو ينشغل بها مطلقا " حراس الأورو " تحجمت إلى بضع مبادئ كبرى من خلال " الإعلان الاتحادي للحقوق الاجتماعية الأساسية " مثلا ، ذلك الإعلان الذي يحدد أرضية من الحقوق الدنيا متروك أمر تنفيذها لإدارات الدول الأعضاء . لقد توقع البروتوكول الاجتماعي الملحق بمعاهدة ماستريخت إمكانية تبني توصيات الأغلبية في مجال ظروف العمل وإخبار واستشارة العمال وتكافؤ الفرص بين الرجال والنساء . ومتوقع أيضا أن تكون لـ " الشركاء الاجتماعيين " الأوربيين سلطة التفاوض ومناقشة الاتفاقيات الجماعية التي تصبح لها قوة القانون بمجرد إقرارها والمصادقة عليها من طرف مجلس الوزراء .
كل هذا جميل ورائع ، لكن أين هي القوة الاجتماعية الأوربية القادرة على فرض اتفاقيات كهذه على الباطرونا الأوربيــة ؟ .. إن المؤسسات الدولية كالكونفدرالية الأوربية للنقابات هي مؤسسات ضعيفة ( حيث تُبقى مثلا خارج دائرتها بعض النقابات كنقابة ن ع ع CGT ) أمام باطرونا منظمة وتترك دائما تقريبا ، بشكل مفارق ، المبادرة للمؤسسات الاتحادية ( وللتكنوقراطيين ) حتى عندما يتعلق الأمر بالحقوق الاجتماعية . إن لجان المقاولات الأوربية استطاعت ، كما رأينا ذلك من خلال بعض الصراعات في حضن المقاولات المتعددة الجنسيات ، أن تشكل ملجأ وسندا قويا ، لكنها بوصفها بنيات استشارية اصطدمت بتباين المصالح التي تقسمها أو تجعلها في حال تعارض في ما بينها من بلد لآخر . إن التنسيق الأوربي للصراعات والمعارك هو تنسيق جد متخلف ، وقد تركت المنظمات النقابية فرصا عظيمة تضيع سدى كالإضراب الألماني بخصوص 35 ساعة عمل أسبوعيا الذي لم يجد صدى له على المستوى الأوربي ، أو حملات التعبئة الكبرى التي اشتعلت بفرنسا وبعديد من البلدان الأوربية في نهاية سنة 1995 وبداية سنة 1996 ضد سياسة التقشف وتفكيك الخدمات العمومية . لقد ظل المثقفون ، وخاصة بألمانيا ، صامتين عندما لم يشكلوا امتدادا أو صدى للخطاب المهيمن والسائد .
كيف يمكن خلق قواعد أممية جديدة على المستوى النقابي والثقافي والشعبي ؟ .. يمكننا أن نميز شكلين ممكنين من الفعل ليسا استثنائيين . هناك أولا تعبئة الشعوب التي تفترض في هذه الحالة مساهمة نوعية وخاصة من طرف المثقفين في حال ما إذا نتج جمود وانطفاء التعبئة في جانب منه عن إفشال المعنويات الناجم عن النشاط الدائم لـ " دعاية " كتاب المقالات والصحافيين ، وهي دعاية لا يتم إدراكها أو هي غير مدركة بوصفها كذلك . إن الأسس والقواعد الاجتماعية لنجاح تعبئة كهاته موجودة : وأذكر هنا فقط تأثيرات التحولات في العلاقات بالنظام المدرسي ، وخاصة بسبب الرفع من مستوى التكوين وإفقاد الشهادات المدرسية قيمتها والتأخر البنيوي في المراتب الناجم عنه ، وأيضا إضعاف القطيعة أو تقليص الشقة في ما بين الطلبة والعمال اليدويين ( القطيعة في ما بين الشيوخ والشباب ، الرسميين والمؤقتين ، أو المبلترين هي قطيعة مستمرة ، غير أن علاقات حقيقية نشأت مثلا من خلال أبناء العمال المتعلمين الذين مستهم الأزمة ) . إلا أن هنالك أيضا وخاصة تطور البنية الاجتماعية بسبب تنامي الفوارق الاجتماعية ضدا على أسطورة عظم حجم الطبقة الوسطى القوية بألمانيا ؛ فالكتلة الإجمالية لمداخيل الرأسمال تنامت ب % 60 في الوقت الذي ظل فيه مردود العمل المأجور ثابتا . إن حركة التعبئة الدولية هاته تفترض أن نفرد مكانة هامة للصراع بواسطة الأفكار ( بالقطع مع التقليد " العمالي النزعة " الذي يلازم الحركات الاجتماعية خاصة بفرنسا ، والذي يحظر أن يفرد للصراعات الفكرية مكانها الطبيعي في الصراعات الاجتماعية ) وبالخصوص لنقد التمثلات التي تنتجها وتذيعها بزخم دائم المؤسسات المهيمنة وخدامها المفكرين بإحصائيات مغلوطة وميثولوجيات تدعي التشغيل التام بإنجلترا أو الولايات المتحدة . . الخ .
الشكل الثاني من أشكال التدخل لصالح أممية قادرة على تنمية دولة اجتماعية عبر ـ وطنية يتمثل في ممارسة الفعل على / ومن خلال الدول الوطنية التي تعتبر ، بافتقادها في الحالة الراهنة لمنظور شمولي للمستقبل ، غير قادرة على تدبير المصلحة العامة الاتحادية . يجب التأثير على الدول الوطنية من جهة ، من أجل الدفاع عن / وتدعيم المكتسبات التاريخية المرتبطة بالدولة الوطنية ( وغالبا هي أكبر أهمية وأكثر رسوخا في المظاهر من أن الدولة هي الأقوى كما في فرنسا ) ، ولإرغام هذه الدول من جهة أخرى على العمل لخلق وتشييد دولة اجتماعية أوربية مراكمة ومجمعة للمكتسبات الاجتماعية الأكثر تقدما لمختلف الدول الوطنية ( مزيد من دور الحضانة والمدارس والمستشفيات وقليل من الجيوش والبوليس والسجون ) ، والعمل على ربط إيجاد أسواق موحدة بوضع معايير اجتماعية مخصصة لمجابهة العواقب الاجتماعية المحتملة على الأجراء والتي سيتسبب فيها التنافس الحر . ( ويمكن أن نستلهم هنا مثال السويد التي ترفض الانخراط في الأورو إلى حين إجراء مفاوضات تضع في الصدارة مسألة تنسيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية ) . إن التماسك الاجتماعي هو غاية بنفس أهمية تعادل العملات وتكافئها ، والتناغم الاجتماعي هو شرط نجاح اتحاد نقدي حقيقي .
وإذا ما جعلنا من التناغم الاجتماعي ، والتضامن الذي ينتجه ويفترضه أسبقية مطلقة ، فإنه يتوجب أن نخضع فورا للتفاوض ، وبنفس هم الصرامة الذي خصصناه لحد الآن للمؤشرات الاقتصادية ( كمعدل % 3 الذائع الصيت لمعاهدة ماستريخت ) ، عددا معينا من الأهداف والمرامي المشتركة والمتمثلة في تعيين الحد الأدنى للأجور ( المنوع حسب المناطق من أجل الأخذ بعين الاعتبار للتفاوتات الجهوية ) ؛ وضع تدابير ضد الفساد والتهرب الضريبي الذين يضعفان مساهمة المناشط المالية في التكاليف العمومية محدثين بذلك وبشكل غير مباشر لضريبة متصاعدة على الشغل ؛ و ضد الإغراق الاجتماعي في ما بين النشاطات المتنافسة مباشرة ؛ صياغة وتحرير حق اجتماعي موحد يقبل بصفة انتقالية تمييزا حسب المناطق ، ولكنه يستهدف إدماج السياسات الاجتماعية بتوحيده في المراكز والنقط التي يتواجد بها وبتنميته في النقط التي لا يوجد بها : مثلا بإقرار دخل فردي أو عائد أدنى بالنسبة للأشخاص الذين هم بدون عمل مؤدى عنه أو بدون موارد أخرى ، وبإنقاص التكاليف الجاثمة على الشغل ، وبتنمية الحقوق الاجتماعية كالتكوين وإقرار حقٍّ في الشغل والسكن وإبداع سياسة خارجية في المجال الاجتماعي تستهدف نشر وتعميم المعايير الاجتماعية الأوربية ؛ وتصور وتنفيذ سياسة موحدة للاستثمار طبقا للمصلحة العامة : ضدا على استراتيجيات الاستثمار الناجمة عن نصرة الاستقلال الذاتي للنشاطات المالية المحض مضاربة و / أو الموجهة من قبل اعتبارات الربح على المدى القصير أو المؤسسة على افتراضات مسبقة مناقضة كليا للمصلحة العامة ؛ كالاعتقاد بأن ممارسة التقليص والإنقاص من فرص الشغل هو ضمان لتدبير سليم ومحكم وضمانة للمردودية ؛ يتعلق الأمر بإعطاء الأولوية لاستراتيجيات تروم ضمان الحفاظ على الموارد غير المتجددة والبيئة وتطوير شبكات عبر ـ أوربية للنقل والطاقة ، توسيع دائرة السكن الاجتماعي والتجديد الحضري ( وبخاصة عن طريق وسائل نقل حضرية إيكولوجية ) ، الاستثمار في بحوث التنمية في مجال الصحة وحماية البيئة وتمويل نشاطات جديدة تبدو حاملة للتهديد ظاهريا ، وتتخذ صيغا مجهولة من صيغ العالم المالي ( مقاولات صغيرة وأعمال حرة ) (1) .
إن ما يمكن أن يبدو كما لو كان مجرد قائمة من التدابير المتنافرة مستلهم بالفعل من إرادة القطع مع قدرية الفكر النيوليبرالي ومن إرادة " إعدام البعد القدري " هذا من خلال التسييس واستبدال الاقتصاد المطبع لليبرالية الجديدة باقتصاد للسعادة يفرد في حساباته باعتباره مؤسسا على مبادرات الإرادة الإنسانية مكانا لتكاليف المعاناة ومزايا بناء الذات التي تتجاهلها العبادة والتقديس الاقتصادوي الخالص للإنتاجية والمردودية .
إن مستقبل أوربا متوقف بشكل كبير على وزن القوى التقدمية بألمانيا ( نقابات ، SPD ح ش د ، خضرا ) وعلى إراداتها وقدراتها على الاعتراض على سياسة الأورو " القوي " التي يدافع عنها البونديسبانك والحكومة الألمانية . وسيتوقف هذا المستقبل أكثر على قدراتها على تنشيط وإيجاد امتدادات للحركة من أجل إعادةٍ لتوجيه السياسة الأوربية تعبر عن ذاتها منذ الآن في بلدان عديدة ، وبخاصة في فرنسا . وباختصار ، فإنني أريد أن أؤكد لكم ضدا على كل أنبياء التعاسة الذين يريدون إقناعكم بأن قدركم هو في أيدي القوى المتعالية ، المستقلة واللامبالية ك " الأسواق المالية " أو ميكانيزمات " العولمة " ، على أمل أن أتمكن من إقناعكم بأن المستقبل ، أي مستقبلكم الذي هو أيضا مستقبلنا ومستقبل جميع الأوربيين ، يتوقف كثيرا عليكم باعتباركم ألمانا وباعتباركم نقابيين .
فرانكفورت ، يونيه 1997 .
****************************
(1) لقد استعرت عددا معينا من الاقتراحات من ييفز ساليس ، اقتراحات من أجل أوربا مغايرة ، بناء بابل ، باريس ، منشورات فيلان ، 1997 .
* مداخلة بالفوروم الثالث لـ DGB لمنطقة هيس ، فرانكفورت ، يوم 7 يونيه 1997 .